الدرس في قصة ظهور الشرك - ١، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول صحة حديث ابن عباس في قصة أصنام قوم نوح ويرد على تضعيف بعض العلماء له، مؤكدًا صحته رغم بعض الشكوك حول هوية عطاء في السند. يفسر سبب عبادة قوم نوح للأصنام.
يشرح حديث البخاري عن أصل عبادة الأصنام ويبين صحة الحديث، ويستخرج الفوائد مثل أن الأمة كانت على التوحيد منذ آدم حتى قوم نوح، وأن أول الآلهة اتخاذًا هو ود.
يشرح كيف يحاول الشيطان إضلال الناس وإدخالهم في الشرك مستخدمًا طرقًا مختلفة، ويستدل بحديث نبوي يبين حرص الشيطان على إفساد عبادة الناس وتحويلهم إلى الشرك.
يشرح كيف استغل الشيطان قوم نوح ليقعوا في عبادة الأوثان عبر الأنصاب، ويشير إلى أهمية الحديث وفوائده.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازلنا إخواني في الله في مثل هذه المقامات نتذاكر وإياكم ما صح عن القصص التي وردت عن سلفنا الصالح، ما كان عن نبينا عليه الصلاة والسلام، وعن صحبه الكرام. وفي هذا المقام نأتي بقصة أوردها لنا بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم بإسناد صحيح، وهو مما رواه الإمام البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه عند تفسير قول الله جل في علاه: ﴿وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودًا ولا سواعًا ولا يغوث ويعوق ونسرًا﴾. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: «قال هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن ينصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون إليها أنصابًا وسموها بأسمائهم، ففعلوا ذلك، فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عُبدت». هذا الأثر الذي أورده لنا ابن عباس رحمه الله، وذكره لنا ابن عباس كما جاء في صحيح البخاري، جاء من طريق ابن جريج عن عطاء عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه، يحكي في حال هذه الأسماء: ود وسواع ويغوث ويعوق ونسرًا، كانوا من أهل الصلاح من أهل التقى والعبادة، ثم أنهم ماتوا، جاءتهم الآجال ووافتهم المنية. إلا أن الشيطان استغل تعظيم الناس لأمثال هؤلاء الصالحين بأن يجعلهم مصعدًا إلى الكفر، وذلك أن بث في أنفسهم وفي روعهم على أن هؤلاء ينبغي أن تُبنى لهم أنصاب، أشياء مجسمة، تصاوير مجسمة تعبِّر عنهم، ثم تُتَّخذ هذه الأنصاب مجالس يتحدث الناس عندها عن ما كان من فضائل وسوابق خيرات هذا الصالح، كلٌ في بلدته: ود هنا، وسواع هناك، ويغوث هنا، وهكذا ستكون هناك أنصاب مجسمة في كل قرية، ومع ذلك تُتَّخذ هذه الأنصاب محل الذكر، ثم بعد ذلك لازال الشيطان بهم حتى جعلها آلهة، بدلًا من أن تكون مجالس تذكير، أصبحت المجالس تعبيدًا لغير الله، تُتَّخذ هذه الأنصاب أصنامًا عُبِدت من دون الله. هذا الحديث إخواني في الله، وهذا الأثر المروي فيه العديد والعديد من الفوائد، لكن قبل الخوض في ذكر فضائله وفوائده، نبقى في مسألة مهمة وهي متعلقة بصحته، إذ أنه وجد من بعض الناس من أخذ يلمز بهذا الحديث وقام بتضعيفه، منهم من ينتسب للعلم بحجة البحث العلمي والتحقيق والتصحيح للأحاديث والتفتيش حول الأسانيد. لكن فرح بضعف هذا الحديث بتضعيفه جمع من أهل البدع ممن تعلقت قلوبهم بعبادة القبور، فرحوا بتضعيف هذا الحديث لأن هذا الأثر وهذه القصة تُعتبر حجر عثرة أمام ما هم عليه. ولهذا هم إذا قام لهم قائم وذكرهم بحديث ابن عباس كيف أن هؤلاء استدرج لهم الشيطان حتى جعلوهم عبادًا لغير الله، قالوا: قف، هذا الحديث ضعيف. تقول لهم: في البخاري. ولو في البخاري ضعيف، فيستمسكون بتضعيف الحديث لا لشيء، لا بحثًا في إسناده ولا تحقيقًا في رواته، وإنما همهم أن يُزيحوا هذا الحديث بأي إزاحة حتى لا يُجابهون ويُواجهون به. والحديث إخواني في الأخلاصة أنه صحيح. الإشكال الذي وقع عند بعض العلماء أن هذا الحديث جاء من طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس، عطاء جاء في البخاري مبهم. عطاء وهنا أُشكل الأمر: هل عطاء هنا عطاء بن أبي رباح، فهو سمع من ابن عباس ولا غبار على الحديث، فالحديث صحيح؟ وإما أن الحديث مروي من طريق عطاء وهو الخراساني، وعطاء الخراساني لم يسمع من ابن عباس. بعضهم قالوا أن المقصود بعطاء هنا الخراساني، بدليل ما رواه عبد الرزاق في تفسيره المطبوع، قال: من طريق عن ابن جريج عن عطاء الخراساني عن ابن عباس. قال: إذن الخراساني هذا المقصود، والخراساني لم يسمع من ابن عباس، فالحديث منقطع، فهو ضعيف. لكن رد العلماء قالوا: هذا لا يسلم لعدة أمور. الأمر الأول، قال الحفاظ كأمثال الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى: أن عطاء الخراساني وعطاء ابن رباح الكل يروي عن ابن عباس، الكل يروي عن ابن عباس، إذن لا غبار، فهنا عندنا احتمالية، لا عندي جزم، فاحتمال كما قال الحافظ بن حجر أن الكل رووا عن ابن عباس، جاء الطريق عطاء الخراساني عن ابن عباس، وجاء طريق أخرى عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس، هذا متصور، وهذا يمكن كما قال الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى. الأمر الثاني، أن البخاري رحمه الله تعالى، وكفاك باسمه أنه علامة على الصحة، هو الذي اشترط الصحة في أحاديثه، فما ظنك بحديث يجعله أصلًا في تفسير آية، وهذا الحديث يجعله مسندًا من شيخه إلى ابن عباس، ثم يتجرأ من يتجرأ يقول: لا يا بخاري، هذا المقصود به الخرساني. وما تدري أن البخاري يعتبر من أئمة الجرح والتعديل ومن أئمة العلل، فهو يدري بهذا العلة، إذا كان صغار طلاب العلم يعلمون أن الخرساني ما سمع ابن عباس، هل يخفى هذا على البخاري؟ ما يخفى، كما صرح العلم: ما خفى هذا على البخاري، إذن البخاري روى عطاء عن ابن عباس لعلمه أن المقصود عطاء بن أبي ربع، لأنه اشترط الصحة في كتابه من حيث قوة الرواة ومن حيث اتصال السند. الأمر الثالث، أن الذي انتقد هذا الحديث ليس من المتقدمين، المتقدمون قد سلموا بصحة الحديث، ما هناك أحد عالم من المتقدمين غلط البخاري، وإنما كلهم أشاروا إلى صحة الحديث وأنهم مروي ولا غبار عليه. من الذي انتقد؟ الذي تأخر، والذي تأخر. وهذا يجعلك تتأنى، فإن المتقدمين أعلم بالأحاديث صحة وضعفًا من المتأخرين. زد على ذلك على أن هذا الحديث قد وافق القرآن ووافق واقع العرب، وافق القرآن ووافق واقع العرب، فكان العرب يتحدثون عن هذا الأثر حتى بلغ إلى كفار قريش، كانوا يعلمون بصحة هذا الخبر وأن هذا هو الواقع أنهم كانوا صالحين وأنهم ثم ماتوا وعُكف على قبرهم ثم عُبدت، هذا كان مما قد علمه العرب قديمًا. فالحديث يوافق لما ظاهر القرآن ويوافق واقع العرب، فهذا الحديث إخواني بالله في هذا المقام لا غبار على صحته وأنه صحيح، وأن الذي قام بتضعيف وتعليله ليس القول قائم معه، بل معه الاحتمالية، والبقاء على صحة البخاري أفضل من التشكيك في روايته وفي تصحيحه، وإبقاء سلامة الحديث فيه هو الأولى. إذن إخواني في الله نرجع إلى هذا الحديث، هذا الحديث يبين لنا الآية القرآنية: ﴿وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودًا ولا سواعًا ولا يغوث ويعوق ونسرًا﴾، إذن علمنا أن هؤلاء أناس صالحين. تبقى مسائل: المسألة الأولى، هذا الحديث يحكي عن فترة زمنية كانت بين آدم عليه السلام إلى بعثة نوح، هذه الفترة، هذه الحقبة الزمنية هي التي وقعت فيها هذه الحادثة. وهذه الفترة في كم امتدادها؟ امتدادها عشرة قرون، عشرة قرون كما صح بذلك الخبر عن نبينا عليه الصلاة والسلام، قال نبينا: «كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلها على التوحيد»، كلها على التوحيد، ما عرف الشرك قط في هذه المرحلة من لدن آدم عليه السلام طيلة هذه الحقبة الزمنية، ليس قرن ولا قرنين ولا ثلاث ولا أربعة، عشرة قرون كلها على التوحيد حتى جاء قوم نوح، ثم ظهر على عتباتهم الشرك، فأول ما ظهر الشرك ظهر الشرك في قوم نوح. ومن هنا فائدة نعلم على أن الأمة، أمة البشر من بعد آدم هي على التوحيد، وهذا فيه رد على المناطق وعلى الفلاسفة، وللأسف إن جر خلفهم بعض الكتاب من المعاصرين ممن خدع بعبارات الفلاسفة والفلسفة، قالوا: أن الناس في بداية تدينهم كانوا على التعددية ثم على التثليث ثم على التثنية ثم على التوحيد، هذه نظريات من نظريات الفلاسفة، يقولون: أن الناس منذ نشأتهم في تعبدهم كانوا قد فطروا إلى التعددية ثم على التثليث ثم الثانوية ثم التوحيد، وهذا كله كذب، وإنما الأمة من لدن آدم إلى أن جاء قوم نوح كلهم كانوا على التوحيد. وهكذا كذلك في هذا الحديث استفاد العلماء على أن أول الآلهة اتخاذًا هو ود، ثم بعده سواع، ثم بعده يغوث، ثم بعده يعوق، ثم بعده نسرًا، هكذا الترتيب الزمني في اتخاذ الآلهة، اتخذ أولًا ود. ومن أين جاء الترتيب؟ قال بعض المفسرين من ظاهر الآية القرآنية: ﴿وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودًا ولا سواعًا ولا يغوث ويعوق ونسرًا﴾، فاستفاد بأن الترتيب قائم على هذا الترتيب الزمني على الترتيب الذكري هو الترتيب الزمني لوجود الآلهة. كذلك استفاد العلماء من هذه الآية على أن هذه الأصنام والآلهة التي عُبدت وهي بالأصل كانوا أناسًا صالحين، لكن عُبدت فيما بعد، أن هؤلاء ليسوا على درجة واحدة من التعظيم، ليسوا على درجة واحدة من التعظيم، بل كانوا يتفاضلون، يتفاضلون في العبودية لغير الله. واستفاد العلماء ذلك من حرف «لا»، قال ربنا: ﴿وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودًا ولا سواعًا ولا يغوث ويعوق ونسرًا﴾، تجد أن الثلاثة الأول عُطفت بحرف «لا»، وأما الآخران فعُرِفا من «لا». قال العلماء: فيه دلالة على أن الأعظم والأكبر والذي له الشهرة في ذاك الزمن ود وسواع ويغوث، بدليل حرف «لا»، وأما يعوق ونسر فقد كانا دونهم في الفضيلة، دونهم في الفضيلة، أي أنه عُبدا، لكن عبادة الآخرين ليس كعبادة الأوائل. وهذا إخواني في الله، عقيدة عند المشركين ولا زالت، أنهم وإن اتخذوا آلهة فهم يرون أن الآلهة تتفاوت. فانظر مثلًا كفار قريش كان عندهم فوق ثلاثمائة صنم، هل كلهم قد اشتهرت؟ لا، ما اشتهرت كلها، بعضها ذكرت وعرفت، وأما بعضها مندثر، هي تعبد لكن ليست لها شهرة كشهرة الأوائل. وهكذا قس حتى عند عباد القبور في هذه الأزمان، يقولون: أن الذي يعبد من دون الله كما يسمى بالأولياء هناك هم على درجات، هناك الغوث الأكبر، الغوث الأكبر وهو الكبريت الأحمر كما يوصفونه، ثم بعد ذلك تأتي الأقطاب، ثم بعد ذلك يأتي الأوتاد، ثم بعد ذلك يأتي النجباء، وهكذا بعد ذلك يأتي الأبدال. فهؤلاء يعتقدون أن الآلهة تتفاضل، وإن سموها ولاية، لكن هي آلهة تعبد من دون الله عز وجل. وهكذا أنظر إلى أصحاب الزيارات الشركية، فتجد المشاهد موجودة هنا مشهد وهناك مشهد، هنا مشهد وهنا مشهد، هل كلها لها نفس التعظيم؟ لا، هناك مشاهد يرحل إليها يسافر إليها يشد لها الرحل ويأخذ منها أيام ويقع فيها الذبح والقدح والأكل والشرب والعزائم والتصرف في الأموال ويصطحب لها القرابين، وبعض المشاهد يدون ذلك لا تذكر إلا عند آحاد الناس. وهذا إخواني في الله، العقيدة عند المشركين وعند كل من عبد غير الله سبحانه وتعالى، أنه يضطرب بين هذه المعبودات التي اتخذوها من دون الله جل في علاه. كذلك إخواني في الله، في هذا في الحديث بيان ما عليه الشيطان من حرص على الآدميين، أي شيطان حريص على أنه يضل العباد، ما من طريق من طرق الخير إلا والشيطان قعد في طريق الآدم. وقد ثبت ذلك في السنة، من حديث أبي فاكهة، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه»، أي: ما من طريق يوصل إلى الله إلا والشيطان قعد. تأمل اللفظة: «قعد»، أي: ماذا يعني؟ مسترخي قعود. قال نبينا: «ما من طريق إلا وقعد الشيطان لابن آدم بأطرقه»، فقعد له في طريق الإسلام، فقعد له في طريق الإسلام، أي: إذا أراد العبد أن يسلم جلس الشيطان في طريق الإسلام، قال: «أتسلم وتذر دينك ودين آبائك وآباء آبائك؟» قال عليه الصلاة والسلام: «فعصاه فأسلم، ثم قعد له في طريق الهجرة، قال: أتهاجر وتدع أرضك وسماك؟» قال: «فعصاه فهاجر، ثم قعد له في طريق الجهاد، قال: أتجاهد جهاد المال والنفس فتقاتل فتقتل فتوزع الأموال وتنكح الزوجة؟» قال: «فعصاه فجاهد». قال عليه الصلاة والسلام: «والذي نفسي بيده، من فعل ذلك كان حقًا على الله أن يدخله الجنة». أنظر: أشاهد أن الشيطان ما من طريق إلا وقعد، كل طريق: طريق الإسلام لك بالمرصاد، طريق الجهاد لك بالمرصاد، طريق الهجرة لك بالمرصاد، طريق الاستقامة، طريق الصلاة، طريق الطهارة، طريق العفة، طريق العلم، ما من طريق إلا وشيطان لك بالمرصاد، يؤزك ويبعدك ويصرفك عن طاعة الله. وأعظم طريق يا عبد الله، كما يستفاد من هذا الحديث: أعظم طريق أراد الشيطان أن يدخل الناس فيه هو إخراجهم من التوحيد وإيقاعهم في الشرك، إخراجهم من التوحيد وإدخالهم في الشرك. لماذا في الشرك؟ الشيطان يحرص كل الحرص، ما الذي يريد من هذا؟ الدنيا. أخوان لا يخفاكم ما كانت من قضية قصة إبليس المعروفة، أخرج من الجنة بماذا أخرج؟ بسبب آدم، بسبب آدم عليه السلام. فتح آدم عيناه على كرامة، على حفاوة، أن الله عز وجل خلقه بيده وأسكنه جنة وجعل الملائكة تسجد وتنحني له، غضب الشيطان مرتضى هذه الكرامة، فأبى أن يسجد لآدم، فأخرج من الجنة مذمومًا مدحورًا، تتلى عليه لعائن الله إلى يوم الدين. فأخذ الشيطان في نفسه الانتقام من أبينا آدم ومن ذريته، فكان شعاره: «إنما يدعو حزبه ليكون من أصحاب السعير»، يقول: والله ما أبقى في النار لوحدي، وإنما يا آدم سأخذ من ذريتك ما أخذ حتى يكونوا لي جلساء في نار جهنم. ومن أنيسه؟ إذا كانوا العصاة الموحدين ليسوا جلساء، لأنهم سيدخلون ويخرجون، هو يريد من يلبث معه، من يستقر معه، ولن يستقر معه إلا الكفرة، إلا المناحدة، إلا المشركون. ولهذا يحرص كل الحرص على إدخال الناس في الشرك. ولهذا قال ربنا عز وجل: ﴿كمثل الشيطان إذ قال للإنسان كفر فلما كفر قال إني بارئ منك﴾. فالشاهد إخواني في الله، فالشيطان يحرص على إدخال الناس في الكفر. وقد جاء في الحديث القدسي: قال الله جل وعلا: «إني خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين عن دينهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم ينزل بي سلطانًا». وتمعن يا عبد الله في الأمم السالفة والغابرة والحاضرة، كيف أن الشيطان استطاع أن يستزلهم لعبادة غير الله: عبد الأصنام، عبد الأحجار، عبد الكائنات، عبد الحيوانات، عبد الأشجار، عبد حتى الحشرات، ما من شيء إلا عبد، ما من شيء إلا عبد. وما بقي إلا الخُلص من الموحدين. ولا زال الشيطان حتى الموحد، حتى الموحد ما استطاع أن ينجو من براثن الشرك، لا زال الشيطان وراءك يجعلك تقع في شرك لفظي، في شرك اعتقادي، في شرك عملي، إلى آخره، حتى في الأفكار، حتى في الأفكار. كما جاء في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الشيطان يأتي أحدكم فيقول: من خلق السماء؟ فأنت في حال التدبر تقول: الله. فيقول: من خلق الأرض؟ فتقول: الله. فيقول: من خلق الله؟» فقال نبينا: «من بلغه ذلك فليستعذ بالله». وفي رواية: «يقول: آمنت بالله وبرسله، آمنت بالله وبرسله». فهذا أقول يا إخواني في الله: استطاع الشيطان عن طريق هذه الأنصاب أن يجعل قوم نوح يقعون في عبادة الأوثان. وسأتي كذلك بقية تكملة للحديث والفوائد الموجودة في هذا الحديث. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.