الدرس في قصة صالح عليه السلام 1، صالح عليه السلام ودعوة ثمود . ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث عن نبي الله صالح عليه السلام ونسبه ونسب قومه ثمود، ويحدد موقع سكنهم في الحجر بين الحجاز وتبوك. كما يشير إلى ذكر صالح وقومه في القرآن الكريم.
نبي الله صالح دعا قوم ثمود إلى توحيد الله وعبادته، واصطدمت دعوته بمقاومة من الكفار الذين طلبوا آية خارقة لإثبات نبوته، فجاءتهم الناقة كآية.
ناقة صالح آية من آيات الله، خرجت من صخرة، ووصفها الله بناقة الله تشريفًا لها، وليس لها مالك من البشر، وقد وجدت من غير أب أو أم.
المقطع يشير إلى أن تفاصيل معينة حول ناقة صالح ستأتي في الدرس القادم، ويختم بالصلاة على النبي محمد.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فمواصل إخواني في الله، في مثل هذه المقامات من الأوقات، نتدارس وإياكم ما يتعلق بقصص الأنبياء والرسل. وفي الدروس الماضية الأخيرة، كان الانتهاء مما يتعلق بأهم الأحداث المتعلقة بنبي الله هود عليه السلام، وما جرى مع قومه قوم عاد، وكيف أن الله عز وجل أرسل عليهم تلكم الريح العقيم. ثم أشرنا إلى أهم المسائل المتعلقة بتلكم القصة. ها نحن في هذا اليوم نتطرق إلى نبي من أنبياء الله، وخاصة ونحن نتحدث من باب التذكير عن هذه الهوة السحيقة من المدة الزمانية من بعد نوح إلى إبراهيم عليه السلام، عشرة قرون كما جاءت مصرحة في بعض الآثار. قلنا: يمكن أننا نجد أن من القصص والأحداث التي جرت في هذه المدة ما يتعلق بقوم عاد. ونحن في هذا اليوم سنتطرق إلى الحدث الثاني، وهو ما يتعلق بنبي الله صالح عليه السلام. بنبي الله صالح عليه السلام، والذي بعثه الله عز وجل إلى قومه، وهم قوم ثمود. وصالح عليه السلام هو من نسل سام بن نوح، من نسل سام بن نوح. قد أشرنا إلى هذه النسبة في دروس خلت عندما تكلمنا عن نوح عليه السلام. ويعتبر الصالح عليه السلام هو ثاني رسول من العرب، ذكرنا الأول وهو هود عليه السلام، وصالح يعد الثاني من الرسل الذي يعتبرون من العرب. وقد ذكر صالح في القرآن تسع مرات باسمه، تسع مرات. وأما قومه ثمود، فقد ذكروا في القرآن أربعة وعشرين مرة، ذكروا أربعة وعشرين مرة في كتاب الله جل وعلا. وإذا أردنا أن نتحدث عن قوم ثمود من حيث المدة أو من حيث السكن، فثمود تسكن في منطقة يقال عنها الحجر، كما جاء في كتاب الله عز وجل: ﴿كذب أصحاب الحجر المرسلين﴾. فهنا أصحاب الحجر، كما قال المفسرون، هم قوم ثمود؛ لأن هذه المنطقة التي سكنوا فيها الحجر. ومحل منطقة حجر، كما يقول العلماء، هي ما بين الحجاز وتبوك، منهم من يجعلها بين الحجاز والشام؛ لأن تبوك في جهة الشام، أي هي ما بين الحجاز إلى تبوك، أو قل أوسع ما بين الحجاز إلى الشام. في هذه المنطقة يقال عنها منطقة حجر. ولقد قدرت الآن في الزمن المعاصر، قدرت بأنها تبعد عن المدينة النبوية نحو من ثلاثمائة وثمانين كيلو شمالًا، أي شمال المدينة ثلاثمائة وثمانين كيلو، وتعد كما يقال منطقة، وأصبحت في هذه الأزمان أثرية. وسأتيها الحديث عن ذلكم إن شاء الله في نهاية المطاف، إذا انتهينا من قصة صالح، سنتطرق إلى بعض مسائل هذه القرية الأثرية الشاهد أنها موجودة لها معالم حاضرة. فقدرت بهذا المقدار من الأمتار. وقوم ثمود، إن جئنا كذلكم تحديدًا إلى الفترة الزمنية، فهم جاءوا من بعد عاد، جاءوا من بعد عاد بنص القرآن، كما قال سبحانه: ﴿واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد﴾. فثمود جاءوا من بعد عاد، فصالح جاء بعد هود عليه السلام. وصالح هو نبي من أنبياء الله، أرسله الله عز وجل بالتوحيد، وهو الأس والأساس في دعوة الأنبياء للناس. فكانت صالح عليه السلام داعيًا قومه إلى توحيد الله، فكان مما بكره ربنا عنه في دعوته، قال سبحانه: ﴿وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله﴾، قال: ﴿يا قوم اعبدوا الله﴾. فأمرهم بعبادة الله جل في علاه، فلا زال يدعوهم وصبر على هذا المقام حتى استجاب له من استجاب. وحينها وقع الخلاف واختلاف بين خبيلته، إذ أن منهم من آمن ومنهم من كفر، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون﴾. فريق آمن بصالح، والفريق الآخر من كفر. مع وضع في عين الاعتبار أن الذي آمن بصالح هم القلة، وهم أهل الاستضعاف والذلة. وأما الأكبر والأكثر والملأ والأعيان، فقد كانوا في صف الكفار والمعارضين والمعاندين لصالح عليه السلام. وهنا أحب أن أشير إلى كلمة تأتي كثيرًا في كتاب الله جل وعلا، أن الله عز وجل يصف الأنبياء بالأخوة إلى قبائلهم، كهذه الآيات: ﴿ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا﴾. ما المقصود بالأخوة هنا؟ قال العلماء: هنا الأخوة أخوة النسب؛ لأنه منهم وفيهم عاش وترعرع، ففيها أرحام وقرابة، فهو أخ لهم بهذا الاعتبار، وليس هناك أخوة تكون بأخوة الدين؛ لا، فما هناك أخوة الدين بين المسلم وبين الكافرين. استمر صالح عليه السلام في دعوة قومه، إلا أن قومه استمروا في عنادهم حتى وصل بهم الحال إلى أنهم طلبوا من صالح طلبًا، ألا وهو أن يأتي لهم بآية، آية تدل على نبوته وعلى أنه مرسل من عند ربه، كما قال سبحانه: ﴿ما أنت إلا بشر مثلنا﴾. أنت بشر، كيف نعطيك مسألة النبوة والرسالة ودعوة أنك جئت من رب العباد هكذا نسلم لك بكلام، لا أنت ما أنت إلا بشر، ما الذي يميزك عنا؟ فإن كان من شيء، حينها قالوا: ﴿فأتنا بآية إن كنت من الصادقين﴾. فأت بآية، هذا الذي سيميزك عنا، أنك تأتي بشيء خارق للعادة ما نستطيع نحن عليه، بهذا تتميز عنه ونعلم أنك مؤيد ومصدق من قبل ربك. فأت بآية إن كنت من الصادقين. حينها جاءت الآية، وهي عبارة عن ناقة، ناقة. والذي ذكره المفسرون في هذه الآية وهي الناقة، أن الأعيان والملأ من قوم صالح، عندما اجتمعوا عليه وطلبوا منه آية، هم حددوا له الآية على قول كثير من المفسر، حددوا له الآية التي يطمعون بها. قالوا: نريدك أن تخرج من هذه الصخرة ناقة، صخرة تخرج منها ناقة تتشقق. وجاء في بعض قراءاتهم، في بعض المفسرين والآثار، أنها ناقة عشراء، أي حامل. صالح عليه السلام، طمعًا في إسلام قومه، أخذ عليهم العهود والمواثيق أنه إن حصل هذا، هل تؤمنوا؟ تزعنوا؟ تخضعوا لربكم؟ تخضعوا لربكم؟ قالوا: نعم، وكيف لا؟ فأخذ عليهم العهود والمواثيق إذا خرجت الناقة، ما هناك إلا الإيمان والإذعان. فلما استوثق منهم، حينها دعا ربه جل وعلا، فإذا بهذه الآية تقع أمام أعينهم، فإذا بالصخرة تتصدع، فتخرج منها ناقة، تخرج منها ناقة. قيل: ناقة عشراء حامل، وقيل: ناقة مع فصيلها، مع فصيلها. القرآن ما أشار إلى مسألة الصخرة هذه، لكن أكثر المفسرين عليها. أكثر المفسرين على أنها خرجت من صخرة. فالشاهد أن هذه الناقة خرجت، هذه الناقة وهي الآية من آيات الله، جاءت بعدة صفات، جاءت بعدة صفات. أذكرها وأذكر في هذا المقام صفة واحدة، ونستكمل البقية بإذن الله في درس قادم. من صفة هذه الناقة أنها ناقة ليس لها مثيل، ليس لها نظير، فهي آية عظيمة من آيات الله. ويدل على ذلك أن الله وصفها بقوله: ﴿ناقة الله﴾، ناقة الله. وهذه الإضافة يسميها العلماء بإضافة التشريف، بإضافة التشريف، كقولك: بيت الله، وكقولك: عبد الله. فهذه الإضافات إضافة التشريف لله، فربنا عز وجل شرف هذه الناقة، إذ أنها ليست كباقي النوق، بل شرفها وطهرها وأعظم منزلتها، فأضافها إلى نفسه. ومن أهل العلم من ذكر إلى أن هذه الإضافة تحمل عدة معاني، أنها ناقة الله. أولًا، قيل: بأن ليس لها مالك، ليس لها مالك من البشر. النوق تعتبر من الدواب الغالية الأثمان، والذي يتنافس عليها الأنام في أخذها وتربيتها؛ لما فيها من عظيم البركة ولعظيم سعرها وغلائها، فهي كنز، كنز لصاحبها. إلا أن هذه الناقة ما لها أحد، ما لها أحد يمتلكها من البشر، فإذن قالوا: أضيفت إلى خالقها وهو الله، فقيل: ناقة الله. والأمر الثاني في هذه الإضافة، قيل: بأن هذه الناقة وجدت من غير أب أو أم، وجدت من غير أب أو أم، فهي ليست كباقي النوق التي تلد، وإنما وجدت من عدم، فإذ بهم بالناقة. ولهذا قلنا: أن أكثر المفسرين يرجعونها أنها خرجت من جبل، خرجت من صخرة؛ إذ أن ليس لها أحد ماذا قام بإلادها وولادتها؟ فقيل: نسبت إلى ربها؛ لأن الله هو الذي أوجدها مباشرة، فقيل لها: ناقة الله. هذا، إخواني في الله، ما نذكره من صفة أولى من صفات هذه الناقة. وسأتي معنا أن هذه الناقة جاءت بعضية صفات فيما يتعلق بمشربها ومسقاها، وما يتعلق بحجمها إلى آخر منافعها، سيأتي هذا معنا في درس غد بإذن الله. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.