الدرس في قصة المتجاوز عن المعسرين، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يُظهر الإسلام أهمية التجاوز عن المعسرين في البيع والشراء، حيث يؤدي هذا العمل إلى أجر عظيم ودخول الجنة. يُستدل على ذلك بقصة رجل كان يتاجر مع الناس ويتجاوز عن المعسرين.
تُبرز الأهمية الكبيرة للأعمال البسيطة في الإسلام، حيث يمكن أن تؤدي إلى مغفرة الله ودخول الجنة، مع التركيز على أن العبادة ليست مقتصرة على المساجد فقط. يُذكر مثال الرجل الذي دخل الجنة بسبب تسهيله على المدين.
يُبيّن أن كل عمل، حتى لو كان دنيويًا، إذا احتسب فيه الأجر لله، فإن الله يجازي عليه، مشيرًا إلى قاعدة أن الجزاء من جنس العمل ومعاملة الله تعالى للعباد بناءً على معاملتهم للناس.
يحذر من خطورة تتبع عورات المسلمين وفضحهم، ويبين أن الله سيعامل من يفعل ذلك بنفس المعاملة، مستشهدًا بحديث يبين أن الله يتجاوز عن العبد كما يتجاوز العبد عن الناس.
نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، روى الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «كان رجل فيمن كان قبلكم». هذه المقامات، إخواني في الله، في ذكر بعض القصص التي حدث بها المصطفى، صلوات ربي وسلامه عليه، وحديثه عليه الصلاة والسلام في هذا الباب حول قصة من النماذج الرائعة التي وجدت في أزمان قد خلت. قال عليه الصلاة والسلام: «كان رجل فيمن كان قبلكم أتاه ملك الموت دلالة على دنو أجله، وأنه قد آن قبض روحه، وأنه سيقبض، أتاه ملك الموت لقبض روحه، فقيل له: هل عملت من خير؟ فقال هذا الرجل: لا أعلم». فكر ونظر وتأمل في حياته وسيرته، ما وجد نفسه أنه قد برع في شيء من العبادات، أو أنه سلك مسلك العباد والزهاد، ولهذا قال من أول وهلة، في أول إجابته، عندما سئل: هل عملت من خير؟ قال: لا أعلم. فقيل له: أنظر، أي تأمل، لا تستعجب الإجابة، تمعن وتذكر، قاله: أنظر، فقال: ما أعلم أني فعلت شيئًا، إلا أني كنت أبايع الناس في الدنيا. جاء في رواية في صحيح البخاري أنه كان تاجرًا، كان على تجارة، قال: «كنت أبايع الناس في الدنيا، فأجازيهم»، أي أستخدم البيع والشراء والتجارة، وكانت عندي نوع من المسامحة في هذا الباب، وقال: وأجازيهم، قال: فأنظر الموسر وأتجاوز عن المعسر، فقط هذا الذي إن كان شيء في بالي، وإن كان شيء في خاطري من عمل صالح قدمته، هذه الخصلة في بيعي وشرائي، كنت أتجاوز عن الناس، الموسر رجل عنده قدرة على البيع والشراء، بل قدرة على الدفع، كنت أمهله عادي، لا تستعجل على الدفع، وأما المعسر الذي ضيق عليه وما عنده شيء، كنت أعفو عنه، أتجاوز مسامح. قال عليه الصلاة والسلام: «فأدخله الله الجنة»، فأدخله الله الجنة. هذه القصة، وهذه القصة، إخواني في الله، من عجائب القصص، لما فيها من عبر وعضات لمن كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد. من العبر المستفاد، إخواني في الله، في هذه القصة، فضل هذه الخصلة العظيمة، وهو إمهال الموسر والتجاوز عن المعسر. بإمكانك، يا عبد الله، وقد نجد هذا في أنفسنا في بيعنا وشرائنا، أنك تطالب في بيعك وشرائك بمال على أحد من الناس، فقد يكون هذا صاحب الصفقة معسرًا، فكونك تتجاوز عنه، يا عبد الله، هذا له جنة، أي هذا العمل له جنة عرضها السماوات والأرض. ويدخل هذا الباب كذلك في البيع والشراء، ويدخل حتى في باب الديون، في باب الدين، كونك تعطي أناسًا دينًا، أنت فتح الله عليك بسيولة مالية، تعطي هذا وتعطي هذا وتعطي ذاك، ولا تريد طبعًا ربا، ما تريد زيادة، إنما تريد رأس المال أن يرد إليك. فأنت، يا عبد الله، في هذه المعاملة، معاملة الدين، توجر عليها، بل ثبت في السنن، وصحح ذلك جامع من العلماء، أن النبي أخبر: «كونك تقرض أخاك مرتين فهو صدقة»، تأمل، تعطيه الدين مرة ومرة ثانية، كونك تعطيه الدين مرتين، يحسب في حساب الله صدقة، كأنك تصدقت عليه، مع أنه ما هي صدقة، لأن هذا الدين سيرجع إليك. دق الباب، أراد منك سلفة، خذ عشر ألف، وردها إليك، احتاجه بعد فترة دين، أعطيته عشر ألف، رد عليه، كونك تعطيه مرتين، تحسب لك صدقة، صدقة يا عبد الله، فتأمل، ما لو أنك في هذا الدين يسرت عليه، خذ يا عبد الله، لا تستعجل، خذ هذا الدين، ومتى ما فتح الله عليك رد، متى ما فتح الله عليك، هذا أجر، وأعظم من هذا كله أنك تسقط عنه الدين، اذهب، ما أريد شيء، يا رجال، ما أريد شيء، هذا جازه جنة. فهذا فائدة عظيمة، الفائدة الثانية في هذا الحديث، سعة رحمة الله، سعة رحمة الله، عمل يسير جدًا، لدرجة أن هذا صاحب العمل ما تفطن له هو نفسه، صاحب العمل، لما قيل له: هل عملت من خير؟ قال: ما أعلم، لما؟ لأنه رأى هذا العمل يسير، ما يذكر أصلا، لكن لما تأمل في حياته، استذكر هذا الفعل، لكنه ما ضاع في حساب الله سبحانه وتعالى، ما من شيء إلا يحاسبه ربنا سبحانه وتعالى. فهذا العمل اليسير نال به العبد جنة خالدًا، مخلدًا فيها، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وهذا فقط مثال بسيط لأعمال كثيرة جدًا في ملتنا وشريعتنا، عمل صالح تؤديه، لربما تذكر الله، سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله بحمده، نخل في الجنة، سبحان الله بحمده، نخل في الجنة، سبحان الله بحمده، نخل في الجنة، تخيل يا عبد الله، كم من مزارع تحصد وتزرع لك، وأنت في هذا الدار، لا لشيء سوى لذكرك لله عز وجل، فضلا عن الركعات، وعن حضور مجالس الذكر ومجالس العلم، فضلا عن صلة الأرحام وأداء الطاعات والواجبات، أجور عظيمة. وهذا إن دل على رحمة الله بهذه الأمة المحمدية، عمل يسير تجاز به، يا عبد الله، الشيء الكثير. كذلك يا عبد الله، في هذا الحديث، فائدة عظيمة، هو أن مسألة التعبد، أو قل مسألة العمل الصالح التي ترجو بها مغفرة الرب، ومن ثم دخول الجنة، لا تنحصر، يا عبد الله، في المساجد، لا تنحصر، يا عبد الله، في هذه الأشياء التعبدية. فبعض الناس، إخواني في الله، يرى أن التعبد هو المسجد، جلس في المسجد، قرآن، ذكر، تسبيح، جلوس حلقات علم، اعتكاف، ذكر الله، إلى آخر، أن هذا المكان هو مكان العبادة، فإذا خرج عن إطار المسجد، ظن أنه انقطع عن الدين، وأن هناك ما بعد المساجد دنيا بحتة، لا، يا عبد الله، هذا الذي ما الذي فعل هذا رجل في أمر دنيوي بحت، بيع وشراء، صفقات، ومع ذلك بهذه الطريقة أدخله الله الجنة، أدخله الله الجنة. وفيه بيان، يا عبد الله، على أن ما من عمل، ولو كان دنيويًا بحتًا في ناظريك، لكن احتسبت فيه الأجر لله عز وجل، فإن الله يجازيك عليه، لربما أنت في بقالتك، أنت يا عبد الله، في محل جوالات، تبيع وتشتري في الجوالات، أنت في سوق خضرة، تبيع في البطاط والبصل، لربما بهذا المكان، وهو الذي تراه دنيويًا، لربما جازاك الله في تعاملك مع الناس جنة، كحال هذا الرجل، تاجر، تاجر يبيع ويشتري، وصفقات، ثم أدخله الله بهذه المعاملة وبهذا. نعم، إخواني في الله، علينا أن نوسع مدارك الأفهام، وأن ما من عمل، بل حتى أخبر نبينا أن في تعاملك حتى مع أهلك، حتى اللقمة ترفعها من صحن، من باب الدلع، تعطيها لفم امرأتك، توجر عليها أجرًا، تخيل يا عبد الله، بهذا يعلم المسلم أن يستغل كل ما كان في يده، يستغله في طاعة الله، فإن الله سبحانه وتعالى يعظم له الأجر والمثوبة. وفائدة أخيرة بهذه القصة، وهو أن الجزاء من جنس العمل، جاء في رواية البخاري من حديث أبي هريرة، أن هذا الرجل الذي كان من بني إسرائيل، عندما ذكر بعمله، قال: «كنت أقول لفتياني»، أي العمال الذي عنده، إذا جاءهم المعسر رجل، أن أطالبه بمال، يأتي عندي في وقت السداد، لكن ما عنده شيء معسر، كان هذا التاجر، قال: «فأقول لفتياني تجاوز عنه، لعل الله يتجاوز عني»، قال رسوله: «فتجاوز الله عنه»، الجزاء من جنس العمل. هذا الإنسان التاجر، لما كان يريد بفعله أنه تجاوز عن الناس، سامح، أراد بهذه المسامحة أن الله يسامحه، فما الذي صار الذي يرجوه، وهو أن الله ألقى عليه السماحة، فسامحه. وهذه قاعدة، عباد الله، صاغها العلماء، وهو أنه من أراد أن الله عز وجل يعامله بمعاملة، فعليه أن يعامل الناس بها، صرح بهذا ابن القيم رحمه الله تعالى في الجواب الكافي. فكان من مقاله الرائع، رحمه الله تعالى: «ومن رحم عباد الله رحمه الله، ومن رفق بعباد الله رفق الله به، ومن غفر لهم غفر الله له، إلى أن قال: ومن صفح عن عباد الله صفح الله عنه، ومن تجاوز عنهم تجاوز الله عنه، إلى أن قال: وبين العكس كذلك، والأكثر بالعكس، قال: ومن تتبع عورتهم تتبع الله عورته، ومن هتك سترهم هتك الله ستره، ومن ضيق عليهم ضيق الله عليه، ومن منعهم من خيره منعه الله من خيره، إلى أن قال: وما عامل أحد خلق الله بصفة إلا عامله الله بنفس الصفة في الدنيا والآخرة، في الدنيا والآخرة». فانظر أنت، يا عبد الله، في أي مقام أنت، إذا أردت، يا عبد الله، أن الله يتولاك برحمته، ارحم الناس، ارحم عباد الله، ارحم الوالدين، ارحم الأولاد، ارحم الزوجة، ارحم الجيران، ارحم خلق الله، الرحمون يرحمهم الرحمن، ارحم من في الأرض، يرحمكم من في السماء. وإذا كنت فضًا غليظ القلب، يا عبد الله، فلن تجد إلا ما يناسب هذه الصفة، قال عليه الصلاة والسلام: «من لا يرحم لا يرحم»، ما يرحم أبدًا. عامل، يا عبد الله، إذا أردت أن الله يعاملك بمعاملة، وانظر كيف أنت في معاملتك للناس، الجزاء من جنس العمل. إن كنت، يا عبد الله، ممن يتتبع عورات المسلمين، ويفضحهم، ويأتي بأخبارهم، الذي يطع في أعراضهم وأموالهم وأنفسهم، اعلم أن الله سيعاملك بهذه المعاملة، أن يفضح سترك، وأن يكشف ما كان من مخبأ من أمرك. والأمر، يا عبد الله، كما قال ابن القيم: «ومن عامل خلق الله بصفة عامله الله بنفس الصفة»، والدليل هذا الحديث، فكان هذا الرجل يتجاوز عن الناس، عل وعسى أن الله يتجاوز عنه، فتجاوز ربنا سبحانه وتعالى عن هذا العبد. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.