الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 748، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع حديثاً نبوياً عن فضل المجاهد في سبيل الله وضمان الله له بالأجر أو الغنيمة أو المغفرة والرحمة. ويناقش إسناد الحديث ورواته مع بيان اختلاف منهج الشيخ محمد بن مهاد الوادي عن الشيخ الألباني في قبول رواية المدلس إذا لم يُطعن في سماعه من شيخه.
يشرح المقطع آية شراء الله لأنفس المؤمنين وأموالهم بالجنة، ويذكر حديث «من خاف أدلج» دالاً على غلاء سلعة الله. ثم يستعرض استشارة النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار قبل بدر، مبيناً أنهم لم يبايعوا على القتال بل على الحماية، ويصف أحداث اعتراض عير قريش وتحولها إلى مواجهة عسكرية.
استشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عند قدوم قريش للقتال، فبايعه المهاجرون والأنصار على القتال، وبشرهم بالجنة عرضها السماوات والأرض. فاستشهد عمير بن الحمام بعد أن ألقى تمراته، وبين الحديث القدسي أن المجاهد في سبيل الله مضمون له الأجر والغنيمة إن رجع، والمغفرة والرحمة إن استشهد.
يُغفر للشهيد من أول قطرة دم تخرج منه، ويمنحه الله ست جوائز أولها المغفرة. وقد كثرت فضائل الجهاد وألف العلماء فيها ومن أوائلهم ابن المبارك.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه، أما بعد. قال شيخنا محمد بن مهاد الوادي رحمه الله تعالى: قال الإمام النسائي رحمه الله، إمام النسائي أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب رحمه الله تعالى، كان إمامًا في الحديث. قال: أخبرني إبراهيم بن يعقوب، أي ابن سعد، أو إبراهيم بن يعقوب الدورقي. قال: حدثنا حجاج بن منهال، قال: حدثنا حماد بن سلمة، أبو سلمة، حماد بن سلمة بن دينار البصري، الإمام، إمام في السنة وحافظ للحديث، لكن حصلت له أخطاء بسبب كبره، وكذلك أيضًا أسباب أخرى قد ذكرناها. قال: عن يونس، وهو ابن عبيد، ويونس بن عبيد من أئمة أهل البصرة، عن الحسن، أي ابن أبي الحسن البصري، عن ابن عمر، عن النبي عليه الصلاة والسلام فيما يحكيه عن ربه عز وجل قال: «أيما عبد من عبادي خرج مجاهدًا في سبيل الله ابتغاء مرضاتي، ضمنت له أن أرجعه، إن أرجعته بما أصاب من أجر أو غنيمة، وإن قبضته غفرت له ورحمته». قال: هذا حديث صحيح، رجاله رجال الصحيح، إلا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، وهو ثقة حافظ. وقد ذكر أنه الجوزجاني، وهو صاحب كتاب أحوال الرجال، صاحب كتاب العباطين، إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني. قال: والحسن قد صح سماعه من ابن عمر كما في تهذيب التهذيب عن أحمد وأبي حاتم. وهذه طريقة الشيخ: أن إذا كان هناك مدلس ولم ينكر في روايته عن شيخه الذي سمع منه، لم ينكره أحد، أي لم يعله أحد، فيصحها، خلافًا للشيخ الألباني رحمة الله عليهما جميعًا. فالشيخ الألباني عنده مثل هذا الإسناد يضعفه حتى يقف على تصريح أن الحسن يقول: حدثنا ابن عمر، أو سمعت ابن عمر. وأما إذا كان معناه عنه، يقول: عن ابن عمر، فلا يقبله ويضعفه رحمه الله، أي شيخ الألباني. أما الشيخ فيقبله، فيقبله. فهذا الإسناد عند الشيخ الألباني يعتبر ضعيفًا، لكن الحديث قد صح من غير حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه، جاء من حديث أبي هريرة، من حديث غيره، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أيما عبد من عبادي خرج مجاهدًا في سبيل الله ابتغاء مرضاتي، ضمنت له أن أرجعه، إن أرجعته بما أصاب من أجر أو غنيمة، أو إن قبضته غفرت له ورحمته». ورحمته معنا في كل الحالتين هو مستفيد، أهم شيء أنه يجاهد في سبيل الله، أهم شيء أنه ينوي نيته، يكون خالصًا لله جل وعلا، خرج إلى هذا الجهاد في سبيل الله، فإذا كان مخلصًا لله فهذا الذي يتحصل على ذلك الأجر العظيم، إن بقي تحصل على أجر الدنيا والآخرة، وإن مات وقتل تحصل على أجر الآخرة، فهو مستفيد في كلا الأمرين أو كلا الطريقتين. فالله عز وجل اشترى من المجاهد نفسه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾. هذه السلعة التي عرضها الله عز وجل لهؤلاء المجاهدين، سلعة الله، ألا إن سلعة الله غالية. «من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل»، هذا الحديث في الترمذي، لكن فيه يزيد الرهاوي، وفيه ضعف، لكن حسنه بعض أهل العلم، ومعناه صحيح. «من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة». فلذلك اشترى الله عز وجل من المؤمنين أنفسهم وأموالهم، فالبضاعة التي عرضها لهم هي الجنة، والمقابل أنهم يجاهدون في سبيل الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾. وفي صحيح مسلم في حديث أنس: لما شاور النبي صلى الله عليه وسلم أهل بدر، شاور الأنصار، فكما ذكرنا قبل أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبايع الأنصار على القتال، لم يبايع النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار على القتال، وإنما بايعهم على أن يحموه ويمنعوه من نساءهم وأنفسهم وأبنائهم وديارهم، ولم يبايعوه على القتال. فلذلك لما حصل في بدر، لما علم النبي صلى الله عليه وسلم بالعير التي كان فيها أبو سفيان، أرسل مجموعة، وكان معهم عليه الصلاة والسلام، خرج مع مجموعة من الناس من الصحابة قدر الثلاثمائة، فخرج حتى يعترض عير قريش، لأن قريشًا أخذت أموال المسلمين، فلذلك أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ هذا المال لأجل أهل الإسلام. فلما علم أبو سفيان أن النبي صلى الله عليه وسلم سيعترضه، سلك طريقًا أخرى، وأرسل إلى قريش أن محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم أراد أن يأخذ العير التجارة، فقاموا وتجهزوا وخرجوا بطرًا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله، كما ذكر الله عز وجل، خرجوا حتى جاءوا إلى قرب بدر. وكان النبي عليه الصلاة والسلام قد لقي جاسوسًا له وعينًا له، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي، وجاء به الصحابة، فكانوا يقولون له: كم أنتم؟ أو كم هؤلاء الذين في هذه العير؟ فكان يقول: إنما جاءت قريش برجالها بصناديدها، فكانوا إذا ذكر ذلك ضربوه، وإذا ذكر لهم العير تركوه. فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم أنه إن ذكر لكم الحقيقة ضربتموه، معنى ذكر لهم قريش، وأن قريشًا جاءت بخيلها ورجلها وجاءت بصناديدها وكبارها لأجل أن يقاتلوا النبي عليه الصلاة والسلام. فالنبي عليه الصلاة والسلام لما تحقق أن قريشًا جاءت وأرادوا القتال، استشار الصحابة، استشار الصحابة، فقال أبو بكر، قال عمر: نقاتلهم يا رسول الله، لكنه لم يأخذ بقوله، وقام المقداد بن الأسود، معنى أقصد ما أخذ بقوله هو ما يريد المهاجرين، المهاجرون قد هاجروا لأجل دينهم، هو يريد الأنصار لأنه لم يبايعهم على ذلك. فقام المقداد بن الأسود وقال: يا رسول الله، سر بنا، لو استعرضت هذا البحر وخضته لخضناه معك، ولا نقول كما قال قوم موسى لموسى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، وإنما نقول لك: يا رسول الله، اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكم مقاتلون. فاستبشر النبي صلى الله عليه وسلم بكلام المقداد، ثم أراد الأنصار، فقام على الصحيح كما في سيرة ابن إسحاق أيضًا سعد بن معاذ، وقال: نحن معك يا رسول الله، إن أردت القتال قاتلنا معك، فسري عن النبي عليه الصلاة والسلام، ثم قال: «قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض»، قال: «قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض». فكان عمير بن الحمام معه تمرات، فقال: يا رسول الله، جنة عرضها السماوات والأرض؟ بخٍ بخٍ! قال: ما يحملك على أن تقول هذا؟ فقال: إنما أردت يا رسول الله أنها عرض... كذا. قال: ثم كان معه التمرات فألقاها، قال: إن جلست آكل هذه التمرات إذن هي لحياة طويلة. فقاتل رضي الله عنه حتى قتل واستشهد. فوجه الشاهد قول النبي صلى الله عليه وسلم: «قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض». فالجهاد في سبيل الله من أعظم الأعمال، من أعظم الأعمال. لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم المجاهد، فقال: هل يستطيع أحد منكم أن يقوم ويصلي ولا يفتر، أو يصوم ولا يفتر؟ فقالوا: لا يا رسول الله. فقال: هذا مثل المجاهد. معنى المجاهد إذا ذهب كأنه كله في عبادة، كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، أي شيء يعمله فهو في عبادة، منذ أن ينطلق من مكانه إلى أن يرجع إلى مكانه وهو في أجر، وأيضًا كذلك في طاعة لله جل وعلا، وفي ضمان أيضًا بالجنة، ضمن له النبي عليه الصلاة والسلام الجنة، وكذلك ربنا سبحانه وتعالى. فلذلك يقول في هذا الحديث القدسي: «أيما عبد من عبادي خرج مجاهدًا في سبيل الله ابتغاء مرضاتك»، فليس له غرض إلا الإخلاص لله، يريد إعلاء كلمة الله جل وعلا. قال: «ضمنت له أن أرجعه، إن أرجعته... أنا أرجعه، إن أرجعته بما أصاب من أجر أو غنيمة، أنا إذا أرجعته أرجعته ومعه الأجر والغنيمة والثواب من الله، قال: وإن قبضته، أي قبضت نفسه واستشهد، غفرت له ورحمته». فالشهيد يغفر له من أول قطرة من دمه تخرج، كما جاء في صحيح مسلم في حديث أبي هريرة وغيره: أول قطرة من الشهيد تخرج من دمه يغفر الله عز وجل له، فيعطيه الله عز وجل ست جوائز، أولها أن يغفر الله له عز وجل من أول قطرة تخرج من دمه. وفضائل الجهاد كثيرة جدًا، وقد ألف العلماء في ذلك مؤلفات، ولعل أول من ألف في الجهاد وفضل الجهاد هو الإمام الكبير الحجة أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك رحمة الله عليه. فنكتفي بهذا والله تعالى. ترجمة نانسي قنقر