الدرس في قصة يوسف عليه السلام 2، رؤية يوسف - عليه السلام - ورميه في الجب . ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ الحديث عن قصة يوسف عليه السلام ورؤياه التي أخبر بها أباه يعقوب، وتناول مشاعر إخوته وحسدهم له. يُناقش أيضًا أسباب محبة يعقوب ليوسف.
تآمر إخوة يوسف عليه لإبعاده، فخططوا لإلقائه في البئر ثم كذبوا على أبيهم بأن الذئب أكله مستخدمين قميصه الملطخ بالدماء.
بعد إلقائه في البئر، وجدته قافلة وباعوه بثمن زهيد، واختلف المفسرون في هوية من قام بالبيع. يُتم الحديث هنا عن تفاصيل بيعه.
يختتم الدرس بقصة يوسف عليه السلام ويتم التمهيد للدرس القادم حول وصوله إلى مصر، مع الدعاء للجميع بالتوفيق.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، فنعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كان حديثنا عن قصة يوسف عليه السلام، وأشرنا في بداية المبحث عن القواعد والفوائد المهمة التي ينبغي أن نذكرها بين يدي هذه القصة العظيمة الجليلة. وفي هذا اليوم، بإذن الله، سنبدأ بالشروع في الدخول في قصة يوسف كما جاء ذلك في كتاب الله جل وعلا. تبدأ قصة يوسف عليه السلام بتلك الرؤية التي رأاها يوسف عليه السلام وحكاها لأبيه يعقوب: ﴿إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين﴾. هنا تبدأ القصة، أخبر يوسف عليه السلام بهذه الرؤية لأبيه، فإذا بأبيه يأمره: «لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيد لك كيدا». قد يقول قائل: القصة وما فيها رؤية رؤية منامية، لماذا الكيد والمكيدة على رؤية؟ الجواب: نعم، رؤية الأنبياء حق، رؤية الأنبياء وحي. ويعقوب عليه السلام أن في هذه الرؤية فيها البشارة بنبوة يوسف، الإشارة إلى نبوة يوسف. زد على ذلك أن فيها بيان أن يوسف عليه السلام ظهر في هذه الرؤية أنه على مقام رفيع، وأن إخوته له سجد، هذا لربما أوغر صدورهم. فأمره أبوه أنه لا يخبر إخوته بهذه الرؤية التي رآها. بالمقابل، إخوة يوسف عليه السلام كان في أنفسهم أمر يتحدثون فيما بينهم، ألا وهي منزلة يوسف عند أبيه: «ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة، إن أبانا لفي ضلال مبين». لقد كان ليوسف ولأخيه بن يامين -وهو الشقيق لبن يامين- كان لهم منزل عند أبيه يعقوب عليه السلام من المحبة وزيادة رحمة وشفقة. وهنا مسألة: لماذا كان يعقوب عليه السلام يولي ليوسف عناية وأهمية دون إخوانه؟ من أهل العلم من قال: الأصل لا مزية عندنا، إنما هي محبة فطرية، محبة فطرية في قلب الوالد لأبنائه من الله عز وجل غريزة. جعل الله ليعقوب ميلا ليوسف ولأخيه. وقيل: إن هذه المحبة الزائدة ليوسف ولأخيه قيل لصغر سنهما، من كان معنا في حياة يعقوب عليه السلام؟ وكيف جاءت الذرية؟ إثنى عشر ولدا من الزوجة الأولى، ومن الخادمة، ومن الخادمة في آخر المطاف راحيل، وهي أم يوسف وبن يامين، متى أنجبت في آخر وقتها؟ فإذن يوسف وبن يامين كانوا من الصغار، فكان يعقوب يميل لهم لصغر سنهما، وهذه العادة جارية، تجد أن الأب يميل لأصغر واحد في الأسرة. وقيل: الأمر الثالث أن شفقة لهما لأن أمهما قد توفيت، وهي راحيل. والله أعلم، لما كانوا في غياب لحنان الأم، قام يعقوب عليه السلام بتغطية هذا الفقدان، أن أعطاهم محبة زائدة. قيل: هذا، وقيل: هذا، وخاصة ليوسف أن بعدما علم يعقوب بهذه الرؤية، أخذ يعتني بيوسف، أخذ يعتني عناية عظيمة بيوسف لما سيأتي في المستقبل. فالشاهد أن إخوة يوسف جعلوا هذه المحبة الزائدة ليوسف ولأخيه محل نزاع: «ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة، إن أبانا لفي ضلال مبين». هنا الضلال بمعنى الخطأ، أي أن أبانا أخطأ في تدبير هذه المسألة الدنيوية. قال جماعة من المفسرين: هكذا تفسر الآية، ضلال بمعنى خطأ. قال: لأن لو كان الضلال بمعنى الضلال عن الدين لكفروا، كما أشار إلى ذلك البغوي في تفسيره. لو أرادوا الضلال عن الدين لكفروا، لكن ما أرادوا هذا، أرادوا أن أبانا أخطأ خطأ أنه ما أنصف في موضوع المحبة بيننا وبين يوسف. فالشاهد هنا بدأت مجريات الأحداث، إذن أرادوا أنهم يأخذوا قلب أبيهم وميله لأنفسهم. قالوا: ما هناك حل إلا أن نبعد يوسف، لأنه الأصل يبعد يوسف عن وجه أبينا. وكيف الإبعاد عندهم أحد طريقتين: «أقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم». يعني ما سيكون إلا لكم، إلا عن أحد بحد طريقين، إما أن يقتل، وإما أن يبعد، يبعد بعيدا جدا عن ناظر والده، فلا يرى إلا أنتم. فاختاروا أحد هذين الأمرين، فقال قائل منهم: «لا تقتلوا يوسف، أما القتل ما نريده، لكن ألقوه في غيابة الجب». اختار الثاني، ابعدوه. يلتقطه بعض السيارة، أي من عابري السبيل. بدأ الآن التنفيذ لهذا المخطط. أرادوا أن يتفرغوا ليوسف لأن يكون معهم بعيدا من أبيهم. «ما لك لا تأمنا على يوسف وإن له لحافظا؟» أرسلهم معنا غدا يرتع ويلعب. غدا، لماذا حددوا المدة إلى غد؟ هنا فائدة يذكرها جماعة من أهل العلم في القصة. صارت في بيت المقدس في فلسطين، أهل فلسطين وأهل بيت المقدس اعتادوا على مرور القوافل من تلك القوافل التي تمر بجنباتهم، قوافل أهل مصر. أهل مصر إذا أرادوا إلى بلاد الشام كانوا يمرون على بيت المقدس، ذهبوا شرقا إلى بيت المقدس وذهبوا إلى الشام وتبضعوا وباعوا محاصيلهم، انتهوا، رجعوا غربا إلى بلادهم إلى مصر رجوعا، ومروا أيضا ببيت المقدس. طيب، أهل بيت المقدس، حركة القوافل هذه أصبحت مرسومة في أذهانهم. وهذا مثل أي منطقة التي تعتاد على مرور قوافل موسمية، يعتادون هذا. الباصات تمر، أو قاطرات تمر في مواسم الحج والعمرة، أو قاطرات تمر في أيام الغاز والبترول، أصبحت بعض القرى تعرف مواطن مرور ودخول وحركة الملاحة والعبور. فأهل فلسطين، بيت المقدس، كانوا يعرفون التوقيت متى تأتي القوافل ومتى ترجع. فهم وقتوا لمسألة السيارة، وهي القافلة المصرية، لأنهم كما قلنا هم أرادوا الأمر الأول، الأمر ليس فقط الرمي في الجب، لا، ليس الجب في بيت المقدس لا زال موجود. وهم أرادوا أن يقتلوه غرقا، لا، هم أرادوا إبعاده. قد يقول قائل: أين الإبعاد؟ قد يكون البئر أو الجب قريبة من بيت أبيهم. هم إنما الإلقاء في الجب مرحلة أولى، مرحلة أولى تمهيد كما يقال لتسفيره إلى مكان بعيد إلى مصر. فهنا خططوا للخطة الأولى، وهو أن يبعدوه قليلا عن أبيه، فإذا تمكنوا من موضوع استغفال الأب بهذه الطريقة، حينها تأتي الخطوة الثانية. فقاموا وألقوا يوسف عليه السلام بعدما استوثقوا من أبيه وأخذ عليهم العهود والمواثيق على حفظه وعلى حسن رعايته وعنايته، وقطعوا له العهود بهذا. فأخذوا يوسف، فحينها أجمعوا عليه كلهم بأنه لا بقاء لك، وأنه قد أجمعنا على رميك في الجب. الجب، وهناك بئر، هل الجب والبئر واحد؟ الجواب: لا، يفرق بعض العلماء بين الجب والبئر. البئر هو هذا البئر المستطيل، مثل هذه السارية، بئر طويل القاع، الماء. لو أنهم ألقوا يوسف عليه السلام في البئر لا غرق ومات. لكن رموه في الجب. يقولون في أمر الجب: أن الجب من أمره يكون في الأعلى ضيق، وفي الأسفل واسع. في الأعلى ضيق، وفي الأسفل واسع، أي واسع هنا تجد ماء، وفيه كذلك في أطراف يابسة، في أطرافه يابسة. وهذا الذي جعل يوسف يمكث. فلما أنزلوه -طبعا أنزلوه بالحبل- أنزلوه بالحبل، وقد توعدوه أنه إن أفشى سرا، إن بلغ أحد بأي شيء من هذا، سننفذ الخطة الأولى، وهي القتل، سنقتلك. فنحن قد رحمناك، انزل. فأعطوه الحبل وأنزلوه، فنزل إلى أسفل الجب. كما قلنا، على هذا الجب إذا كان واسع، سيجد متسع في أن يجلس في أطرافه، فمكث. ثم رجعوا إلى أبيهم، جاءوا إلى أبيهم كما في الآية: «عشاء يبكون». أي مثلوا التمثيلية في شكل البكاء، يتباكون على يوسف. وبالوقت تأخروا عن المعتاد، المعتاد أنا ما يأتي أحد عشاء، يأتي قبيل المغرب، قبل أن يدخل مساء، ويأتي ظهرا في وضح النهار. لكن تعمدوا التأخير، لماذا؟ زيادة إيهام، زيادة إيهام لأبيه. فجاءوا عشاء أن يبكون. طبعا يوسف عليه السلام عندما أنزلوه إلى البئر، خرجوا قميصه، خرجوا قميصه لأن قميصه ويحتاجونه لأمر سيأتي ذكره. أخذوا القميص وأنزلوا يوسف، ثم جاءوا عشاء، جاءوا إلى أبيهم عشاء يبكون. فأخبروا بالقصة المكذوبة: «أننا ذهبنا نستبق، كنا في سباق». وقيل: السباق إما سباق على الأقدام، وإما سباق بالرمي والنظل. المهم معنى السباق ترامينا نحن والإخوة. «وأما يوسف يعني من عنايتنا بيوسف وحتى لا نشق عليه جعلناه عند الأمتعة، يجلس هنا يا أخانا لا تتحرك ولا شيء». «ثم أكله الذئب». هنا: «يا أبانا، جاءت المصيبة في غفلتنا، جاء الذئب وأكل أخانا في حين غفلة، وحاول وما أنت مصدق لنا، ونعرفك أنت ما تستطيع صدقنا، لكن هذا الواقع». وسأل الأخ الأول والثاني والثالث والرابع والعشر، وكلنا حضرنا الموقع، وكلهم سيعترفون لك بهذه الحقيقة: «بأن ذئبا قد أكل أخانا». وجاءوا على قميصه بدم كذب، زيادة في الإيهام. أن القميص الذي جاء به قميص يوسف، لطخوه بدم بدم كذب. قيل: جاءوا بعجل أو جاءوا بكبش أو بحيوان، فذبحوا، وأتوا بدمه، ولطخوا به قميص يوسف. قال: وهذا يا أبانا الشاهد، وهذا البرهان على قتل أخينا، وعلى قتله على يد الذئب. فقال لهم أبوهم: «بل سولت لكم أنفسكم أمرا». وكما يقال في العصر الحديث: ما هناك جريمة كاملة، ما هناك جريمة كاملة، ما من جريمة إلا وتقع فيها هنات وثغرات. ويعقوب عليه السلام عرف أن القصة كذب وملفقة، بماذا؟ أن القميص الذي جاء به ما هو كامل مكمل، ليس فيه خج. وهذا معنى أن الذئب لما أراد أن يقتل يوسف، نزع القميص من يوسف وجعله على شق وقتله، هل هذا يتصور؟ أن القميص قميص الضحية يكون كامل مكمل بكل شيء، ما هناك خج واحد. علم يعقوب عليه السلام أن هذه مكيدة، قال: «بل سولت أنفسكم أمرا». فشاهد أنهم قد كشف أمرهم، وعرف أنهم قد كادوا. ثم قال ربنا عز وجل في قصة يوسف عليه السلام: حاولت قافلة مرت على الموعد كما متوقع، وكان من شأن القوافل أن تأتي عند هذا بئر بيت المسجد الأقصى، كانوا يأخذون ماءهم، تزودا للراحلة. فأرسلوا واردهم، والوارد هو الذي يأتي بالماء. فجاء يأتي بالسقاء لكي يغترف ماء، فلما رفع الحبل، يوسف يوسف يتعلق بالحبل، وإذن يخرج من هذا الحبس، فتعلق بهذا الحبل. فوجد رجلا غريبا يرفع الحبل، ففرح: «قال يا بشرى هذا غلام، هذا غلام، سأنتفع به وأسروه بضاعة». هنا في قوله تعالى: ﴿وشروه بثمن بخس دراهم معدودة﴾. اختلف المفسرون في قوله تعالى: ﴿وشروه بثمن بخس﴾. شروه بمعنى باعه. السؤال: من الذي باع يوسف؟ هنا العلماء على أحد تفسيرين. التفسير الأول: وشروه بثمن بخس، هؤلاء السيارة، أن هؤلاء الذين أتوا لجلب الماء لما وجدوا يوسف، ألقوا القبض عليه، قالوا: فرصة، وجدناه، سنبيعه في سوق العبيد، عبدا لنا. فأخذوه وأتوا به إلى مصر وباعوه بثمن بخس، بثمن ناقص، لأنهم ما عرفوا قيمته، هذا النبي الكريم، ابن الكريم، ابن الكريم. هذا القول الأول، قال به جماعة. القول الثاني: وشروه بثمن بخس، أي باعه من إخوة يوسف. وهذه الخطة الثانية، أو المرحلة الثانية من الخطة. ما الذي فعل إخوة يوسف لما ألقوا يوسف في البئر؟ انتظروا، انتظروا لأنه الخطة مكتملة، لأن يوسف عليه السلام قد يأتي أي واحد حتى من أهل البلاد يأتي، وقد يرفع الحبل ويجد يوسف، يوسف يهرب ويرجع إلى أبيه، ويكشف لأبيه ما صار بينه وبين إخوته. فهم انتظروا لأن الخطة مرسومة على أنه لابد أن تمر قافلة. الآن هم حددوا الأيام، ولعل البئر كان في خارج البلاد، ويأتيها القوافل. فهم انتظروا مرور القافلة، فجاءت قافلة. فلما جاءت القافلة المصرية، وأخرجوا الغلام، لا زالت الظنون أن يوسف قد يعترف، فيقول لهذا الرجل: أنا ضايع، أنا تائه، أنا مختطف، أنا أرجع إلى أبي. أنا فقد يرق له الحال فيترك سبيله. فهم لا زالوا فانتظروا. فلما رفع يوسف، أتوا اجتمعوا إلى هذا الذي رفع الدلو، قالوا: «هذا هذا عبدنا، وإنه يا عبد تعال». ثم قالوا لصاحب القافلة: «تريد هذا؟ تريده؟ هذا عبد آبق، كما ترى، عبد هارب علينا، هو أتعبنا، تشتريه؟ خذه منا». فباعوه لصاحب القافلة. وهذا القول ذهب إليه ابن مسعود، وابن عباس، والضحاك، ومجاهد، وجماعة من السلف، إلى أن الضمير وشاروه بثمن بخس، أي باعوه، أي أن إخوة يوسف باعوه. لقد يأتي السؤال: متى باعوه؟ باعوه في هذه المرحلة، بعد رمية، انتظروا إلى أن جاءت القافلة، فلما استخرجوه، استحكمت القصة في تلفيق تهمة أن يوسف عبد آبق، وأننا ما نريده، وخذوه من عندنا. وهذا واشروه بثمن بخس. على خلاف بين العلماء: كم بيع يوسف؟ قيل: بعشرين درهم. قيل: بخمسة دراهم. وكما وصف ربنا: بثمن بخس، زهيد جدا. وهو أعظم قدرا وأجل حالا من هذا السعر الذي وضع عليه عليه السلام. نقف إلى هذا الحج، وإن شاء الله في درس غد، نواصل الحديث عن قصة يوسف عليه السلام، وما كان من وصوله إلى بلاد مصر. وفق الله الجميع لما يحبه ويرضى، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.