الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 751، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع رواية حديث «ليس من البر الصيام في السفر» من سنن ابن ماجة مع تفصيل رجال الإسناد وتوثيقهم، مبيناً أن الحديث حسن وله شواهد في الصحيحين. كما يذكر سبب نزوله وهو رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لرجل مغشي عليه من شدة الصيام في السفر.
يوضح المقطع أن الحديث ليس على إطلاقه بل يرتبط بمدى المشقة، فتُجب الفطر عند شدتها ويستحب عند خفتها ويتسع الأمر عند انعدامه. ويستدل بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مع ترجيح الفطر للأخذ بالرخصة.
الأصل في الصيام بالسفر التخيير بين الصوم والفطر، والصوم أفضل إن لم تكن مشقة والفطر أفضل معها، واتباع الرخصة مستحب. كما يبين أحكام من علم بوصول بلده نهاراً ومن أفطر أول النهار، مع عدم وجوب الإمساك على المسافر الوارد والمريض المبرأ.
يبيّن المقطع وجوب الإمساك عن المفطرات لبقية اليوم على الكافر إذا أسلم في نهار رمضان، وكذلك على من لم يعلم بدخول الشهر إلا نهاراً. ويختتم بالتأكيد على الاكتفاء بذكر هذه المسائل في هذا المقام.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد: قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام أبو عبد الله بن ماجة رحمه الله: أبو عبد الله بن ماجة، ومحمد بن يزيد بن ماجة القزويني الخراساني، والقزوين هي منطقة من مناطق خراسان. قال: حدثنا محمد بن المصفى الحمصي. محمد بن المصفى الحمصي هذا ثقة، لكن في حفظه شيء، وله مناكير، ولهذا قال الحافظ في التقريب: صدوق، يهم، عنده أوهام. لكن الظاهر أن الشيخ رجح فيه أنه حسن الحديث، قال: معناه أنه حسن الحديث ما لم يكن في هذا الحديث نكارة، لكن الحديث له شواهد كما سنذكره. قال: حدثنا محمد بن حرب، وهو أيضًا حمصي ثقة، وكان من حفاظ أهل حمص. قال: حدثنا الأشتر، أو كذا، قال: عن عبيد الله بن عمر. هو عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وهو من أئمة الحفاظ، فهو من حفاظ أصحاب نافع، ومن حفاظ أصحاب المقبري أيضًا، وغيرهم من أهل المدينة، وهو حافظ حديث أهل المدينة. قال: عن عبيد الله بن عمر عن نافع، ويقال: عبيد الله المصغر، ليعرف أو ليميز من أخيه عبد الله بن عمر العمري المكبر. يقال لذاك: مكبر، وهذا: مصغر. وذاك فيه ضعف، يعني: ضعيف الحديث في الحفظ خاصة، وهذا ثقة، ثقة، ثبت، وحافظ كبير. قال: عن عبيد الله بن عمر عن نافع، أي: أبو عبد الله نافع مولى عبد الله بن عمر، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس من البر الصيام في السفر». ليس من البر الصيام في السفر. قال: هذا حديث حسن، رجاله رجال الصحيح إلا ابن المصفى، وهو حسن الحديث. وهذا الحديث كما تعلمون قد جاء في الصحيحين، حديث جابر، أخرجه البخاري من حديث الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب، الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب، وابن الحنفية، وعن جابر أخرجه من طريق الحسن بن محمد عن جابر، وأخرجه مسلم من حديث الزبير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس من البر الصيام في السفر». وقد جاء أيضًا هذا الحديث عن جماعة من الصحابة، جاء عن كعب بن عاصم الأنصاري، وذكره هنا عن ابن عمر، وشكك فيه بعض أهل العلم، لأن ابن عمر، أو لأن الإمام مالك رحمه الله ذكر عنه: مالك عن نافع عن ابن عمر، أي: روى نفس الحديث، وقال: كان ابن عمر لا يصوم في السفر، كان ابن عمر لا يصوم في السفر، فقد يكون وهم محمد بن المصفى فرواه هكذا. لكن الحديث معروف في الصحيحين: ليس من البر الصيام في السفر. وسبب هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر أو في غزوة، رأى رجلًا قد ضُلِّلَ عليه، قال: رأى رجلًا قد ضُلِّلَ عليه، وهو يعني: قد سقط مغشيًا عليه. فقال: ما لهذا؟ قالوا: يا رسول الله، إنه صائم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس من البر الصيام في السفر». وهذه الرواية التي في الصحيحين. وأما الرواية المشهورة: «ليس من بر صيام في السفر»، فهذه رواية شاذة لم تصح، والرواية الصحيحة: «ليس من البر الصيام في السفر». فقال النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى هذا الرجل: «ليس من البر الصيام في السفر». وهذا الحديث لم يحمل على إطلاقه أنه ليس من البر الصيام في السفر، لأن هذا الحديث جاء بسبب، فلذلك أخذ على سببه. ولماذا أخذ على سببه؟ لأنه جاء أحاديث بالحث على الصيام في السفر، وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يصوم في السفر. وقال أنس رضي الله عنه كما في الصحيحين: كنا نسافر مع النبي صلى الله عليه وسلم، فمنا من يصوم ومنا من يفطر، ولا ينكر بعضنا على بعض. وجاء في الصحيحين في حديث الدرجاء: قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة في شدة الحر، فما منا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة. فدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم في السفر. لكن المسافر قد يدرك المشقة وقد لا يدرك مشقة، فإذا زادت المشقة صار الفطر أقرب له وأفضل له، وإن زادت كثيرًا كان الفطر واجبًا عليه. ولهذا في حديث جابر في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغ كراع الغميم في فتح مكة، وكانوا في رمضان، فقال لهم: «أفطروا، فالفطر أقوى لكم». فأفطر بعض القوم، وبعضهم لم يفطر. ثم قال لهم: «إنكم غدًا مصبحو عدوكم، والفطر أقوى لكم»، أو قال: «فاستقووا، فإنه أقوى لكم». فأفطر قوم، وبقي قوم صيام. فقيل للنبي صلى الله عليه وسلم: إنه قد بقي أقوام يصومون. فقال: «أولئك العصاة، أولئك العصاة، أولئك العصاة». فدل على أنه أراد حتمًا أنهم يفطروا، وأن الأفضل بل الواجب أنهم يفطروا إذا زادت المشقة، فالفطر واجب. وإن كانت المشقة ليست شديدة فله أن يفطر، وله أن يتحمل المشقة. وإن لم تكن هناك مشقة فالأمر واسع، أمر سهل، إن شاء أفطر وإن شاء صام. وقد حصل الخلاف بين العلماء في مسألة: أيهما أفضل، الفطر أو الصيام؟ لكن هذا عند عدم وجود المشقة الشديدة، فيكون هذا الخلاف: هل الفطر أفضل أو الصيام؟ فمن العلماء من قال: الفطر أفضل، لحديث ابن عمر: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما تؤتى عزائمه»، يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه، فقال: الفطر أفضل. ومن العلماء من قال: الصيام أفضل، لصوم النبي عليه الصلاة والسلام في السفر. لكن هناك من العلماء من قال: إنه سواء، يعني: من أراد أن يصوم يصوم، ومن أراد أن يفطر يفطر. والظاهر أن الفطر أولى من الصيام لإطلاق هذا الحديث: «ليس من البر الصيام في السفر»، ويعيد حديث الرخصة: وأن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه. لكن من يجد مشقة في القضاء فلا بأس أن يكون صيامه أفضل. بل هناك من العلماء من جعل صيامه واجبًا، وذكر ذلك الشيخ الألباني في بعض أشرطته. قال: لما سئل عن الذين يعملون وعملهم فيه مشقة شديدة، مثل: حمل الأحجار وتكسيرها وجمعها، generalmente هؤلاء يكون عملهم فيه المشقة شديدة، لا يستطيع أن يصوم. فقال: إن كان في سفر وهو يعلم أنه إذا جاء من السفر لا يستطيع أن يقضي، قال: فالواجب عليه أن يصوم في سفره، أن يصوم في سفره. ومسألة الوجوب هذه تحتاج إلى أدلة أكثر. فهو يفطر، لو أفطر مثلاً ولم يجد متسعًا للصيام، فقد قال الله عز وجل: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. ولو مرت عليه السنة وهو لم يصوم لشغله، فلا بأس بذلك. لكن generalmente سيجد أيامًا لا يعمل فيها، فكثير من الناس اعتادوا أن الجمعة لا يعملون فيها، فيصوم في يوم الجمعة، لا بأس، ليس لأجل الجمعة، إنما لأجل أنها يوم فراغ. وإلا قد ثبتت الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام في النهي عن صيام يوم الجمعة. لكن لو صامه لأجل أنه اليوم الذي يكون عنده فراغ بدون عمل، فلا بأس بذلك. فخلاص ما يذكر في هذه المسألة: أن الأصل أن الأمر واسع، إن شاء صام وإن شاء أفطر. لكن إن لم يجد مشقة فالصوم أفضل، وإن هناك مشقة فالفطر أفضل، الفطر أفضل. والأفضل أيضًا كذلك اتباع الرخص، أقصد: إذا كان هناك مشقة فالفطر، وإن لم تكن مشقة فهو بالخيار، وإن كان الفطر أولى للرخصة، اتباع الرخص، إلا لمن يجد مشقة في القضاء، لمن يجد مشقة في القضاء، فهذا... فهذا الخلاصة في الكلام على مسألة الصيام أو على مسألة الصيام في السفر. إلا كما تعلمون أن الله عز وجل رخص للمسافر بالفطر، فقال جل وعلا: ﴿يَامًا مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. وهل يجوز للمسلم أو للصائم أن يفطر وهو يعلم أنه سيأتي إلى بلده في نهار رمضان؟ أن إنسانًا مسافرًا في الطريق، في تلك الليلة مثلاً، أصبح الفجر قريبًا من بلده، أو قبل الصباح، أنا بقي أبقى مثلاً ساعات وهو يصل إلى بلده، أنا سيصل في النهار، أول النهار أو وسطه. فهل هنا يجب علي أن يصوم ويمسك، أم له الرخصة؟ لا زالت، لا زالت الرخصة. صحيح أن الرخصة لا زالت، له أن لا يصوم، له أن يفطر ويصبح في بلده مفطرًا. لو كان مثلاً حتى ولو كان يريد بذلك الإباحة لشيء بما أباحه الله عز وجل له. لأن بعض العلماء منع من ذلك وقال: هذه حيلة، وهذه ليست حيلة. مثلاً: لو إنسان عنده زوجته وهو مسافر، وسيأتي في رمضان، وزوجته مثلاً حاملاً أو مرضعاً لها أن تفطر. فهل يجوز له أن يفطر في هذه الحالة وهو بقي له سويعات يصل إلى بلد؟ نعم، له أن يفطر، وله كذلك أن يأتي زوجته إذا جاء إلى بلده. وأما من قال: إنه لابد أن يمسك، فلا دليل على ذلك. بل كما قال عبد الله بن مسعود: «من أفطر أول النهار فهو مفطر آخر النهار». من أفطر أول النهار فهو مفطر آخر النهار. فالقول بالإمساك في المسافر أو المريض هذا لا دليل عليه. يعني بعض العلماء يقول: أن من... وإن كان أكثرهم يقولون: من باب الاستحباب، المسافر إذا ورد بلده، أو المريض إذا شفاه الله في نهار رمضان، فهل يمسك بقية اليوم؟ فهذا لا دليل عليه. لكن الطفل الذي بلغ في نهار رمضان، فهذا يجب عليه أن يمسك. كذلك الكافر إذا أسلم، لا بد عليه أيضًا أن يمسك. كافر إذا أسلم أيضًا كذلك. والذي لم يعلم بدخول الشهر، لم يعلم بدخول الشهر، فعلم في نهار رمضان، في النهار، هذا أيضًا يجب عليه أن يمسك. وهكذا. فهذه بعض المسائل التي تذكر في هذا المقام، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر