الدرس في قصة صالح عليه السلام 2، ناقة صالح , صفاتها والتآمر عليها . ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
ناقة صالح كانت آية من الله، لها صفات عظيمة حيث كانت كبيرة وضخمة وتشرب الماء كله في يوم وتترك الناس يشربون في اليوم الآخر، وتسقي الناس من لبنها الكثير. كانت معجزة خروجها اختبارا لقوم صالح وتميز المؤمنين من الكافرين.
الكفار من ثمود ادعوا أن الناقة تضرهم وتؤثر على أموالهم ودوابهم، ثم قرروا قتلها بعد أن عرضت امرأتان غنيتان على رجلين قويين الزواج مقابل قتل الناقة، واشتركا في قتلها برميها بسهم وطعنها ونحرها. كان قتل الناقة نتيجة لتأثير الكفار وتخطيطهم ضدها.
المقطع الأخير يتضمن دعاءً بأن ينفع الله بما قيل ويُتبع بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويظهر الرغبة في نيل رضا الله والتوفيق. يُعتبر ختامًا للكلام بتوجيه ديني ويُظهر أهمية الدعاء والصلاة في الختام.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، في درس ماض إخواني في الله، أشرنا إلى قصة نبي الله صالح عليه السلام، وأن الله عز وجل أرسله إلى ثمود، وأشرنا إلى ما يتعلق بنسب وأصل صالح، وأنه من العرب، وما يتعلق بمحل قرية ومنطقة ثمود. وأشرنا إلى أن صالحا عليه السلام دعا قومه إلى التوحيد وإلى الإيمان والإذعان، ثم ما كان من أمرهم على قول جماعة من أهل العلم أنهم اشترطوا آية، وهذه الآية هي الناقة. نأتي الآن إلى هذه الآية التي طلبها الكفار من صالح عليه السلام، نذكر ما جاء في صفاتها وما جاء من وصفها. أشرنا إلى الصفة الأولى من صفات هذه الناقة بأنها آية عظيمة، وكفى ذلك شرفا ودلالة أن الله أضافها إلى نفسه، فقال سبحانه ﴿ناقة الله﴾، وقال صالح «هذه ناقة الله»، فأضيفت هذه الناقة إلى الله عز وجل، وهي من باب إضافة التشريف. وقرر جماعة من العلماء ذلكم أيضا بأن ليس لها مالك يمتلكها، وأيضا قيل بأن ليس لها أبوية، لا من أب ولا من أم، وإنما على القول الشهير أنها خرجت من صخرة. وكذلك مما يذكر من صفة هذه الناقة أنها من حيث الجسمية كانت جسيمة كبيرة مقارنة بغيرها من النوق، هي تعتبر عملاقة، فيها من الضخامة ما ليس في أمثالها. وكانت هذه الجسامة والضخامة في هذه الناقة استلزمت منها أنها تستهلك الماء والشرب الكثير، فكانت لربما إذا جاءت عند بئر، كانت تشرب وتشرب حتى تستنفذ ماء البئر كله. وكان هذا محل شكاية عند الناس، والناس كذلكم عندهم مواشي وعندهم الاحتياجات الخاصة لسقي الماء، فكانت هذه معضلة. ولهذا جاء حكم الله عز وجل بأن هذه الناقة لها أيام، كما قال ربنا ﴿هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم﴾، أي لها يوم تشرب، وأنتم كذلك لكم يوم. وكانت هذه الأيام مقسومة، كما قال سبحانه في الآية الأخرى ﴿ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر﴾، أي كل يحضر الذي فيه موعده. فكانت الناقة تأتي في يومها فتشرب، ولا أحد يشاركها في الشرب، تشرب وتشرب وتشرب في يومها كله. وفي اليوم الثاني هي لا تشرب، وإنما يأتي الناس ويشربون ويستقون لأنفسهم ولدوابهم ولزروعهم. فكانت هذه القسمة ﴿ونبئهم أن الماء قسمة بينهم﴾ ولهم شرب، والدابة والناقة لها شرب يوم معلوم. هذه الصفة الثانية. الصفة الثالثة من صفات هذه الناقة، بالمقابل، أي بما كان من شربها لماء الناس، فإنها كما ذكر العلماء فإنها تسقيهم من لبنها، أي في هذا اليوم الذي هي تشرب من ماء الآبار ومن ماء البئر التي هي للقوم، فإنها بالمقابل تعطيهم وتدر عليهم من لبنها، فيأتون الناس إليها ويسقون. فكانوا يأخذون لأنفسهم عن طريق الأوعية وعن طريق الأواني يحلبون منها، وهي لا ترد أحدا، فالكل يصدر منها، قد ارتوى لبنا. وهذه من صفة هذه الناقة العظيمة. وأيضا من صفة هذه الناقة، وهو الرابع، أن هذه الناقة كانت تأكل في أرض الله، لا تدخل على أحد في أرضه، ولا تنازع الناس في زروعهم ولا في محاصيلهم، وإنما تذهب إلى أماكن مفتوحة عامة فتأكل، كما قال سبحانه ﴿وذروها تأكل في أرض الله﴾، في أرض الله لا أحد يتضايق من ذلك، فهي أرض لكل الناس، فلا أحد يمتلكها حتى ينزعج منها. فهذا الأمر الرابع من صفات هذه الناقة. الصفة الخامسة من صفات هذه الناقة أنها لا تمس بأذى، لا أحد يتجاسر على أن يقرب منها بأذية. ولهذا قال سبحانه واصفا إياها ﴿ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم﴾، لا تمسوها بسوء، يعني أنتم بإمكانكم تذهبون إلى نوقكم فتضربون هذا وتلفخون هذا بعود، لكن هذه لا، لا تمس، لا تمس بسوء. وهذه الصفة فيها كذلك معنى الشرطية، بمعنى أن هذه الناقة إن حصل منها أذى وسوء، فإن العذاب سيأتيكم، فيأخذكم عذاب يوم عظيم، سيأتيكم العذاب يحل عليكم. فهي صفة لا تمس، وهي كذلك شرطية. الشاهد إخواني في الله، خرجت هذه الناقة على الناس، وحينها أمر صالح عليه السلام قومه بماذا؟ بضرورة الإيمان والإسلام، لأن هذا شرطهم، أنك إن أخرجت لنا آية وإن جئت لنا بمعجزة خارقة للعادة، فإننا سننصاع لهذا. كان من قول ربنا عز وجل ﴿وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم أعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم﴾، قد جاءتكم البينة، فما هناك إلا الإعراض والاستكبار، وخاصة هذه البينة واضحة المعالم، رأيتموها تخرج من صخرة، رأيتموها تسقي يوما كاملا وتسقيكم من لبنها، فهذه الدلالات واضحة، بينة. وهذه البينة، أي الناقة، بينتها جاءت بأمرين اثنين، بيانها جاء بأمرين اثنين، الأمر الأول أنها آية، أنها آية، كما قال سبحانه وتعالى «قال يا قوم هذه ناقة الله آية»، آية من آيات الله. وكما قال سبحانه ﴿وآتينا ثمود الناقة مبصرة﴾، مبصرة، آية واضحة، ليست بخفية، مبصرة تبصرونها، واضحة للمعالم، على أن أمرا خارق العادة. فهذا الأمر الأول الذي جاءت به هذه الناقة، بأنها آية دلالة على صدق صالح عليه السلام، بأنه مؤيد من قبل ربه، وأن الله أيده بهذا الأمر المعجز الذي ما يستطيع عليه أحد من البشر، وليس بمقدور المخلوقات ولا الكائنات. والأمر الثاني التي جاءت به هذه البيّنة، وهذه الناقة، بأنها فتنة، بأنها فتنة، إن مرسل الناقة فتنةً لهم. فالله عز وجل جعل هذه الناقة آية لصالح، وفتنة لقومه، معنى فتنة أي اختبار، إن مرسل الناقة فتنةً لهم، ﴿فارتقبهم واصطبر﴾، سننظر ما الذي سيفعلون بهذا الاختبار، أيجتازونه بكل جدارة أم أنهم سيفشلون فيه. وهذا الذي وقع، أن هذه الناقة عندما خرجت على الناس، نعم أسلم وآمن مجموعة من الخلق، وآمنوا لصالح بالنبوة والرسالة، لكن الكثير المتكاثر منهم من أعرض، واستمر على كفره، فلم يرفعوا رأسا بهذه الآية، وما أثرت في إيمانهم، استمر الحال على هذا، الناقة موجودة بصفاتها وبأماراتها، والناس على من قسموا، فإذا هم فريقان يختصمون، هذا مع صالح عليه السلام مؤمن، وذاك كافر مشرك. إلى أن جاء وقت التبرم والتضايق، تضايق الكفار من الناقة، طبعا تعليلات عللوا بها من تعليلات التضايق والتذر والتذمر من الناقة، مثل موضوع الاستئثار بالماء، ولو معنى يوم، لماذا نحن يوم وهي يوم كامل، هذا ماء، ماءنا، ليس لها حق، ليس لها حق بأن تستأثر بالماء كله. هذا البداية من الشكاوى، الأمر الثاني قيل أنهم يقولوا أنها نفرت الدواب، لأن الدواب إذا دنت منهم الناقة، كأنوا ينفرون منها، تنفر الدواب منها خوفا من ضخامتها. فجاءت هذه الشكاوى على أن هذه الناقة إنما أضرت كما زعموا، أضرت وأثرت على أموالنا وأثرت على دوابنا وعلى مياهنا وعلى مصادر المياه عندنا. هنا جاءت مسألة التخلص من الناقة، ولا يكون ذلك إلا بقتلها. طبعا قتل الناقة، قتلة الناقة، لكن ما عندنا ما يذكر من كتاب الله أو من السنة الصحيحة ما يمكن أن نعول عليه في مسألة أسباب القتل. لكن جاءت في الروايات التاريخية، وما ذكره علماء التفسير في كتبهم، وهكذا أهل التاريخ، ذكر أشياء تعد أسبابا في أو في مسألة قتل الناقة. من هذه الروايات الشهيرة على أن امرأة يقال لها صدوف بنت المحية، صدوف بنت المحية هي امرأة كانت غنية ذا مال، وكانت جميلة حسنا، وأنها عرضت نفسها بالزواج على رجل يقال له مصرع بن المهرج، عرضت نفسها عليه بأن يتزوجها شريطة أن يقتل الناقة. الرواية تحكي أن هذه المرأة كانت متزوجة من رجل، لكن الرجل أسلم وآمن بصالح، فتركت، ثم بحثت عن بديل، فوجدت هذا الرجل، فعرضت نفسها عليه على أن يكون مهرها بقتل الناقة. قيل هذا، هذا القول الشهير. المسألة الثانية أن امرأة عجوز اسمها عنيزة، عنيزة، وكانت لها أربع بنات، فجاءت عند رجل يقال له قدار بن سالف، قدار بن سالف، وكان من الشجعان والأقوياء، فقالت سأزوجك من شئت من بناتي الأربع على أن تخلصنا من الناقة، تقوم بقتل الناقة. هذا القول الثاني. ومن أهل العلم من يرى أن كلا الرجلين قد اشتركا، مصرع بن المهرج وقدار بن سالف، كلاهما اشتركا، وأن هذه القصة حاصلة، وأن هذه حاصلة. هل تم التواطؤ بين عنيزة المرأة العجوز وبين صدوف؟ لأن الكل اتفق لأن الأخبار تخبر على أنهما من ذوات الأموال، وأنهم تضرروا من وجود الناقة، فكانت هذا اشتراك في الهموم، فاشتركا على أنهم يبحثا من الرجال من يشترك في هذه المهمة. ولهذا تأتي الروايات على أن الاثنين قد اشتركا في قتل الناقة، قد اشتركا في قتل الناقة. الذي يذكره العلماء وأجعل كبداية على أن بداية قتل الناقة أن الناس أو نقول مصرع، بداية هو الذي بدأ، انتظر في يوم الناقة عندما وردت إلى البئر لتشرب، فلما انتهت من شربها قام ورماها بسهم، فسقطت. فلما سقطت جاء قدار بن سالف، أتى بسيفه فطعنها، ثم نحرها في لبتها، أي في مكان العنق، نحرها في لبتها حتى قتلها. هذه المسألة أخواني، سنجعلها إن شاء الله استكمال ما يتعلق بمسألة قتلها، وما يتعلق بباقي القوم، ماذا كان رأيهم؟ وماذا كان موقف صالح من هذا؟ سأتي ذلك إن شاء الله في درس قادم. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.