الدرس في الجواب الكافي 3، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
عدم الانتفاع بالرقية أو القرآن قد يكون بسبب عدم قبول المحل أو ضعف اليقين في الشفاء، أو بسبب خلل في الراقي أو المرقي. قد يكون لأمر يريده الله تعالى مثل رفع درجات المريض.
الحالة النفسية للمريض تؤثر في انتفاعه بالعلاج سواء كان بالأدوية الحسية أو الشرعية. الدعاء يكون أقوى إذا كان من قلب حاضر ومتجه إلى الله.
الدعاء هو أحد أقوى الأسباب لدفع المكروهات، ويجب أن يتأدب العبد في دعائه ويتخير الألفاظ الطيبة. سوء الأدب في الدعاء قد يكون مانعا من استجابته.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فقد ذكرنا في الدرس السابق ما ذكره الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في بيان أن الداء العي السؤال، ذكر رحمه الله تعالى ضمن ما ذكر حديث أبي سعيد الخدري، حيث رقى السيد القوم الذي لدغ، فانتفع بذلك الرقية، وهي القراءة بفاتحة الكتاب، وهذا يدل على فضل هذه السورة، سورة الفاتحة، فهي أعظم سورة في القرآن، السبع المثاني، القرآن العظيم، وهي الرقية كذلك، لما جاء في هذا الحديث. ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أنه انتفع بالرقية بفاتحة الكتاب الانتفاع العظيم، كان في مكة يشكو من بعض الأمراض وبعض الآلام، ولا يجد طبيبا، فكان يرقي نفسه بفاتحة الكتاب، ويعالج نفسه بقراءة الفاتحة، فرأى لها التأثير العجيب، فكان يذهب عنه مما يشتكي منه من الآلام، ويبرأ سريعا. ونبه رحمه الله تعالى على أمر يتعلق بهذا، وهو أنه قد يتأخر الشفاء، أو قد لا يحصل، يرقي الإنسان مثلا نفسه بفاتحة الكتاب، يرقي نفسه، أو بالأذكار الشرعية، ولا يشفى، يبقى على المرض الذي هو عليه، لماذا؟ هناك موانع، وهناك أسباب، ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى هذه الأسباب وهذه الموانع، منها أن يكون المحل غير قابل لها، أن يكون المحل غير قابل لها، فيقرأ على المريض، أو يقرأ المريض على نفسه بالفاتحة، أو بغير ذلك من آيات القرآن، سور القرآن، أو الأذكار، فلا ينتفع بذلك، الخلل فيه هو في المحل، وهو المريض نفسه، قد يوجد مانع عنده، فلم يحصل تأثير ذلك الذي قرأ على نفسه. فالمحل لم يقبل ذلك، ربما هو متعلق بغير الله جل وعلا، أو عنده ضعف يقيد بهذه، كالذي مثلا يتعاطى الدواء، وليس عنده الجزم في فائدته، وربما هذا يتعاطى كالمجرد، الذي يقول: نجرب، نأخذ هذا الدواء، ونشرب هذا الدواء، نجرب، فإذا تعاطى الإنسان هذا الدواء، قراءة القرآن، وكان عنده مثل هذه الأمور، فهذا يدل على أن المحل غير قابل، أو للتعلق بغير الله، أو كذلك لعدم اليقين التام بأن هذا شفاء. فإذا حصل الضعف في اليقين، فإن هذا سبب لعدم الانتفاع، وإلا الله جل وعلا يقول: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ﴾، فهذا لا شك فيه حق، لكن يقرأ الإنسان القرآن، ولا يشفى، هل أن القرآن ليس شفاء؟ لا، القرآن شفاء، لكن الخلل في المحل، الخلل في المريض، في المرقي عليه، لكن إذا توفرت الأسباب، انتفع بإذن الله جل وعلا، وحصل المراد، والشفاء. أما إذا وجد الخلل في المحل، في المرقي، أو في الراقي، قد يكون الخلل عند الراقي الذي يقرأ، وقد يكون الخلل عند المرقي، يعني عند المريض، عند المريض، مما يقرأ عليه، وهو متعلق بغير الله، يقرأ عليه، وفي نفسه احتمال يحصل نفع من قراءة القرآن، أو من قراءة الأذكار، لا يحصل الانتفاع، إذا وجد اليقين، وأن القرآن شفاء. ولذلك قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «لكن تستدعي قبول المحل، وقوة همة الفاعل، وتأثيره»، فالفاعل وهو الراقي، إذا كان قويا، له تأثير، عنده من الإخلاص، القارئ مخلص، القارئ من أهل التوحيد، قد يكون الراقي مبتدعا، قد يكون الراقي من أهل ذنوب ومعاصي، فيتخلف الانتفاع بالقراءة، القرآن حق، شفاء، لكن الخلل في الراقي، الراقي ظالم، الراقي مخزن، الراقي مبتدع، الراقي يأكل أموال الناس بالباطل. لكن إذا كان الراقي القارئ نعم، عنده من الإخلاص، وعنده من الطاعات، وعنده من الصدق، حصل الأثر، حصل الأثر، إذا تخلف، فالخلل في المرقي، أي في المريض، وإلا لا يتخلف كون القرآن شفاء، لكن تخلفه بسبب الخلل في الراقي، أو في المرقي، أو لأمر أراده الله جل وعلا، من أن يرفع من رفع درجات هذا المريض، فيبتلى بهذا المرض، ويستمر عليه، لترتفع درجاته عند الله جل وعلا، لهذا البلاء، وهذا المرض. قال الحمد: «فإن الطبيعة إذا أخذت الدواء بقبول تام، كان انتفاع البدن به بحسب ذلك القبول، فكذلك القلب إذا أخذ الرقى والتعاويد بقبول تام، وكان للراقي نفس فعالة، وهمة مؤثرة في إزالة الداء»، الطبيعة لها دور في الانتفاع، حين يقرأ على المريض، وحالته النفسية طيبة، هذا لها أثر، يقرأ على المريض، وحالته النفسية سيئة، يتخلف، وهذا مجرب. أحيانا تشرب الدواء، فتنتفع به، تجد الانتفاع مباشرة، سريعا، فإذا تأملت فيها، تجد أنك حين شربت الدواء، كانت نفسية طيبة، وعندك الرجاء العظيم، وحسن الظن بالله جل وعلا، أنك ستشفى بتعاطي هذا الدواء، وحين تكون النفسية سيئة، تشرب هذا الدواء، وأنت على تضجر، وعلى عدم رجاء عظيم بالله جل وعلا، أنه سيكون سببا في شفائك، فيتأخر. فإذا هذه المؤثرات لها دور كبير، ودور عظيم في انتفاع المريض، سواء كان بالأدوية الشرعية، المراد بها القرآن والأذكار، أو بالأدوية الحسية، التي هي عن طريق العقاقير والأدوية، وغير ذلك من الأدوية المباحة، التي أذن الشرع في تعاطيها، وهذا له أثر. ولذلك يدرسون الأحوال النفسية، ويقولون: لا بد أن يتعالج المريض، وهو على نفسية طيبة، فتجد الطبيب قبل ما يعالج، يطيب نفس هذا المريض، يقول: لا، هذا سهل، إن شاء الله، ما فيه شيء، انتبه، اهدأ، الأمر كذا، لماذا؟ يريد أن يهيئ المريض للعلاج، يريد من المريض أن ينفتح للعلاج، فهو يحاول أن يصلحه نفسيا قبل أن يتعاطى الدواء. وهذه أمور لا بد منها، لكن نسأل الله العافية، قد يبتلى بعض الناس بأطباء، الله المستعان، يعني هو الذي يمرض المريض، نعم، المريض ما عنده شيء، المرض بسبب الطبيب، ولا جاء يشكي له من البيت، وأحسن من عودته من عند المريض، زاد المرض، عندما دخل عند الطبيب، زاد المرض، دخل عند الطبيب، وجه الطبيب، نسأل الله العافية والسلامة، ستعتني به، وربما زجره، وربما كذا، كيف تعالج هذا، وأنت لم تهيئ نفسه؟ هذا مريض يحتاج إلى إصلاح نفسي، تطيب نفسه، لماذا؟ لأن الحالة النفسية لها دور كبير. وانظر إلى ابن القيم، مما لا يقول، يذكر هذا، ابن القيم، الذي عرفوه من خلال التجربة: «إن المريض انتفاعه من الدواء، بقدر الحالة النفسية التي عنده»، بعضهم ما عنده شيء، إنهم حالة نفسية، مرضى، حالة نفسية، مجرد أن يكلمه الطبيب، بعض الكلمات الطيبة، ما في مرض، هذا المرض ما في مرض، ما أعطاه دواء، ولا شيء، أعطاه بعض الكلمات الطيبة، وطمأنه، وأن هذا أمر سهل، ولا شيء، وأنت الحمد لله بخير، وترك هذه الوساوس، الحمد لله، هذا هو العلاج. فإذا لا بد من مراعاة هذا الأمر، عند الراقي الذي سيقرأ القرآن، أو سيقرأ الأذكار الشرعية على المريض، وهذا عند الطبيب الذي سيعالج المريض، عن طريق إعطاء المريض هذه العقاقير، الأدوية، أو الإبر، أو غير ذلك، فيحاول أولا أن يجعل حالته النفسية طيبة، لأن الحالة النفسية لها الأثر في انتفاع المريض من الدواء، أو من قراءة القرآن عليه، أو الأذكار الشرعية، وهذا أمر لا بد منه، وينبه عليه الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى. قال رحمه الله: «الدعاء يدفع المكروه»، قال: «وكذلك الدعاء، فإنه من أقوى الأسباب في دفع المكروه، وحصول المطلوب، ولكن قد يتخلف عنه أثره، إما لضعفه في نفسه، بأن يكون دعاء لا يحبه الله، لما فيه من العدوان، وإما لضعف القلب، وعدم إقباله على الله، وجمعيته عليه وقت الدعاء، فيكون بمنزلة القوس الرخو جدا، فإن السهم يخرج منه خروجا ضعيفا، وإما لحصول المانع من الإجابة، من أكل الحرام، ورين الذنوب على القلوب، والسيلاء الغفلة والشهوة واللهوى، وغلبتها عليها». كما في مستدرك الحاكم، من حديث أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يقبل دعاء من قلب غافل»، فهذا الدعاء دواء نافع، مزيل للداء، ولكن غفلة القلب عن الله، تبطل قوته، وكذلك أكل الحرام، يبطل قوته، ويضعفها. وكما في صحيح مسلم، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيها الناس، إن الله طيب، لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين»، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾، ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: «يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟». ذكر رحمه الله تعالى في هذا الموضع، ما يتعلق بأن الدعاء يدفع المكروه، فمن أعظم ما تدفع به المصائب، وتدفع به البلايا، وتدفع به المكروهات، الدعاء، وكثير من الناس يغفل عن هذا الأمر، يغفل عن هذا الأمر، وهو أمر متيسر، وهو من أسهل الأمور، أن يرفع العبد يديه، يتضرع إلى الله جل وعلا، إذا سجد في سجوده، يدعو الله جل وعلا. فمن أعظم ما يدفع المكروهات، الدعاء، فإنه يدفع هذه المكروهات بإذن الله جل وعلا، وهو من أقوى الأسباب في دفع المكروه، وحصول المطلوب، ولكن قد يتخلف، ولكن قد يدعو مريض، ويدعو، ومصاب بآلام، ومصاب بمصائب، وهو يدعو، ويقول: ما استفدت، ما استفدت من الدعاء، لماذا؟ هذا لموانع، ولأمور، ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى منها الضعف في نفسه، الضعف في الدعاء، يعني الله جل وعلا لم يقبل دعاء هذا الذي دعاه جل وعلا، لدفع مكروه، أو للشفاء من المرض، ما استجاب الله جل وعلا له، لماذا؟ لأن الدعاء ضعيف، الدعاء ضعيف. كيف الدعاء ضعيف؟ الدعاء ضعيف، أي أنه دعاء بما لا يحبه الله جل وعلا، دعاء ربه جل وعلا، لكن بدعاء لا يحبه الله جل وعلا، فليس كل دعاء يحبه الله جل وعلا، لأن من الناس من يعتدي في الدعاء، من الناس من يعتدي في الدعاء، ويكون في دعائه سوء أدب مع الله جل وعلا. ولله المثل الأعلى، أنت الآن إذا دخلت على ملك، على ملك من الملوك، تطلب منه أمورا، تتخير الألفاظ والعبارات الطيبة، حتى لا تأتي بعبارة ربما تسيء فيها إلى هذا الملك، أو إلى هذا الرئيس، أو إلى هذا فلان من فلان، وهو مخلوق مثلك، ومع هذا أنت تتحرى في طلبك العبارات الطيبة، التي ليس فيها سوء أدب، وتبجح. فأنت يا عبد الله كذلك تدعو الله جل وعلا، تطلب من الله جل وعلا، انظر في ألفاظك، انظر هذه الألفاظ التي تخرج من لسانك، تدعو بها، هل مما يحبها الله جل وعلا؟ أم هي ألفاظ فيها سوء أدب مع الله؟ وأنت تأتي بها، بعض الناس يدعو، ويعتدي في الدعاء، يعتدي في الدعاء. وقد أخبر النبي عليه السلام أن أناس يأتون يعتدون في الدعاء، والطهارة، الاعتداء في الطهارة، الاعتداء في الوضوء، مثلا الذي يتوضأ، مثلا يغسل وجهه أربع مرات، هذا اعتداء، يغسل يديه أربع مرات، هذا اعتداء، زيادة، أو يغسل رجليه إلى الركبتين، هذا اعتداء، الدعاء هذا اعتداء، الطهارة، وهناك اعتداء في الدعاء. اعتداء في الدعاء، اما أن يدعو الإنسان بألفاظ لا تناسب، طيب، إنسان مريض، يقول: «يا جبار اشفني»، ما يناسب، «يا جبار اشفني»، كيف «يا جبار اشفني»؟ الجبار من له الجبروت سبحانه وتعالى، لا يناسب، تطلب الشفاء، بسم الله الجبار، تقول: «يا جبار عليك بأعداء الدين، عليك باليهود»، «يا جبار»، نعم، لأن الجبار ذو الجبروت، لكن تريد الشفاء، وتقول: «يا جبار اشفني»، هذا سوء أدب. قد ذكره ابن القيم، وأنه من سوء الأدب في الدعاء، في الدعاء بأسماء الله، أن يدعو الإنسان باسم من أسماء الله جل وعلا، ويطلب شيئا لا يناسب ذلك الاسم، لكن تريد الشفاء، قل: «يا شافي»، «يا شافي شفني»، وهكذا، تدعو بالمغفرة والرحمة، «يا غفور ارحمني»، «يا رحيم ارحمني»، وهكذا. فإذا بعض الناس يدعو، هو مريض، عنده مصائب، يأتي بأدعية، ومما ابتلينا به كذلك، هذه الأيام، ممن يدعو بعض الناس به، يدعو به بعض الناس على أعداء الإسلام، نحن ما ننكر الدعاء على أهل الإسلام، على أعداء الإسلام، نعم، يدعو الإنسان في النوازل على أعداء الإسلام، لكن يتأدب في الدعاء، لأن الله جل وعلا لا يستجيب لنا بسبب إساءة الأدب معه جل وعلا في دعائنا له. بعض الناس كأنه يعلم الله كيف يدمر هؤلاء، كان الله جل وعلا يعني يدعو الله جل وعلا أن يدمر أعداء الإسلام، يكفي: «اللهم عليك بأعداء الإسلام»، لا تعلم الله كيف يفعل، دمر طائراتهم، عليك بأساطيلهم، ولا كذا وكذا، هذا سوء أدب، تعلم الله أنه عندهم، عليك بأساطيلهم، في المكان الفلاني، في المكان الفلاني، الأساطيل في المكان الفلاني، أساطيلهم، وطائراتهم في الموضع الفلاني، عليك بها، هذا سوء أدب مع الله عز وجل. الله لا يخفى عليه أساطيل اليهود، ولا طائرات هؤلاء، دمر طائراتهم، وكذا وكذا، فهذا من سوء الأدب، لا يجوز، وهكذا إذا كان المريض يدعو بألفاظ لا تناسب، أو فيها سوء أدب، واعتداء، فقد يتأخر الشفاء من الله جل وعلا، كما ذكرنا من موانع، انتهى الوقت، نذكرها إن شاء الله في درسنا اللاحق. صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.