الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 749، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يصف المقطع صفة النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة بدءاً من الصلاة في منى ثم الانتقال إلى نمرة حيث جمع بين الظهر والعصر وألقى الخطبة، ثم الوقوف بعرفة. ويؤكد أن الوقوف بعرفة من زوال الشمس إلى غروبها واجب من واجبات الحج، وأن من اقتصر على نمرة دون دخول عرفة فحجه غير صحيح لقول النبي: «الحج عرفة».
يبين المقطع أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر في عرفة، وبين المغرب والعشاء في مزدلفة، ويناقش تعليل العلماء لذلك: هل هو نسك للحج فيشمل المقيمين، أم رخصة سفر؟ والراجح عند الجمهور أنه نسك، ودليله تأخير المغرب إلى مزدلفة مع القدرة على أدائها في الطريق، مما يدل على أن الجمع والقصر هناك عبادة موقوتة لا رخصة سفر.
يذكر المقطع أن من أدرك الوقوف بعرفة ولو لحظة ليلاً صح حجه، ويجوز تقديم صلاة الظهر والعصر قبل الوصول إن خيف فوات الوقت، والخطبة سنة بعد الصلاة. كما يوضح أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف عند الصخرات لا على جبل الرحمة، وأن الوقوف يعني المكث في المكان سواء جلوساً أو قياماً، وقد مكث النبي ﷺ بعد خطبته حتى غربت الشمس.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال أبو داود رحمه الله تعالى: حدثنا أحمد بن حنبل، وهو الإمام المبجل، إمام أهل السنة، أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني. قال: أخبرنا يعقوب، هو ابن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري. قال: أخبرنا أبي عن ابن إسحاق، وهو محمد بن إسحاق بن يسار صاحب السيرة. قال: حدثني نافع، وهو مولى عبد الله بن عمر، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: غدا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من منى حين صلّى الصبح صبيحة يوم عرفة، حتى أتى عرفة، فنزل بنمرة، وهي منزل الإمام الذي ينزل به بعرفة. حتى إذا كان عند صلاة الظهر راح رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم مهجرًا، فجمع بين الظهر والعصر، ثم خطب الناس، ثم راح فوقف على الموقف من عرفة. قال: هذا حديث حسن. والحديث أخرجه الإمام محمد رحمه الله. فهذا الحديث في بعض ما جاء في الحج. ذكر أن النبي عليه الصلاة والسلام بعدما صلى الفجر في منى، وهذا في يوم عرفة، التاسع من ذي الحجة. معلوم أن الحاج إذا كان متمتعًا فإنه يحرم في الثامن من ذي الحجة، وإن كان قارنًا أو مفردًا فإنه يكون إهلاله بالحج في الميقات. وأما المعتمر أو المتمتع فيهل في اليوم الثامن من مكانه، من الفندق أو من أي مكان هو فيه، ثم يذهب إلى منى ويجلس في منى، يصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر. والسنة أن يصلي كل صلاة في وقتها مع القصر، أن يصلي الظهر ركعتين، وإذا جاء وقت العصر صلى ركعتين، ثم يصلي المغرب، ثم يصلي العشاء ركعتين، ثم يصلي الفجر. وذكر في حديث جابر أنه جلس حتى طلعت الشمس، ولم يذكر هذا ابن عمر في حديثه، وإنما قال: «حين صل الصبح صبيحة يوم عرفة حتى أتى عرفة». أي: أخرج النبي صلى الله عليه وسلم بعد طلوع الشمس من اليوم التاسع، وهو يوم عرفة من ذي الحجة، حتى أتى نمرة. فنمرة وادٍ قرب عرفة، ليس من عرفة. نمرة ليست من عرفة. ولهذا، من باب التنبيه، فإن كثيرًا من الناس يخطئون فيجلسون في المسجد، والمسجد الآن الذي في نمرة أكثره في نمرة، وإنما بعضه، الشق المتاخم، يكون دخل في عرفة، وإلا فأكثر المسجد في نمرة. فلذلك الذين يجلسون في مقدمة المسجد أو في وسطه أو نحو ذلك، ولا يدخلون إلى عرفة، وينفرون أو يدفعون أقصد من عرفة ومن مكانهم، فإنهم لا حج لهم، أن حجهم غير صحيح. لماذا؟ لأنهم لم يدخلوا عرفة، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: «الحج عرفة، الحج عرفة». فلذلك فمن لم يدخل عرفة لا حج له. فلابد عليهم أن يدخلوا عرفة. ولكن السنة أنه يبقى بنمرة، وخاصة الإمام الذي يحج بالناس، يجلس في نمرة مثل ما فعل النبي عليه الصلاة والسلام، حتى إذا دخل وقت الظهر صلى الظهر والعصر، ثم خطب الناس، ثم بعد ذلك يدخل إلى عرفة ويجلس في عرفة. والجلوس من طلوع الشمس أو من زوال الشمس إلى المغرب واجب من واجبات الحج، واجب من واجبات الحج، لا يجوز تركه. فلابد أن يجلس بعد زوال الشمس إلى غروبها، ولو تأخر قليلاً في الزوال لا بأس. ثم بعد ذلك يجلس في عرفة يدعو الله إلى أن تغرب الشمس، فيدفع، فيدفع بعد ذلك مع الناس من عرفة. وأيضًا في هذا الحديث: جمع النبي عليه الصلاة والسلام الظهر والعصر. وقد نقل هذا الجمع جماعات من الصحابة، أكثر من عشرة من الصحابة، نقلوا صلاة النبي عليه الصلاة والسلام وجمعه بين الظهر والعصر. واختلف العلماء: هل هذا نسك؟ أم أنه قصر المسافر وجمعه؟ هل هو نسك أو أنه قصر المسافر وجمعه؟ هذا نستفيد منه هذه المسألة: من كان مقيمًا في مكة، من كان مقيمًا في مكة، أوعان تجد معناه لكثرة الناس ولتوسع المكان، تجد الناس قريبين من عرفة. أنا ساكن فيه هناك أحياء قريبة من عرفة، ممكن أنه يذهب من بيتي إلى عرفة حتى ولو مشيًا. فمثل هؤلاء: هل يقصرون ويجمعون، أم أنهم يصلون صلاة إتمام؟ فهذا وجه المسألة. إن كان قلنا أنه نسك، فأيضًا حتى من كان من أهل مكة، ومن كان أيضًا قريبًا من منى أو مزدلفة أو عرفة، أيضًا يقصر ويجمع. وهذا الذي عليه جمهور العلماء. وبعض العلماء قال: أنه ليس بنسك، وإنما هو قصر المسافر. ومعنى ذلك أن من كان في ذلك المكان ليس عليه أن يقصر. وقد جاء حديث عن ابن عباس، وبعضهم يجعله مرفوعًا، لكن لا يصح، وإنما هو عن ابن عباس. حتى الذي جاء عن ابن عباس فيه كلام، أنه صلى في منى وقال لأهل مكة: «إن قوم سفر، فقوموا فأتموا صلاتكم». وهذا كما قلنا لم يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام. فلذلك كثير من العلماء يقولون: أن هذا القصر والجمع هو نسك. وتأول عثمان رضي الله عنه على أنه ليس بنسك، وإنما قصر المسافر. تأول، قيل: أنه تأول أنه يعتبر من أهل مكة، يعتبر من أهل مكة، فلذلك لم يقصر الصلاة في منى. عثمان رضي الله عنه تأول فلم يقصر الصلاة في منى، صلى أربع ركعات، وخالفه بعض الصحابة، منهم عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر. وقال عبد الله بن مسعود: «لقد صليناها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين». وقال: «الخلاف شر، والخلاف شر، فاتبعوا الأثر». لأنه كان متأولًا رضي الله عنه. فلذلك كما قلنا: أن الصحيح من أقوال العلماء أنها نسك، حتى لو كان إمام المسلمين من أهل مكة، فإنه يقصر به، يقصر الصلاة، وكذلك يجمع. فالجمع والقصر نسك. وما يدل على أنه نسك: أن النبي عليه الصلاة والسلام لما دفع من عرفة، خرج في بعض الطريق، فبال وتوضأ وضوءًا خفيفًا، يعني غسل وجهه مرة وكذا. فقال له أسامة: يا رسول الله، الصلاة. لما توضى، ركب في ناقة أو بغلته، فقال أسامة، وكان ردفه: يا رسول الله، الصلاة. قال: «الصلاة أمامك». قال: الصلاة أمامك. حتى جاء إلى مزدلفة، فصلى المغرب والعشاء في مزدلفة. فهذا حديث استدل به كثير من العلماء على أن الجمع في عرفة بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في مزدلفة، هو نسك، وليس اختيارًا. أنا لا يصلي الحاج إلا في مزدلفة، إلا إذا اضطر، إذا كان اضطرارًا لم يستطع أن يصل إلى مزدلفة في ذلك الوقت، فيصلي في أي مكان هو فيه يدرك الوقت. وكذلك أيضًا إذا كان لم يستطع أن يذهب إلى عرفة، أو لم يدرك الظهر والعصر في عرفة. بعض الناس مثلًا يتأخر في الحج لأجل معاملات، لأجل كذا، فيأتي عليه اليوم التاسع وهو لم يدخل الحج. أو بعض الناس تجد مثلًا أنه ليس عنده رخصة مثلًا، ويريد أن يذهب إلى الحج. وكانوا قديمًا: الدولة السعودية في اليوم التاسع خلاص تفتح الأبواب ولا يفتشون. فكثير من الناس يأتي يوم عرفة، بعضهم يتأخر إلى بعد الغروب. ومعلوم أن عرفة لا بد منها. لكن من دخلها ولو في الليل، ولو في الليل في الليلة التي بعد يوم عرفة، دخلها ولو لحظة، دخل وخرج، يعتبر حجه صحيحًا، كما جاء في حديث عروة بن مضرس: أن النبي عليه الصلاة والسلام لما قال عروة بن مضرس الطائي: يا رسول الله، أتعبت نفسي وأكللت راحلتي، وجئتك من حبل إلى حبل، معنى من جبل إلى جبل، حتى أتيتك يا رسول الله، فهل لي من حج؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «من صلى معنا هذه الصلاة، وكان قد أدرك النبي صلى في الفجر، صلاة في مزدلفة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: من صلى معنا هذه الصلاة، وقد وقف ساعة من ليل أو نهار، وقد وقف ساعة من ليل أو نهار بعرفة، فقد تم حجه وقضى تفثه». فلذلك قلنا: يقف، ولو وقف أو دخل عرفة شيئًا يسيرًا، ولو في الليل، فإنه يكون حجه صحيحًا. فلذلك من لم يدرك الظهر والعصر في عرفة فليس عليه شيء، أو مثلًا يصلي الظهر والعصر في مكانه الذي هو فيه، يصلي الظهر والعصر في مكانه الذي هو فيه. أنا مثلًا: دخل إلى مكة العصر، وازال في مكة، فيصلي الظهر والعصر في مكة، ثم يذهب إلى عرفة، حتى لا يدرك الوقت، أي وقت الصلاة، وينتهي عليه وهو لم يصل إلى عرفة. أيضًا في هذا الحديث: أن الخطبة تكون بعد الصلاة. وهذا الذي نقله أكثر الصحابة. أكثر الصحابة الذين نقلوا خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة ذكروا أنها بعد الصلاة، وقليل منهم ذكر أنها قبل الصلاة. لكن الصحيح أنها بعد الصلاة، هذه السنة. ومن خطب قبل الصلاة لأجل تجمع الناس وكذا لا بأس، لكن الأفضل أن تكون بعد الصلاة. وكما قلنا: قبل أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب ثلاث خطب في الحج: خطب يوم عرفة، خطب يوم النحر في الضحى، وخطب في اليوم الثاني من أيام التشريق، عن الثاني عشر من ذي الحجة، خطب أيضًا. كذلك ثلاث خطب خطبها النبي عليه الصلاة والسلام في الحج. قال: «ثم راح فوقف على الموقف من عرفة». أنه بعدما خطب الناس، ذهب النبي صلى الله عليه وسلم ووقف في عرفة. والذي ثبت في حديث جابر وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف عند الصخرات التي عند جبل، عند الجبل الذي يسميه العام الآن جبل الرحمة. ولم يأتِ تسميته في السنة. فهذا الجبل الذي يطلع الناس، بعضهم يشق على نفسه حتى يطلع هذا الجبل، هذا لم يطلعه النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصعده، وإنما وقف عند الصخرات التي تحته، وقال عليه الصلاة والسلام: «وقفت هاهنا، وعرفة كلها موقف». حتى لا يقف أحد في ذلك المكان أو يتزاحمون على ذلك المكان. فقال: «وقفت هاهنا، وعرفة كلها موقف». أنا الذي يجلس في أي مكان يجلس. وأردت أن أنبه لما يقولون: «وقوف». ليس معنى أن الإنسان يكون قائمًا. المراد بالوقوف أي بالمكث. فيقف، معناه أنه يمكث في ذلك المكان، إما يجلس أو يقوم، أو المهم أنه جالس في ذلك المكان، أو ماكث في هذا المكان في عرفة. فوقف النبي عليه الصلاة والسلام بعدما خطب الناس حتى غربت الشمس. هذا ما ذكر في هذا الحديث، والله تعالى أعلم.