الدرس في لصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 42، ألقاها
يشرح المقطع الأول حديثا نبويا يبين فيه أن الله عز وجل يبتلي العبد المسلم في جسده لعدة أسباب. الابتلاء قد يكون لرفع درجة العبد أو لامتحان إيمانه أو لتكفير ذنوبه.
الله تعالى يبتلي عباده الصالحين لرفع درجاتهم وتكفير ذنوبهم، كما يبتلي الأنبياء والصالحين ليرفع درجاتهم ويكتب لهم الأجر على صبرهم. يكتب للعبد المريض الأعمال الصالحة التي كان يعملها وهو صحيح.
يشرح المقطع كيف أن الله عز وجل يكتب الأجر للمريض الذي يعجز عن أداء الأعمال الصالحة بسبب مرضه، ويكفر عنه ذنوبه. إذا مات في مرضه يكون مغفورا له إذا كان صابرا محتسبا، ويُبين فضل الله على عباده ودعوته للشكر والاستغفار.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا محمد بن هاج الوادي، رحمه الله: قال الإمام أحمد، رحمه الله تعالى: حدثنا حسن وعفان، حسن بن موسى الأشيب وعفان بن مسلم الصفار. قال: حدثنا حماد بن سلمة. وأحمد قد ذكرنا شيئا مما ذكره العلماء في ترجمته، أقصد من ناحية الجرح والتعديل، فهو العلة أنه ثقة، إلا أنه أخذ عليه بعض الأشياء والأوهام. وكما قلنا: إن هذه الأوهام لأسباب ثلاثة، وهي أنه لما كبر كان نسي شيئا، والأمر أيضا الثاني: أنه لما نقل أجزاءه إلى المصنفات لما صنف حديثه جعلها مصنفات، أنا في التوحيد في كذا، فلما نقلها نقلها من حفظه فوهم ما فيه، وهي ما فيه أشياء. وكذلك أيضا أخذ عليه أنه يجمع بين المشايخ ولا يميز، يجمع بين مشايخه قتادة وثابت وحميد وعلي بن زيد وغيرهم، يجمعهم في حديث واحد ولا يميز رواياتهم. وربما تجد رواياتهم مختلفة، أحدهم يروي الحديث مرسلا والآخر يرويه موصولا أو موقوفا أو مقطعا، فلا يميز بين رواياتهم. قال: حدثنا حماد بن سلمة، لكنه في السنة ثبت. وقال عبد الرحمن بن مهدي: من تكلم في حماد فاتهموه، وكان يتكلم فيه الجهمية. قال: عن سنان بن ربيع. وقال أبو سنان بن ربيع عن أنس. قال عفان في حديث: أخبرنا أبو ربيع، أبو ربيع سنان بن ربيع. قال: وسمعت أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا ابتلى الله العبد المسلم ببلاء في جسده، قال الله: اكتبوا له صالح عمله الذي كان يعمله، فإن شفاه غسل وطهر، وإن قبضه غفر له ورحمه». قال: هذا حديث صحيح ورجاله رجال صحيح. وقال الإمام محمد، رحمه الله: حدثنا حماد المسلم به. وظهر هنا سقط، ماذا عندكم؟ هكذا حماد المسلم. والإمام محمد لم يدرك حماد المسلم، فظهر هنا في سقط راوي، معناه إما عفان أو غيره، أو أن مثلا قال الإمام محمد عن حماد بن سلمة به، أو رواه عن حماد بن سلمة، ظهر سقط، مؤكد أنه فيه سقط في الإسناد. قال هنا في هذا الحديث: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا ابتلى الله العبد المسلم ببلاء في جسده». وهذا جاء في أحاديث كثيرة: أن الله عز وجل يبتلي العبد المسلم في جسده. وجاءت الأحاديث: أن ابتلاء الله عز وجل لعبده لعدة أسباب، إما أنه يريد أن يرفع درجته، وإما أن يريد أن يمتحن إيمانه وشدته في دينه، وإما أن يريد أن يكون هذا العبد أرجع، ومعنى يكون راجعا إلى الله عز وجل أكثر وتائبا إلى الله أكثر. وأيضا كذلك يريد أن يغفر له من ذنوبه، تكون كفارة لسيئاته. وكل ذلك جاء في الأحاديث. فلهذا كان أشد الناس بلاء الأنبياء. وقد يبتلي العبد أيضا كذلك عقوبة له، عقوبة أن يعاقبه، يبتليه بشيء من المرض أو من غيره. فإن كان قد عجل له العقوبة فهو خير، وإن كان قد أخرها عليه فهذا يدل على أنه قد يأخذ الله عز وجل منه أشياء. ولهذا قد يعاقب الله عز وجل بعض الناس بعد فترة طويلة، فإنه يكون الداء مثلا له عشرون سنة كذا أو أكثر، فيعاقبه الله عز وجل بذلك الداء. وتأخير العقوبة أمرها عظيم، وتعجيلها خير. ولهذا في ذلك الرجل الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال: يا رسول الله، إني وجدت امرأة فغلبتها على نفسي، فقبلتها، ثم تذكرت، فمشيت حتى جاء الجدار فصدم وجهي. فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أنت عبد أراد الله بك خيرا، عجل لك عقابك في الدنيا». والعكس أن هناك بعض العقوبات يعاقب الله عز وجل بها بعض العاصي، يعجل لهم العقوبة لأجل شرهم، يصرف عن أهل الإسلام وعن أهل الخير شرهم، فيعجل لهم العقوبة. ولهذا النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إن الله عز وجل يعجل بهم العقوبة» كالبغي وعقوق الوالدين، فإن الظلم يعجل الله عز وجل به عقوبة الظالم: ﴿سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون﴾. وأيضا كذلك عقوق الوالدين، فإن الله عز وجل يعجل به العقوبة في الدنيا قبل الآخرة. لكن العبد المؤمن الطائع، وأيضا راجع إلى الله، فربنا جل وعلا قد يبتليه، قد يبتليه كما قلنا إما كفارة لذنوبه، كما جاء في حديث سعد وسعد بن أبي وقاص: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لا يزال بالرجل البلاء في أهله وماله وجسده حتى يتركه الله عز وجل أو حتى يخرجه الله عز وجل من الأرض وليس عليه خطيئة». وأيضا كذلك جاء في حديث سعد: «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتل الرجل بقدر دينه، يبتل الرجل بقدر دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه». ولهذا ربنا جل وعلا يبتل الأنبياء، أنبياءه ورسله، يبتلهم الله عز وجل ليس لأجل أنهم أو عقوبة لهم، لا، بل هو رفعة لدرجاتهم. فهذا الخليل إبراهيم، وهو خليل الله، يبتليه الله عز وجل بكلمات فأتمهن. ويبتلي إبراهيم ربه بكلماته فأتمهن. وكذلك الله عز وجل ابتلى أيوب بالمرض، وابتلى يوسف بجماله وتعرض النساء له، هذا أيضا ابتلاء من الله عز وجل. وكما ذكر شيخ الإسلام: أن ابتلاء يوسف أعظم من ابتلاء أيوب، لأن الظاهر عندنا أن ابتلاء أيوب بمرض، والمرض ما يحبه الناس. لكن قال شيخ الإسلام: أن ابتلاء يوسف أعظم من ابتلاء أيوب، فيوسف صبر على معصية، صبر على طاعة الله ولم يأت المعصية، فهو أعظم، لأنه هذا الباب يطرقه الناس أكثر، وقليل من يصبر، وقليل من يصبر على هذا. فلهذا كان الصبر على الطاعة هو أعظم من الصبر على المصائب والأقدار، فلهذا كان صبر يوسف أعظم من صبر أيوب عليهم الصلاة والسلام. فأيضا غيرهم من الأنبياء ابتلاهم الله عز وجل لأجل أن يرفع درجاتهم. وقال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿إنما ابتليك﴾. وابتلي بك في حديث عياض بن حمار الذي خرجه الإمام مسلم، قال الله عز وجل لنبيه: «إنما ابتليك وأبتلي بك». فلهذا فالأنبياء يبتلون والصالحون أيضا يبتلون. ولأجل هذه الأسباب التي ذكرنا، فهنا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا ابتلى الله العبد المسلم ببلاء في جسده، قال الله عز وجل: اكتبوا له صالح عمله الذي كان يعمله». وهذا أيضا قد ثبتت أحاديث تؤيد هذا المعنى المراد، أنه ما كان يعمله وهو صحيح وهو معافى، فإن الله عز وجل يكتب هذه الأعمال إذا كان مريضا، فهذه نعمة عظيمة من الله، فضل حطه الله عز وجل لعباده. أما ما كان يداوم عليه مثلا صلواته في المسجد، أيضا يصلي الرواتب، يجتهد مثلا يصوم يصوم يوما بعد يوم أو يومين يفطر يومين ويصوم يوما أو يصوم الاثنين والخميس، وغيرها من الأعمال الصالحة التي يفعلها، يعاني الناس، وكذا فيأتي عليه المرض، فالله عز وجل لا يضيع أجر المصلحين. وأيضا يقول الله عز وجل: ﴿ما كان لأهل المدينة أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ضمام ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطأون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون﴾. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما سلكتم من واد ولا شعب إلا كان أناس في المدينة لهم مثل أجركم». هكذا يقول للصحابة: أناس جلوس في المدينة، لكن لهم مثل أجركم، ما منعهم إلا العذر، ما منعهم إلا العذر. فالله عز وجل لا يضيع أجر المصلحين والمحسنين. فلو كان هذا الرجل يعمل هؤلاء الذين كتب الله عز وجل لهم أجر مثل هؤلاء الذين كانوا في الجهاد، لماذا كتب الله عز وجل لهم أجرهم؟ لأنهم كانوا يجاهدون، وما منعهم عن الجهاد إلا العذر، المرض منعهم عن الجهاد، المرض. فلهذا كان لهم مثل أجر من كان في المعسكر ومن كان في ذلك المكان. أيضا النبي صلى الله عليه وسلم جاء عنه في صحيح البخاري في حديث أبي موسى، وإن كان فيه شيء من الانتقاد، لكنه صحيح معنا بشواهده، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن العبد إذا سافر أو مرض، كتب الله عز وجل له ما كان يعمله مقيما صحيحا، إن الله عز وجل إذا سافر العبد أو مرض، كتب الله له عز وجل ما كان يعمله مقيما صحيحا، لا يضيع الله عز وجل من أجره شيء». فلهذا قال هنا في هذا الحديث: «اكتبوا له صالح عمله الذي كان يعمله». وسبحان الله، هذا من فضل الله عز وجل على العباد، فربنا جل وعلا ما يكتب عليه السيئة، وإلا قد يكون إنسان استمر في السيئات، وأيضا عنده بعض السيئات دائما يفعلها، منعه منها المرض، منعه منها المرض، الله عز وجل لا يكتبها عليه، بل يكتبها عليه حسنة، كما جاء في حديث العباس الذي في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا هم العبد بالحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشر حسنات، وإذا هم العبد بالسيئة ولم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له سيئة واحدة». وهذا من عظيم فضل الله عز وجل على العباد. قال: «فإن شفاه غسله وطهره»، معناه أن المرض كفارة، وقد جاءت الأحاديث المتكاثرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تكاد أن تكون متواترة في تكفير هذه الأمراض لسيئاته. فجاء في الصحيحين الحديث عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما يصيب العبد من نصب ولا وصب ولا هم ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله عز وجل عنه من ذنوبه ومن سيئاته». وأيضا جاء في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: أن الله عز وجل إذا مرض العبد كفر الله عز وجل من سيئاته كما تحات ورقة الشجر، مثل تحات عندما يأتي الخريف تتحات ورقة الشجر، فكذلك أيضا ذنوب العبد كلها تنزل، تتحات ذنوبه بأن الله عز وجل أصابه بهذا المرض فصبر. وحديث كثيرة جاءت بهذا المعنى تبين أن من مرض فإن له أجرا، وإن صبر فإن الله عز وجل لا يضيع أجره، بل يؤجره ويكفر عن ذنوبه ويغسل ذنوبه، كما جاء في الحديث الذي تقدم: «حتى يتركه على الأرض وليس عليه خطيئة». حتى يتركه على الأرض وليس عليه خطيئة، وهذا من نعمة الله عز وجل على عباده. قال: «وإن قبضه غفر له ورحمه». وهذا إذا صبر على هذا المرض واحتسب أجره عند الله، فإما أن الله عز وجل يغفر له ويغفر له ذنوبه ويكفر ذنوبه بهذا المرض، وهذه نعمة عظيمة. كم من إنسان يأتيه هذا المرض ثم يموت بمرضه، فهذا مغفر له، هذه مغفر له. لكن نحن ما نجزم أن فلانا مثلا مات غفر الله عز وجل له، لأننا لا ندري ما بينه وبين الله، لا ندري ما بينه وبين الله، قد يكون هذا عقوبة له، وقد يكون مغفرا لذنوبه وكفارة لذنوبه إذا كان عبدا صالحا. فأيضا كذلك قال: «فإن شفاه غسله وطهر، وإن قبضه غفر له ورحمه». فهذا من فضل الله عز وجل على عباده، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. فنسأل الله عز وجل بمنه وكرمه أن يغفر لنا ويرحمنا. والحمد لله رب العالمين.