قصة يوسف عليه السلام 1

قصة يوسف عليه السلام 1

الدرس في قصة يوسف عليه السلام 1، مقدمات مهمة بين يدي قصة يوسف - عليه السلام - . ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة وتوطئة لقصة يوسف عليه السلام

يقدم تمهيدا لقصة يوسف عليه السلام ويشير إلى أهمية سورة يوسف في القرآن الكريم. يذكر أن كل الأنبياء أتوا إليه في اليمن ويستغل الفرصة للدعوة إلى الإسلام.

تفسير قوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ وتوضيح مقصودها

يتناول تفسير الآية الكريمة "نحن نقص عليك أحسن القصص" ويوضح أنها تشير إلى قصص القرآن كله وليس قصة يوسف فقط. يستشهد بحديث سعد بن أبي وقاص وآراء العلماء مثل شيخ الإسلام ابن تيمية.

نشر عقيدة التوحيد من خلال قصة يوسف عليه السلام

قصة يوسف عليه السلام تحمل نشر عقيدة التوحيد ليس فقط في مصر بل في العالم بأسره. كانت مصر لم تصلها دعوة إبراهيم عليه السلام، ولكن يوسف عليه السلام قام بنشر التوحيد في مصر وخارجها.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، في الدروس الأخيرة من سلسلة قصص الأنبياء والرسل كان الحديث عن يعقوب عليه السلام، وأشرنا إلى ما يتعلق بحياته من خلال زواجه بالمرأة الثانية، ثم بالمرأة الأولى ثم الثانية، وكيف أن الله عز وجل بارك في ذريته، وكان من ذريته عليه السلام يوسف، وهذا هو في الحقيقة تمهيد لما سنتحدث عنه في هذا المقام، وفيما سيأتي من الأيام حول نبي الله يوسف عليه السلام. هنا إخواني في الله مقدمات سريعة أحب أن أبتدأ بها بين يدي قصة هذا النبي. أولا علينا أن نعلم أن يوسف عليه السلام هو نبي كريم جليل. مرة مضى معنا ما جاء في الصحيح من قوله عليه الصلاة والسلام: «إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم»، وعنى نبينا صلى الله عليه وسلم بقوله «إن الكريم» يعني يوسف عليه السلام، فهو نبي كريم نبيل جليل جميل عليه السلام. كما سيأتي معنا، وقد جاء ذكره في القرآن في ستة وعشرين مرة، تكرر اسمه في القرآن ستة وعشرين مرة عليه السلام، منها أربعة وعشرين مرة فقط جاء في سورة يوسف. أربعة وعشرين مرة جاء اسمه في سورة يوسف، هذه السورة التي سميت باسمه، سميت باسمه. وهنا أحب أن أدلل وأبين بعض الفوائد المستفادة من سورة يوسف، أو قل من قصة يوسف بشكل عام، وهي مقدمات ينبغي للقارئ لهذه القصة أن يتأمل فيها. أولا علينا أن نعلم أن قصة يوسف جاءت في سورة يوسف، وهي السورة الوحيدة التي جاءت فيها تفاصيل هذه القصة، لن تجد قصة يوسف في موطن آخر من القرآن، فقط في هذه السورة، فهي لم تتكرر، لم تتكرر في موضع آخر، وإنما جاءت بتفاصيلها، حتى يقول جماعة من أهل العلم أن قراءتها يغني عن تفسيرها، لعظيم معالمها وإضاح كلام الرب عز وجل فيها. وأيضا يضاف لهذه الفائدة أن سورة يوسف اجتمعت على أطول قصة في القرآن في سياق واحد، قصص الأنبياء والرسل يأتي مفرق هنا وهنا وهنا، أما في سورة يوسف فقلنا هي الموطن الوحيد التي جاءت فيها ذكر هذه القصة، وهي كذلك أطول قصة، أطول قصة من أول السورة إلى نهايتها، وكلها تتحدث عن تفاصيل قصة يوسف وما جرى له. الفائدة الثانية، قصة يوسف أو قصة يوسف بشكل عام هي القصة الوحيدة التي جاء ذكرها في التوراة، جاء ذكرها بالتوراة بكل تفاصيلها، أي أن من علم بتفاصيل سورة يوسف وقرأ ما في التوراة، وخصوصا كما يقول العلماء في سفر التكوين، يجد قصة يوسف هي هي كما في القرآن. أن يعقوب عليه السلام عنده أبناء، وأن قلبه تعلق بيوسف عليه السلام، وأن يوسف رأى تلكم الرؤية أن الشمس والقمر له سجدة، وأنه حكى ذلك لأبيه، وأبوه منعه أن يحكيه لإخوته، وأن إخوته أخرجوه ذات يوم إلى البرية فأخبرهم بهذه الرؤية التي رآها، فحسدوه، كل هذا موجود في التوراة عندهم. الفائدة الثالثة أن من أنكر سورة يوسف كفر، وهذا قد يأتي بالاستغراب للسامع ويقول: وهل أحد أنكر هذه السورة؟ نعم، هناك فرقة من فرق الخوارج والتي تسمى بالميمونية، وقد ذكر ذلك عنهم الشهرستاني رحمه الله، ذكر عن هذه الفرقة من فرق الخوارج أنهم أنكروا سورة يوسف، وأنها قصة وليست من القرآن. وحجتهم في هذا الباب قالوا: إن هذه القصة اجتمعت على مسائل الحب والعشق والغرام والإغراء إلى غير ذلك، فيرون أنه من غير اللائق بالقرآن أن تورد فيه مثل هذه القصة، فأنكروها. وهؤلاء ومن كان على فلكهم، ومن أنكر هذه السورة فقد كفر، فقد كفر وإن كان مسلما فقد ارتد، فإن سورة يوسف من سور القرآن العظيم. الفائدة الرابعة في هذا الموطن في قوله سبحانه وتعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ في مطلع سورة يوسف، فيه هذه الآية الكريمة، الكثير من الناس من يرى أن الضمير في هذه الآية «أحسن القصص» إنما تعود إلى سورة يوسف، إلى سورة يوسف، حتى إذا سئل أو طرح سؤالا: ما هي أحسن سورة في القرآن؟ كان الجواب عند أكثر الناس: سورة يوسف، فيجعلون أن سورة يوسف أحسن من سورة قصة صالح، وقصة نوح وهود وإبراهيم وموسى. وهل هذا صواب؟ الجواب: لا، هذا ليس بصواب وليس بصحيح أن يقال أن قصة يوسف هي المعنية بقول الله «أحسن القصص»، لا، بل إن المقصود بهذه الآية «أحسن القصص» المقصود بها قصص القرآن كله، كله هي أحسن القصص، فكل ما قصه الله علينا في كتابه هي تعد الأفضل والأحسن إطلاقا من حيث الأسلوب والموضوع والمضمون. ويؤيد هذا المعنى ما جاء عند ابن حبان والحاكم بسند صحيح من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قال: إن الصحابة قالوا: يا رسول الله، بعدما أنزل الله على نبينا القرآن، قالوا: يا رسول الله لو قصصت علينا، بعدما نزل القرآن فترة من الزمن، قال سعد: لما أنزل الله القرآن على رسول الله فتلاه علينا زمانا، قلنا: يا رسول الله لو قصصت علينا، قال: فأنزل الله قوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾. وهذا الحديث أورده شيخنا مقبل رحمه الله تعالى في كتابه «الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين»، إذن هذه الآية نزلت في أن الذي يقصه الله علينا في كتابه هي أحسن القصص، ليس مقصود بها قصة يوسف فقط كما يظن الكثير من الناس. ويوضح هذا المسألة شيخ الإسلام رحمه الله تعالى حيث قال في «مجموع الفتاوى»: قال: ومن المعلوم أن قصة موسى وما جرى له مع فرعون وغيره أعظم من قصة يوسف بكثير، ولهذا هي أعظم قصص الأنبياء، قصة موسى عليه السلام مع ما جرى له مع قومه مع فرعون، وما كان من الصراع في هذه السنوات الطوال مع الباطل، قال شيخ الإسلام رحمه الله: أنها أعظم من قصة يوسف بكثير، هكذا عبر رحمه الله. الفائدة الخامسة ينبغي أن نعلم أن قصة يوسف عليه السلام من القصص التي تلاها الله علينا في كتابه، فهي تدخل في أحسن القصص، فهي من القصص العظيمة، ولا زال الناس يعرفون تفاصيلها حتى الصغار والكبار والذكور والإناث، وكل مسلم إلا ويعرف الشيء الكثير عن قصة يوسف، لعظيم منفعتها. يقول ابن القيم رحمه الله تعالى مبينا عظم هذه القصة ومحتواها من فوائد وعبر: يقول رحمه الله: «وفي هذه القصة أي قصة يوسف من العبر والفوائد والحكم ما يزيد على ألف فائدة»، على ألف فائدة، لعلنا إن وفق الله أن نوردها في مصنف مستقل، هكذا وعد رحمه الله عليه أنه وعد بإعداد مصنف مستقل في تتبع قصة يوسف وما حوته من عشرات بل مئات الفوائد العظيمة. الفائدة السادسة والأخيرة أختم بها المجلس في بيان قصة يوسف عليه السلام، لا تظن يا عبد الله ويا من يقرأ سورة يوسف أن القصة إنما تتحدث عن فراق أب لابنه وما وجده من الحزن واللوعة على فراقه، وكيف أن الله أقر عينه بإرجاعه، ليست هذه فقط هي المسألة الجوهرية من إيراد أو إيجاد وحوادث قصة يوسف. بل إن الأمر أعظم من هذا بكثير، إذ أن قصة يوسف عليه السلام وما كان في حوادثها أن فيها نشر لعقيدة التوحيد، وخاصة في بلاد مصر، من كان معنا في قصة إبراهيم عليه السلام وما كان من دعوة أبنائه في زمنه ومن بعده، علمنا كيف أن إبراهيم عليه السلام استطاع أن ينشر التوحيد في أكثر من بلاد. فها قد انتشر التوحيد والإسلام في أرض الشام، فأصبح لإبراهيم أتباع وأقوام وأشخاص وأعيان، بل بني مسجد الأقصى، قيل في زمنه، وقيل كما مر معنا على يد يعقوب عليه السلام، انتشار للتوحيد في أرض الشام، وأيضا في زمن إبراهيم انتشر التوحيد في أرض الجزيرة، في أرض الحجاز، قد مضى معنا كيف أن إبراهيم وإسماعيل قد بنيا ورفع القواعد من البيت، فأقام المسجد الحرام، وانتشرت دعوة التوحيد على يد إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام. إلا مصر، مصر هي الدولة التي لم تصلها الدعوة إبراهيم حريصة، بل دخل إلى مصر مع زوجته سارة، دخل إلى مصر وأراد أن يدعو، لكن من الذي شغب عليه ذلكم الجبار، قد مضت قصته، فليس لسنا في مقام الإعادة، ذلكم الجبار الذي شغب على إبراهيم عليه السلام، ثم أمر بإخراجه فخرج إبراهيم مع زوجته، وما استطاع أن يقيم دعوة التوحيد في مصر. فأصبحت مصر على ما كانت عليه من الشركيات، وسيأتي معنا في قصة يوسف عليه السلام عندما كان في الزنزانة ماذا قال؟ قال: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾، من يعنيه هذه الملة؟ أي ملة الفرعونية، ملة مصر، هذه الملة، وأنه ماذا قد فارقهم؟ ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ أي ملة المصريين، ليس عندهم إيمان بالله جل في علاه. فالشاهد أن قصة يوسف عليه السلام فيها سيكون نشر للعقيدة والتوحيد، ليس في مصر فقط، بل في العالم بأسره، سيأتي معنا قصة الجدب والقحط والجفاف، وتلكم الرؤية العظيمة التي حصدت ما على مستوى مصر وخارج مصر، حتى خارج مصر، الناس كلهم احتاجوا إلى يوسف عليه السلام عندما آلت خزائن الأرض إليه. حتى فيما يذكر أن في بعض النقوشات القديمة في الحضارة اليمنية في زمن التتابعة تحديدا، وجدوا أن في نقوشاتها عبارة يقول فيها كاتبها: لا تغتروا بالدنيا، فقد جعنا واشترينا بمكيل طعام بمكيل ذهب في زمن يوسف بن يعقوب، لا تغتروا بالدنيا، لأن في أوقاتهم كانت الأموال كثيرة، لكن ما كان هناك طعام إلا عند يوسف، فكان الناس يأتوا من كل أصقاع الدنيا ممن ابتلاهم الله بالجدب، حتى أن أهل الشام بكلهم نزلوا إلى أرض مصر، ومن في الحجاز ومن في اليمن، كلهم أتوا عند يوسف عليه السلام الذي بيده الخزائن، وكان عليه السلام يستغل ذلك في دعوة الناس إلى الإسلام. أشاهد إخواني في الله، هذه مقدمات سريعة بين يدي قصة يوسف عليه السلام، وما فيها من العبر والعظة والتفاصيل، يأتي الكلام عنها في حينها. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.