الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 746

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 746

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 746، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

شرح حديث الاستعاذة والسؤال بالله

يشرح الشيخ مقبل بن هادي الوادعي حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما فيمن استعاذ بالله أو سأل به، مبيناً سنده ومعنى الأمر فيهما. ويوضح أن الأمر للإكرام والتعظيم لا للوجوب المطلق، فيُعان المستعيذ ويُعطى السائل تعظيماً لحرمة الالتجاء إلى الله.

حكم إجابة دعوة الوليمة والفرق بينها وبين غيرها

يبين المقطع أن إجابة دعوة الوليمة واجبة عند جمهور العلماء وتاركها عاصٍ، بينما دعوات الطعام الأخرى مستحبة فقط. ويستدل على عدم وجوب كل دعوة بامتناع النبي ﷺ عن إجابة دعوة أنصاري حتى دعي معه عائشة رضي الله عنها.

قبول النبي ﷺ الهدية وتحديد قبوله من قبائل مخصوصة

كان النبي ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها بأكثر منها لكرمه، فلما كثر المهدون من الأعراب طلباً للإثابة همّ أن لا يقبل إلا من قريش والأنصار وثقيف ودوس دفعاً للحرج. ويشير إلى أن مكافأة المعروف تكون بالمثل أو بالدعاء لمن لا يجد ما يكافئ به.

رد الجميل بالدعاء والكلمات الطيبة عند العجز عن المكافأة

يوضح المقطع أن من صور رد المعروف الشرعية عند العجز عن المكافأة المادية هو الدعاء بالخير للمحسن وأهله. وتعد العبارات الطيبة مثل «جزاك الله خيراً» و«بارك الله فيك» من القربات وبلغاً في الثناء على صنيع المعروف.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام أبو داود رحمه الله تعالى، وهو سليمان بن الأشعث: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، وهو عثمان بن محمد بن إبراهيم بن المغيرة العبسي الكوفي، كان حافظًا من حفاظ أهل الكوفة، وأخوه أبو بكر بن أبي شيبة صاحب المصنف، وهو أحفظ منه، أبو بكر أحفظ من عثمان. قال: أخبرنا جرير، جرير بن عبد الحميد الضبي الكوفي، قال عن الأعمش، وجرير من حفاظ أصحاب الأعمش، قال عن الأعمش، وهو سليمان بن مهران، وأيضًا هو من أئمة الكوفة، كان يلقب بالمصحف بشدة حفظه. قال عن مجاهد، والأعمش قد سمع من مجاهد لكن قد دلس عنه كثيرًا، ولهذا بعض العلماء ضعف هذا الحديث كالشيخ الألباني بعنعنة الأعمش. قال عن الأعمش عن مجاهد، وهو ابن جبر المكي رحمه الله، كان من علماء أهل مكة وقرائهم، فعبد الله بن كثير قارئ أهل مكة أخذ هذه القراءة من مجاهد رحمه الله. قال عن مجاهد عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من استعاذ بالله فأعيدوه، ومن سأل بالله فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه به فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه». قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، والحديث أخرجه النسائي. ففي هذا الحديث هذه العبارات العظيمة التي أمر النبي عليه الصلاة والسلام بها، وقيل: هو من باب... أي هذه العبارات: من استعاذ بالله فأعيدوه، ليس من باب الوجوب، وإنما من باب الحق، ومن باب إكرام المسلم، وأيضًا تعظيم طلبه؛ لأنه لجأ إلى الله جل وعلا، فاعتصم بالله وسأل الله، فلهذا ينبغي أن يجاب طلبه. فقال: «من استعاذ بالله فأعيدوه»، فلو قال: أستعيذ بالله، أو أعوذ بالله أني فعلت كذا، فالمراد أن تُعيدوه، أي: صدقوا استعاذته تعظيمًا لهذه الاستعاذة. أو قال: أعوذ بالله أن آخذ من كذا وكذا، أو آخذ حرامًا، أو أفعل كذا، أو قال: أعوذ بالله إن جئتكم بدون فلان، أو غيرها من هذه الاستعاذات التي يكون فيها الالتجاء إلى الله عز وجل والاعتصام به مما سيقع من الشر في فعله أو في تركه، فيُعان على هذا ما دام أنه استعاذ بالله، فيُعان على طلبه، فتهيّأ له الأمور حتى لا يقع هذا الشيء تعظيمًا لله جل وعلا. وقال: «ومن سأل بالله فأعطوه»، معنى: يقول: سألتكم بالله أن تعطوني كذا، فمن باب تعظيم الله جل وعلا أنه يُعطي تعظيمًا لله، ولما سأل به تعظيمًا لما سأل به؛ لأنه سأل بالله. وهل هذا من باب الوجوب كما قلنا؟ لا، إنما هذا من باب الإكرام، من باب الإكرام أن يكرم هذا الذي سأل بالله واستعاذ بالله تعظيمًا لله جل وعلا. وقال: «ومن دعاكم فأجيبوه»، وهذا يدل على أن المراد هو أنه يُعطي حق المسلم على المسلم، ومن ذلك الدعوة، كما جاء في حديث البراء، وذكر إجابة الداعي أنها من حق ما أمرهم به النبي عليه الصلاة والسلام. قالوا: «من دعاكم فأجيبوه»، وقد جاءت الأحاديث المتكاثرة عن النبي عليه الصلاة والسلام في إجابة الدعوة: «إذا دعا أحدكم أخاه فليجب»، وجاء في رواية: «وليمة فليجب». والذي عليه جمهور العلماء أن الدعوة الواجبة في الوليمة، وأما في غيرها من الدعوات، سواء كان في طعام أو في غيره، فإن كان في شيء خير: محاضرة، أو كذلك درس، أو كذا، فهذا من باب الخير، من باب الخير والتعاون على الخير. وإن كان مثلًا طعامًا، بمعنى وجبة طعام دعاهم إليه، فالذي عليه جمهور العلماء أن الوليمة واجبة، إن كانت وليمة واجبة، لما جاء في حديث جابر وغيره أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «شر الطعام طعام الوليمة، يدعى لها الأغنياء ويترك لها الفقراء، ومن لم يجب فقد عصى الله ورسوله»، فقد عصى الله ورسوله. ففي هذا أن من لم يجب دعوة الوليمة فهي معصية لله ورسوله. طيب، قلنا: إن الأدلة التي جاءت عامة في الدعوة، في إجابة الدعوة، فكيف قال العلماء بأن الدعوات الأخرى مستحبة غير دعوة الوليمة؟ استدل كثير من العلماء بما جاء في البخاري: أن رجلًا من الأنصار دعا النبي عليه الصلاة والسلام إلى طعام، إنها ليست وليمة، إنما عمل طعام ودعا النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: يا رسول الله، أريدك، أعددت طعامًا في بيتي، أريدك أن تجيبني. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «مع عائشة؟» فقال: لا، إنما أريدك أنت. فقال: «إذن لا». فدعاه، فقال: «معها؟» قال: لا. قال: «إذن لا». بمعنى ما سيأتي: إذا كانت دعوة وحد فقط. ثم في الثالثة قال له: نعم، أنت وهي. فجاء النبي عليه الصلاة والسلام هو وعائشة معه حتى جاء إلى بيت الأنصار. وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقبل دعوته في بداية الأمر حتى يدعوه مع عائشة، يدعو عائشة معه، يدعو عائشة معه. وقد يكون النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك لأجل الترخيص في عدم الإجابة، أو كذلك فعل لأمور أخرى رآها النبي عليه الصلاة والسلام، فلذلك استدل العلماء بهذا الحديث على أنها لا تجب دعوة كل وليمة أو كل دعوة طعام، وإنما تجب الوليمة. وقال: «ومن صنع إليكم معروفًا فكافئوه»، من صنع إليكم معروفًا فكافئوه: أن تعطوه شيئًا مكافأة له على هدية وغيره. وفي البخاري في حديث عائشة أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقبل الهدية ويثيب عليها، يقبل الهدية ويثيب عليها، وكانت الأعراب يأتون ويهدون للنبي عليه الصلاة والسلام لأنهم يعلمون أنه يعطي أكثر، أنهم يريدون إثابته. والمراد بالإثابة: هو ما يعطى بعد الهدية، ما يعطى هدية فيعطي أكثر مما أعطى، وهذا لكرمه عليه الصلاة والسلام. فجاء أعرابي ببكرة، ناقة بكر، فأعطاه ثنية، أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم ثنية إثابة له. ولهذا لما كثر هؤلاء المهدون للنبي عليه الصلاة والسلام تحرج عليه الصلاة والسلام من هذا، تحرج أنه كلما يأتون الناس ويهدونه لأجل أن يثيبهم، فلذلك قال عليه الصلاة والسلام: «لقد هممت»... فقال عليه الصلاة والسلام: «لقد هممت أن لا أقبل هدية إلا من قريش، أو الأنصار، أو ثقيف، أو دوس». قال: «لقد هممت أن لا أقبل هدية إلا من قريش، أو الأنصار، أو ثقيف، أو دوس». أنا عين هذه القبائل؛ لأن هذه القبائل إذا أهدت فهم غالبًا لا يريدون إثابة، وليس بخلا من النبي عليه الصلاة والسلام حاشاه ذلك، لكن لأجل الحرج، لأجل أن لا ينحرج؛ لأن كما قلنا يتكاثر عليه الأعراب فيهدونه حتى يثيبهم أكثر مما أهدوا، أنهم يريدون الإثابة. فلذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم حدد أنه هم أن لا يقبل الهدية، معناها: كان يقبل الهدية عليه الصلاة والسلام، لكن هم أن لا يقبلها لأجل مثل هذا الحرج. فلذلك الإثابة على الهدية من باب المكافأة بالمعروف، هذا نوع من أنواع المكافأة بالمعروف. أيضًا إنسان عمل لك معروفًا من وساطة من كذا، فعطيته شيئًا من باب أنه لم يطلب منك، لم يطلب منك أنك تعطيه شيئًا، لكن مكافأة له، فهذا أيضًا لا بأس بذلك، وهو من رد المعروف، وغيرها من المعروف الذي يفعله الناس مع الآخرين. وأحيانًا يكون المعروف عظيمًا، يكون فيه مثلًا دعوة إلى الخير، يدعوه إلى الخير، أو بسببه اجتهد في طلب العلم واستمر في طلب العلم وغير ذلك، فمن دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا. وقال: «ومن صنع إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه به فادعوا له»، إذا لم تجدوا ما عندكم ما تكافئون به فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه. والدعوة عظيمة: أنك تدعو لهذا الذي فعل لك المعروف. وقد جاء في الحديث: «من صنع لكم معروفًا فقال...» أو قال: «من إذا صنع أحد لك معروف فقلت: جزاك الله خيرًا، فقد أبلغت في الثناء»، فقد أبلغت في الثناء. أنا لما تقول له: جزاك الله خيرًا، بارك الله فيك، حفظك الله، أعطاك الله أكثر مما أعطيت، أو ضاعف الله لك الأجر، أو غير هذه من الكلمات الطيبة التي تدخل السرور على هذا الذي صنع المعروف، وكذلك أيضًا تكافئه بهذا الكلام؛ لأنك ما وجدت شيئًا تكافئ به، كافأته بالدعاء، والدعاء له ولأهله ولأولاده، فهذا من القرب، وهذا أيضًا من الخير، ومن رد المعروف، من رد الجميل أو رد المعروف. فهذا ما يذكر في هذا الحديث، فنكتفي بذلك، والله تعالى أعلم.