الدرس في قصة النبي الذي وقصته النملة، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يروي النبي قصة نبي أحرق بيوت النمل بعد أن لدغته نملة، فعاتبه الله. الحديث ينهى عن قتل النمل إلا إذا كان مؤذيا ويؤكد على العدل في التعامل مع المخلوقات.
يجب التعامل مع المخلوقات بالعدل وعدم إيذائها بدون سبب، كما يجب تطبيق العدل في التعامل مع البشر. الله يأمر بالعدل والإحسان وينهى عن الظلم.
يشرح تحريم التعذيب بالنار، ويبين أن الكائنات تسبح لله وتشكل أمما مختلفة. يشير إلى وجود أمم أخرى غير الإنسان مخلوقة لله عز وجل.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، روى الإمام البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «نزل نبي من الأنبياء تحت شجرة»، وفي هذا الحديث قصة أخرى يحكيها لنا نبينا عليه الصلاة والسلام عن نبي من أنبياء الله، إلا أنه في هذه الرواية لم يسم، فما نعرف منه إلا أنه من خيرة خلق الله، إذ أن الأنبياء هم الصفوة الذين اصطفاهم الله واصطفاهم لدينه ولشرعه ولوحيه. فقال عليه الصلاة والسلام: «نزل نبي من الأنبياء تحت شجرة»، وجلوس هذا النبي تحت شجرة قد يكون للاستراحة وللراحة، ولذلك يستظل تحت ظل هذه الشجرة، وكأنه يبدو قد قدم من سفر، وفي طريقه من سفر؛ لأنه سيأتي معنى أنه عنده متاع، عنده متاع. قال عليه الصلاة والسلام: «نزل نبي من الأنبياء تحت شجرة، فلدغته نملة»، لدغته بمعنى قرصته نملة، ويبدو أن هذا النبي الكريم عندما نزل تحت شجرة كان تحت هذه الشجرة بيوت للنمل ومساكن للنمل، فهذا النبي ما شعر بها، لم يشعر بمساكن النمل. ومن طبيعة النمل أنه سرعان ما يدافع عن بيئته، يدافع عن مسكنه، النمل من طبيعته إذا أحس بخطر سرعان ما يهجم، يهجم على الخصم كائنا من كان؛ لأنه يرى أن هذا اعتداء على ملكه واعتداء على مملكته، إلا أن هذه النملة بلق من اعتدائها أنها اعتدت على النبي فقرصته، فقرصته. حينها غضب هذا النبي، وإن كان هذا النبي من أنبياء الله إلا أنه بشر يعتريه ما يعتري البشر، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليه﴾، فالفارق بين الأنبياء وبين عامة الخلق أن الله اصطفاهم بالوحي والرسالة، وإلا هم في طبيعتهم بشر يأكلون ويشربون ويشعرون ويحسون، عندهم أحاسيس ومشاعر ويغضبون كما يغضب الناس. إلا أن هذا النبي ما الذي فعل بعدما أحس بقرصة النملة؟ أمر، قال عليه الصلاة والسلام: «فأمر بجهازه أن يخرج»، الجهاز بمعنى المتاع، أمر بالجهاز أي متاعه أن يخرج أن يبعد، وأمر بأن يحرق البيت، أي بيت النمل، وأن يحرق بيوتها، فقام هذا النبي وأحرق البيت، بيوت النمل الذي كان بجواره أحرقت جميعا، فهلكت النمل وهلك من فيها وهلكت البيوت ومن كان تحت الأرض؛ لأن النار كانت عظيمة، نارا عظيمة. قام هذا النبي بالدفاع عن نفسه فأحرق هذا الأمة العظيمة من النمل، قال عليه الصلاة والسلام: «فأوحى الله إليه»، فأوحى الله إليه إلى هذا النبي الكريم: «هل لا نملة واحدة؟» وهذا الاستفهام يسميه أهل البلاغة استفهام إنكاري، استفهام إنكاري، أي أن الله استنكر على هذا النبي هذه الفعلة، ما الذي فعلت؟ ما الذي صنعت؟ أهلكت أمة كاملة. فقال الله جل وعلا: «هل لا نملة واحدة؟» وفي رواية في مسلم قال الله وقال عليه الصلاة والسلام: «فأوحى الله إلى هذا النبي قال: أفي نملة واحدة أهلكت أمة من الأمم تسبح؟» أفي نملة واحدة أهلكت أمة من الأمم تسبح؟ هذا الحديث إخواني في الله كما سمعتم في البخاري ومسلم علمنا ما هو المعنى الإجمالي، وهنا تأتي لنا عدة مسائل إخواني في الله نستفيد من هذه القصة النبوية. أولى هذه الدروس إخواني في الله أن النهي عن قتل النمل، بل جاء ذلك مصرحا عند أبي داود، إذ أن من الكائنات التي لا تقتل ذكر نبينا النمل، وذكر النحل، وذكر كذلك الهدهد، فهناك حيوانات ما يجوز أن تمس، ما يجوز أن تقتل إلا في حالة واحدة، قال العلماء: إلا إذا كان هذا الحيوان صائل أو كان مؤذي، إلا إذا كان صائل أو كان مؤذي، إذا كان صائل معتدي عليك هنا دافع عن نفسه وقتل هذا الحيوان ولو كان مستأنس تقتله. وربنا عز وجل أقر النبي أن يقتل النملة، يقتلها، قال: «هل لا نملة واحدة؟» لأن اعتدت اقتلها، هذه التي اعتدت الضارة تقتل، لكن الذي كان فيه اللوم أنه كيف قتل البقية، ولا لوم عليها، ولا لوم عليها، فدل ذلك على أن الحشرات والكائنات والحيوان أنها تحترم إلا ما كان منها صائل أو ما كان منها مؤذي. حشرات قد تؤذيك تؤذيك في نفسك، تؤذيك في أهلك، تؤذيك في طعامك، تؤذيك في شرابك، فإذا ما استطاع أن يندفع أذاها إلا بقتلها فإنها تقتل، لكن بهذا الوصف، أما عبثا عبثي عبد الله يمر على في الشارع العام أو في صحراء أو في وادي فرأى وادي نمل نمل يجري ويأكل من خشاش الأرض، ثم تأتي بماء تغرقه أو تحرقه، هذا لا يجوز، هذا عليه لوم وعليه عتاب وعقاب من الله عز وجل. فإذا هناك حيوانات جاء الشرع بعدم قتلها، كما سمعتم النمل والهدهد وهكذا جاء الضفاضع، الضفضع لا يقتل، فإذا من الحيوانات المحترمة إلا إذا كان صائل بمعنى معتدي أو كان ضار. وبالمقابل كما أن هذه الحيوانات تترك، فإن هناك حيوانات لا تترك بل تقتل، بل لك أن تتعمت في قتلها، منها الفواسق الخمس، الفواسق الخمس منها الفأرة والعقرب والحدأة والغراب والكلب العقور، هذه تسمى الفواسق الخمس التي قال عنها نبينا أنها تقتل في الحل وفي الحرم، حتى في الحرم إذا وجدت على قتله عقرب ولو كان في الحرم يقتل، هذا حيوانات ضارة ضارة لا حرمة لها. فهذه تقتل، زيادة على ذلك الوزغ ويسمى عندنا بالضب، هذه كذلك يندب قتلها، بل لها أجر في قتلها، لك أن تتعمت في قتلها، كما نقل عن ابن عمر أنه كان يأخذ بنعاله ويتتبع الوزغ في قتله، اقتل هذه الحيوانات لك أن تقتلها، جاء الإذن الحيات، الحيات تقتل إلا ما كان من حيات البيوت، فإنها لا تقتل، حيات البيوت تترك تستأذن بالخروج ثلاثة أيام، فبعد اليوم الثالث إذا وجدت في البيت فإنها تقتل. فحيات البيوت الآن تكون مسكونة، فحيات تكون من ماذا من فصيلة الجان كما جاء ذلك مصرحا في صحيح مسلم، إلا حية واحدة، هذه الحية الواحدة إذا وجدت حتى في البيوت فإنها تقتل، وهو الأبتر ذو الطفيلتين، الحية التي أبتر ذو طفيلتين فإنه يقتل مباشرة كما جاء في البخاري؛ لأنه يسقط الحمل ويذهب البصر. هذا إخواني في الله ما يتعلق بهذه الفائدة، الفائدة الثانية وهي أن العدل كمال العدل يا عبد الله في أنك لا تعاقب إلا من يستحق العقاب، لا تعاقب إلا من يستحق العقاب، هذا هو العدل، إن الله يأمر بالعدل والإحسان، هذا هو العدل، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾؛ لأنك بينك عداوة وبين فلان تتعدى على الآخر كما يقع في النظام الجاهلي، النظام القبلي. النظام القبلي مثلا لو أن فلانا قتل قريبا لي هو فلان، فما الذي أبعث أبحث عن أقرباء هذا القاتل، أبحث عن أقربائه عن أي شخص من قبيلته، فآتي بأقتله، لما تقتلني؟ يقول: لما صاحبكم قتل صاحبي، فأنا ما لعلاقة بهذا؟ يقول له: هذا نظامنا، هذا نظام جاهلي، هذا نظام ظلم ليس قائم على العدل. قال: «هل لا نملة واحدة؟» النملة التي اعتدت عليك اعتدي عليها، اقتلها كما أنها ضرتك، وهكذا قل في سائر المعاملات والأخلاق أنك يا عبد الله تجازي الناس الذين يستحقون الجزاء، أما تأتي عند الأبرياء، تأتي عند الأتقياء منهم ثم تستبيح منهم الدماء والأعراض والأموال بحجة أن صاحبا لهم وقع في جريمة أو جريرة، لا يجوز. للأسف مثل معظم الناس كما يدخل أحدهم إلى مستشفى أو إلى مستوصف أو يدخل إلى حافلة باص أو يدخل إلى مؤسسة يريد أن يقتل شخصا معه، يقول: هذا يهودي مثلا أو هذا مستشرق أو أن هذا كافر أو أن هذا من أتباع الطواغيط على حد زعمه، فإذا به يقتل من في المبنى، يقتل من في المبنى، مستشفى كامل يقتل المرضى والمسعفين والدكاترة والأطباء بحجة أن يقتل خمسة أو ثلاثة من الطواغيط على حد زعمه. وهؤلاء الأرواح البريئة التي ذهبت كيف أمره؟ قال: أنا آسف، آسف، ربنا عز وجل عاتب نبي كريم، نبي الذي أفضل منك وأقرب لله منك وأعلى شأنا وأعلى كعبا منك، ومع ذلك عاتبه ربنا في ماذا؟ في نمل، عاتبه ربنا في نمل حشرات، قال: «هل لا نملة واحدة؟» وأنت يا عبد تأتي إلى أمة من البشر من الموحدين من الأتقياء والأبرياء ثم تسفك الدماء في مبنى كامل يسقط على أهله بحجة أنك تريد فلان وفلان، ثم تذهب بهذه الأنفس الكثيرة، فهذا إخواني فينا من الجرائم العظيمة، وهذا هو الظلم بعينه الذي يصاحبه يبتل يوم القيامة بعذاب الله. كما قال عليه الصلاة والسلام: «من خرج على أمتي بسيفه يضرب برها وفاجرها ولا يتحاشى من مؤمنها فليس مني ولست منه»، ليس مني ولست منه، يدخل على الناس ما يهجم على الكل، هذا بريء ولو ادعى أنه يريد حماية الدين، بل هذا عدو لله ولرسول المؤمنين. فقال: «فهذا ليس مني ولست منه»، وهكذا في الحديث إخواني في الله مسألة فائدة، وهو عدم جواز الإحراق بالنار، قالوا بعض العلماء: هذا الحديث لعله على شريعة ذاك النبي أنه يجوز أن يحرق بالنار، لكن في شريعتنا لا يجوز إحراق الكائنات بالنار، لا يجوز أنك تأتي إلى حشرات أو إلى طيور وهي حية ثم تقذفها في النار وفي حياتها هذا لا يجوز. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «لا يعذب بالنار إلا رب النار»، لا يعذب بالنار إلا رب النار، فما ظنك يا عبد الله أن يحرق آدمي كما يفعل بعض الناس؟ يأتي ببعض الأحياء وهم أحياء ثم يجعلهم في النار كلظة حتى يموت على هذا الحال من التعذيب، هذا لا يجوز، هذا من أعظم الذنوب. ولهذا عندما اجتهد علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وقتل من قتل ممن غلا فيه وادعى فيه الألوهية، أمر بأن يخد الأخاديد ثم يطرحون في النار، فكان هذا اجتهاد من علي، لكن أنكر عليه كما فعل ذلك ابن عباس رضي الله تعالى عنه، قال: لو كنت مكانه لا ضربت أعناقهم بالسيف، سمعت رسول الله يقول: «لا يعذب بالنار إلا رب النار»، ولو كانوا كفرة لا يعذبون بالنار وإنما يقتلون بحد السيف أو ما كان فيه راحة، أما التعذيب والتنكيل بالنار فهذا لا يجوز. الفائدة الثالثة إخواني في هذا الحديث فيه بيان على أن النملة تسبح لله، في مسلم قال الله جل وعلا: «أفي نملة أهلكت أمة من الأمم تسبح؟» فالنمل يسبح لله، وليس النمل بل الصحيح إخواني في الله أن الكائنات والمخلوقات تسبح لله، هذه العوالم التي نحن نعيش في جنباتها وفي أنحائها لها تسبيح ولها ذكر لله سبحانه وتعالى. لكن كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾، ما عندنا فقه وخلفية حول التسبيح هذه الكائنات كيف؟ واختلف العلماء: هل تسبيح الكائنات بلسان الحال أم بلسان المقال؟ والصحيح أن تسبيح الكائنات بلسان المقال أنها تتكلم أنها تتلفظ. فالأشجار تتلفظ بذكر الله، الكائنات تتلفظ بذكر الله، لكن لا نفقه، بلسان القرآن قال ربنا جل وعلا في حق داود عليه السلام: ﴿إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق﴾، فالجبال تسبح لكن كيف؟ الله أعلم، الأرض تسبح كيف؟ الله أعلم، النباتات الأشجار تسبح كيف؟ الله أعلم، الكائنات تسبح، أخبر نبينا أن الضفادع أن نقيقها هذا الصوت الذي يفرز عند نقيق الضفادع هو تسبيح، هذا تسبيح لله، تسبح لله. جاء كذلك في قوله عليه الصلاة والسلام: «إني لا أسمع تسبيح الطعام بين يدي الطعام الذي يوضع لرسوله»، يسمع تسبيحه يسبح، فهذه الكائنات تسبح مخلوق لله عز وجل، فحقها أن تحترم، فحقها أن تحترم، فإذا كان كذلك في باب أولى وأولى عبد الله تعظيما لقدره، المسلم الموحد الذي حمل راية لا إله إلا الله محمد رسوله في قلبه وجعل عقيدة في صدره، فهذا يحترم وأذى أجل أجل من هذه الكائنات وأجل من هذه الحيوانات. وفائدة أخيرة إخواني في الله في هذا المقام قولوا عليه الصلاة والسلام: «أنها أمة من الأمم»، أن من هذه الحشرات التي لا يؤبه لها تدب على وجه الأرض هي أمة، هي أمة، فدل ذلك على أن هذه الكائنة أهل معمورة الأرضية ليس فقط فيها أمة البشر، لا، البشر عبارة عن جزء من هذا العوالم، هناك عوالم كثيرة. عندنا هناك أمة الطيور، وأمة الحشرات، وأمة الكائنات والمخلوقات، كلها أمم، كلها أمم، أمم بمعنى أن أهلها مملكة، ولهذا قال بعض العلماء من الشراح الحديث: أن الأبحاث أن ما يسمى بالنتائج الأخيرة العلمية والحسابات الموجودة المعاصرة أثبتت على أن هذه الكائنة تعيش في مملكة، تعيش في مملكة، أمة من الأمم. تجد عليها زعيم، عليها رئيس، عليها حراس، عليها منظفين، وهذا موجود، لكن لا نعلم، أنت أنظر في النمل تجد النمل يسير إلى سيم معين، يذهب ويرجع، وله قصص كثيرة، ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى في مفتاح دار السعادة: كيف أن النمل يجتمعون على صاحب الخيانة منهم فيقتلونه، وهكذا النحلة أخبرت الأحاديث والآيات على أن النحل كذلك له كذلك مجتمع بكامله، ملكة تحكمهم وعساء وحراس وخدم وتنظيف إلى آخر. وحتى الكلاب حتى الكلاب أخبرنا بأن الكلاب أمة من الأمم، كلاب لها كذلك رئيس لها زعيم لها حراس، الله أعلم بهذه الممالك، لكنه أمة من الأمم، فلسنا الوحداء يا عباد الله الأمة التي تعيش في هذا الكون، بل لنا أمم خلقها الله عز وجل. ولهذا قال نبينا في خطاب ربنا: «قال: أهلكت أمة من الأمم»، فالأمم كثيرة تدب على وجه الأرض، وكلها مخلوقة لله جل في علاه، فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.