الدرس في وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين، محاضرة بمسجد السنة بالمكلا يوم الجمعة 13 شعبان 1429هـ الموافق 15 أغسطس 2008م ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول هذا الفصل شرح الآية الكريمة 'وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين' ويبرز كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم رحمة للجميع في دعوته وأفعاله. يبين الفصل حرص النبي على هداية الناس ورفقه بهم حتى في النواهي.
يتناول هذا الفصل مظاهر رفق النبي صلى الله عليه وسلم ورحمته بالناس في مختلف جوانب حياته، مثل رفقه في الصلاة وتخفيفها، ورحمته بالصغار والكبار وأصحابه. يبرز الفصل جانباً من تواضع النبي وخلقه الحسن مع الناس.
يؤكد هذا الفصل على أهمية الرفق والرحمة في الإسلام في التعامل مع الناس جميعاً، ويحذر من فقدان الرحمة في القلب. كما يبين تحريم تعذيب الناس في الدنيا ويستشهد بحديث صحيح مسلم عن عذاب الذين يعذبون الناس في الدنيا.
﴿والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾ ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما﴾ أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها الناس، سمعتم في مقدمة أخينا أبي الحسن حفظه الله تعالى هذه المجالس المباركة الطيبة التي ينعم الله عز وجل بها على من يشاء من عباده، فنحمده جل وعلا على أن يسر لنا مثل هذه الاجتماعات والمجالس المباركة، نسأله جل وعلا المزيد من فضله، وأن يغفر لنا ذنوبنا يوم نلقاه، وأن يجعل ذلك في ميزان حسنات الجميع. عنوان المحاضرة: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ هذه الآية المباركة التي فيها بيان من الله سبحانه وتعالى أنه أرسل رسوله عليه الصلاة والسلام رحمة للعالمين، ولا يستطاع في مجلس ولا مجالس أن يحصى ويعد ما كان عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في دعوته في أقواله وأفعاله وأوامره ونواهيه؛ لأن هذه الآية تعني حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم. كيف أرسله الله عز وجل رحمة للناس للصغير والكبير وللذكر والأنثى ولجميع الثقلين جنهم وإنسهم؟ وحسبنا في هذا المقام أن نستشف من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بعض ما وصف به رسول الله عليه الصلاة والسلام، وما كان عليه في الدعوة إلى الله عز وجل، ما يثبت ويدل على أنه صلى الله عليه وسلم رحمة مهداة. فمن ذلك أن الله عز وجل قال في ثنائه على نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عندتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾ فوصفه في هذه الآية أنه بالمؤمنين رؤوف وأنه رحيم. وهكذا قول الله عز وجل: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فضا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين﴾ هذه الآية عباد الله فيها وصف للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه لين القلب، وأن هذا اللين هبة من الله وتوفيق منه لعبده ونبيه صلى الله عليه وسلم. ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم﴾ وهذه الآية نزلت في أولئك الذين انصرفوا في غزوة أحد ولم يقاتلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، وقبل هذه الآية قوله سبحانه وتعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين قالوا لإخوانهم لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا قالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزا لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير﴾. هذه الآية في أولئك الذين لم يقاتلوا مع النبي عليه الصلاة والسلام، وخذلوه من المنافقين الذين انصرفوا في غزوة أحد، وعلى رأسهم عبد الله بن أبي بن سلول، حيث انصرف بثلث الجيش، كانوا ألفا أو قريبا من ألف، فرجع بثلث الجيش. ومع ذلك قال الله عز وجل: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فضا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين﴾ فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يعنف أحدا من الذين رجعوا ولم يقاتلوا معه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذا يدل على أنه رحمة بالناس. وهكذا نبينا صلى الله عليه وسلم سيرته في أفعاله تدل على ذلك، والمقام لا يتسع لذكر كل ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما نذكر بعضا مما كان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو الناس به رحمة وشفقة منه عليه الصلاة والسلام. حتى في النواهي لما ينهى أقواما عن فعل أشياء حرمه الله عز وجل، ذلك منه عليه الصلاة والسلام رحمة بهؤلاء، من ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث المسيب ابن حزن رضي الله تعالى عنه أنه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاء النبي عليه الصلاة والسلام إليه، وعنده أبو جهل وعنده عبد الله بن ربيعة بن هشام، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله». كان عليه الصلاة والسلام حريصا على هداية عمه في أصعب المواقف وهو يفارق الدنيا، رحمة وشفقة بعمه الذي طالما كان يدافع عنه في حياته، وكان كذلك يحوطه وينصره من أذى المشركين حتى دخل معه في الشعب الذي سمي بشعب أبي طالب، وجلس ومكث مع النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك الحصار. النبي عليه الصلاة والسلام حرص على أن لا يخرج عمه من الدنيا إلا بلا إله إلا الله، فجاء إليه يقول له: «يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله» ما يريد منه شيء وإنما يريد منه أن يسلم، فأبى أن يقول لا إله إلا الله، وقال: هو على ملة عبد المطلب، فأنزل الله عز وجل هذه الآية العظيمة: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾. وهكذا جاء في البخاري من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دخل على غلام من اليهود وكان يخدم النبي عليه الصلاة والسلام، فقال له: «يا غلام قل لا إله إلا الله» فنظر الغلام إلى أبيه، وقال له أبوه: أطع أبا القاسم، فقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فخرج النبي عليه الصلاة والسلام من عنده وهو يقول: «الحمد لله الذي أنقذه من النار». الحمد لله ينبغي للمسلم أن يكون في دعوته رحيما بالناس ورفيقا بهم حيث يدعوهم إلى الله، لا يدعوهم إلى شخصه أو أن يكونوا معه في حزبه، وإنما يدعوهم إلى الله، يقربهم إلى الله، ويحببهم إلى دين الإسلام، لا ينفرهم عنه. النبي عليه الصلاة والسلام كانت دعوته دعوة تيسير ودعوة تبشير، لا دعوة تنفير عن دين الإسلام أو عن سنته صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حتى في غضبه عليه الصلاة والسلام لا يقول إلا حقا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. النبي عليه الصلاة والسلام يشتد عليه الأمر ويغضب لله جل وعلا، ومع ذلك نصحا للأمة أن لا يقع فيما يغضب الله عز وجل، جاء في الصحيحين من حديث أبي مسعود البدري رضي الله تعالى عنه أن رجلا جاء إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال: «يا رسول الله إني لا أتأخر عن صلاة الفجر من أجل فلان مما يطيل بنا مما يطيل بنا فلان يطيل بهم الصلاة». فكان بعض الناس يتأخر عن صلاة الفجر لأجل إطالة الصلاة، قال: «فما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم غضبا في موعظة قط أشد من غضبه في تلك الموعظة» فقام عليه الصلاة والسلام يقول للناس: «أيها الناس إن منكم منفرين، إن منكم منفرين» يعني عن الصلاة. فكيف بمن ينفر عن الإسلام؟ وكيف بمن ينفر عن السنة؟ فإن هذا لا شك أنه يغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «إن منكم منفرين» أيكم أما الناس فليوجز، فإن من ورائه الكبير والضعيف والمريض وذا حاجة. هكذا رفقه رفقة منه عليه الصلاة والسلام ورحمه وشبقه بأمثال هؤلاء في الصلاة، ولهذا يقول أنس: «ما رأيت أحدا مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخف صلاة في تمام، أخف صلاة في تمام». عباد الله كان يرفق عليه الصلاة والسلام بالناس، فكان يخفف الصلاة لكنها في تمام، لا يخل بشروطها ولا بأركانها، فهو أخف الناس صلاة رفقة ورحمة بمن خلفه من الكبار الشيوخ، وكذلك النساء التي يأتين ويصلين معه عليه الصلاة والسلام. فقد ثبت أيضا في البخاري من حديث أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إني لأدخل في الصلاة أريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي شفقة على أمه أو قال خشية على أمه» هكذا القلوب عباد الله إذا كان في الصلاة ستشغل به أمه. فإن النبي عليه الصلاة والسلام كان يخفف الصلاة، وهذا يدل على أنه كان رحمة عليه الصلاة والسلام بالنساء ورحمة بالصبيان ورحمة بالكبار، فضلا عن أصحابه الذين كانوا يجاهدون وكانوا كذلك معه في كل حين وآن. فإن النبي عليه الصلاة والسلام كان رحيما، يقول مالك بن الحوير كما في البخاري: «أتينا النبي عليه الصلاة والسلام ونحن شببة متقاربون، قال فمكثنا عنده عشرين ليلة نتعلم منه، قال وكان رحيما رفيقا، كان رحيما رفيقا». فلما رأى أننا اشتقنا إلى أهلنا قال: «ارجعوا إلى أهليكم فاعلموهم، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم، وصلوا كما رأيتموني أصلي» أشهد عباد الله أن مالك ابن الحوير يقول: «وكان رحيما رفيقا» علم عليه الصلاة والسلام أن الشباب يحتاجون إلى أهليهم ويشتاقون إليهم. فقال: «ارجعوا بعد عشرين ليلة ارجعوا إلى أهليكم» لأنهم يحتاجون إليهم، فلهذا كان عليه الصلاة والسلام في دعوته وحياته كان رحمة مهداة. انظروا عباد الله النبي صلى الله عليه وعليه وآله وسلم يلاطف الصغار، يلاطف الصغار، دخل على أبي عمير وهو يبكي والحديث في الصحيحين من حديث أنس، وقد مات له طائر صغير، يقول: «يا أبا عمير ما فعل النغير». ويرد ذلك عليه الصلاة والسلام تسلية بهذا الصغير، يسله: «يا أبا عمير ما فعل النغير» يعني هذا الطائر الذي قد مات، وهذا الحديث فيه فوائد عظيمة منها حسن خلقه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكذلك آدابه صلى الله عليه وسلم وشفقته ورحمته حتى بالصغار. جاء كذلك عن أنس رضي الله تعالى عنه أنه قال: «كان في حجر أم سليم وهي أم أنس يتيمة، فرآها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: أنت كبرت، لقد كبرت لا كبر سنك» فماذا فعلت هذه اليتيمة الصغيرة؟ بكت، بكت هذه اليتيمة الصغيرة لأنها ظنت أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا عليها أن لا تكبر. قال: «لقد كبرت لا كبر سنك» فذهبت إلى أم سليم تبكي، فقالت لها أم سليم رضي الله عنها: ما لك يا ابني؟ قالت: لقد دعا علي نبي الله صلى الله عليه وسلم، قالت: ماذا قال لك؟ قالت: لقد قال لي لقد كبرت لا كبر سنك، قالت: فضحك النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى أم سليم ما لك يا أم سليم؟ قالت: دعوت على يتيمتي يا رسول الله. قال: «وما ذاك؟» قالت: دعوت أنك قلت لقد كبرت لا كبر سنك، قالت: فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «أما تعلمين يا أم سليم أني اشترطت على ربي فقلت: إني بشر من البشر أغضب كما يغضبون وأرضى كما يرضون، وإني قلت: يا رب إن دعوت على أحد من أمتي وليس لها بأهل فاجعلها عليه زكاة وطهارة وقربة به منك يوم القيامة». انظروا عباد الله إلى رفق النبي عليه الصلاة والسلام ورحمته بالصغار وملاطفته لهم، كان يمسح رأس اليتيم، وكان صلى الله عليه وسلم يقبل الصبيان، جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قبل ذات يوم الحسن والحسين، وكان عنده الأقرع بن حابس رضي الله تعالى عنه. فقال: «يا رسول الله إن لي عشر من الولد ما قبلت واحدا منهم» فأجابه صلى الله عليه وسلم قائلا: «من لا يرحم لا يرحم» تقبيل الأولاد الصغار أبناءك وأطفالك وأرحمك الصغار هذا يعتبر من الرحمة الموضوع في القلوب، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من لا يرحم لا يرحم». وجاء كذلك في الصحيحين من حديث عائشة أن أعرابيا جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: «يا رسول الله تقبلون صبيانكم؟ نحن ما نقبل صبياننا» فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «وأملك لك أن ندعى الله الرحمة من قلبك؟» ماذا أملك لك؟ ندعى الله الرحمة من قلبك؟ حتى في تقبيل الأولاد هذه تعتبر عدم شفقة ورحمة على الأولاد، فكيف عباد الله بأهل الإيمان وأهل الإسلام الذين أمرنا الله عز وجل بالإحسان إليهم؟ وأن الإسلام كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن عبسة لما جاءه في مكة، ويقول للنبي عليه الصلاة والسلام: «من معك على هذا الأمر؟» فيجيبه قائلا: «حر وعبد». فيقول: «ما الإسلام؟» يقول له النبي عليه الصلاة والسلام: «طيب الكلام وإطعام الطعام» هذا الإسلام، طيب الكلام لا فحش الكلام، قال: «وإطعام الطعام» قال للنبي عليه الصلاة والسلام: «ما الإيمان؟» قال له النبي عليه الصلاة وعلا وسلم: «الصبر والسماحة» هذا الإيمان، صبر أن تصبر، وأن تحلم، وأن ترفق، وأن تسامح وتغذر لمن آذاك كما كان النبي عليه الصلاة والسلام. من صفاته في التوراة كما يقول عبد الله ابن عمر ابن العاص: «لا يجزي بالسيئة السيئة وإنما يعفو ويصفح» لا يجزي بالسيئة السيئة، إن أساء أحد إلى النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم الرحمة المهداة لم يكن يعامله بالسيئة وإنما يعفو ويصفح. ولا دلائل كثيرة منها عباد الله ما جاء في البخاري من حديث أنس في ذلك الأعرابي الذي جبذ النبي عليه الصلاة والسلام من خلفه جبذة شديدة، وقال: «يا محمد اعطني أو قال يا رسول الله اعطني من مال الله الذي عندك ليس مالك ولا مال أبيك». والنبي عليه الصلاة والسلام يقول أنس: «ما زاد على أن تبسم وأمر له بعطاء» مع ذلك كله يقول: «ليس مالك ولا مال أبيك» النبي صلى الله عليه وسلم يتبسم في وجه هذا الأعرابي ويأمر له بعطاء. وهكذا عباد الله في هذا الحديث العظيم حديث عبد الله بن عمر بن العاص أن من صفة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه «لا يجزي بالسيئة السيئة وإنما يعفو ويصفح عن غيره». والنبي عليه الصلاة والسلام إذا بدر منه شيء على أصحابه فإنه عليه الصلاة والسلام يستسمح منهم، يستسمح منهم، جاء في حديث في الصحيحة للألباني وهو حديث حبان ابن واسع ابن حبان عن أشياخه وهم صحابة رضي الله عنهم. أن النبي عليه الصلاة والسلام يوم بدر كان يسوي الصفوف بقدح معه، والقدح عبارة عن عصى، فكان يسوي الصفوف صفوف المؤمنين يوم بدر للقتال كما أمر الله عز وجل كأنهم بنيان مرصوص، قال: «فبدى رجل في الصف يقال له سواد بن غزية» فجاء إليه النبي صلى الله عليه وسلم وهو مار فطعنه في بطنه بذلك ويقول له: «استوي يا سواد» يعني في الصف استوي يا سواد. فقال سواد رضي الله تعالى عنه: «يا رسول الله أوجعتني، يا رسول الله أوجعتني وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدني» طلب القصاص، فأقدني يا رسول الله، قال: «فكشف النبي صلى الله عليه وسلم عن بطنه وقال: خذ» اغتد، فماذا فعل هذا الصحابي؟ قال: «فعانق النبي صلى الله عليه وسلم وقبل بطن النبي صلى الله عليه وسلم». قال: «ما حملك يا سواد على أن تفعل ذلك؟» قال: «يا رسول الله رأيت ما رأيت» يعني من شدة القتال، إنا نصطف في الصفوف، رأيت ما ترى يا رسول الله، وقد أردت أن يكون آخر العهد بك، وأن يمس جلدي جلدك، وأن يمس جلدي جلدك، قال: «فدعى رسول الله صلى الله عليه وسلم له بخير وقال استوي يا سواد». النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يطلب من سواد أن يقتاد منه، والحديث صححه الألباني رحمه الله في الصحيحة، فهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان رحمة في أقواله وفي أفعاله في أوامره وفي نواهيه. يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إني أريد أن أفعل الشيء فأترك فمخافة أن يفرض عليكم» كما قالت عائشة في الصحيحين «مخافة أن يفرض على الأمة» يتركه النبي صلى الله عليه وسلم. وكم صلى رسول الله عليه الصلاة والسلام صلاة التراويح؟ كم يوما خرج إليها؟ خرج في اليوم الأول فتكاثروا، خرج في اليوم الثاني فتكاثروا، في اليوم الثالث، في اليوم الرابع جاء الناس يجتمعون، فلما رأى حرصهم لم يخرج بعدها صلى الله عليه وسلم. قال: «خشية أن تفرض عليكم، فصللوا بيوتكم» انظروا رحمة النبي صلى الله عليه وسلم، نهى الأمة عن الوصال كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة، قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال» قالوا: «إنك تواصل يا رسول الله» قال: «إني لست كهيئتكم إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني». هكذا ينهاهم عن الوصال، قال العلماء: رحمة وشفقة بأصحابه، مع أن فيهم قوة وفيهم جلد وتحمل على أن يواصلوا، والنبي عليه الصلاة والسلام لما راهم أبو واصل بهم يوما وآخر كالمنكل لهم صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم أبوا أن يتركوا الوصال. وهذا يدل على حرص الصحابة رضي الله تعالى عنهم على متابعة الرسول وعلى الخير، لكن النبي عليه الصلاة والسلام بعثا مبلغا عن الله، ولم يبعث عليه الصلاة والسلام متعنتا، قال لعائشة رضي الله عنها لما قالت: «يا رسول الله اكتم هذا الأمر ولا تخبر زوجاتك بالذي قلت لك». قال لها صلى الله عليه وسلم: «وهي اختارته» لما جاء يخيرها إنها اختارته عليه الصلاة والسلام عن الدنيا بما فيها، قال لها عليه الصلاة والسلام: «إنما بعثت مبلغا ولم أبعث متعنتا» لم أبعث متعنتا؛ لأنه عليه الصلاة والسلام يبلغ عن الله ما يكتم شيئا من أمر الله جل وعلا. وهكذا جاء في حديث عبد الله بن بشر رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أهديت له شاه، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام بطبخها وطبخ شيء من الدقيق معها، وأن يترد عليه الذي يسمى التريد، فطبخوا تلك الشاه وجئ بالخوان، وكان يحمله أربعة رجال صحفة كبيرة. فجاءوا بها فجثا النبي عليه الصلاة والسلام على ركبتين، وقد حضر الناس ليأكلوا من هذه الشاه، فجثا النبي صلى الله عليه وسلم على ركبته، فقال أعرابي: «ما هذه الجلسة؟» قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله جعلني عبدا كريما ولم يجعلني جبارا عنيدا» إن الله جعلني عبدا كريما، جثى على ركبته تواضعا عليه الصلاة والسلام. ما كان مثل الجبابرة الذين يأنفون أن يأكلوا مع الناس، يأكلوا مع الرعية، والنبي عليه الصلاة والسلام وهو معلم الناس الخير يأكلوا مع أصحابه يأكلوا مع الأعراب ويتواضع في الجلوس صلى الله عليه وسلم، ألا يدل على ذلك على أنه رحمة مهداة للعالمين؟ ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾. النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا رأى شيئا يغضب الله عز وجل فإنه يغضب لله، إذا انتهكت محارم الله جل وعلا كما قالت عائشة رضي الله عنها وهي تصف رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ما خير رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بين أمرين إلا اختار أي سرهما». وما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة ولا خادما إلا أن تنتهك حرمات الله فيغضب لله، النبي عليه الصلاة والسلام ما يغضب لنفسه، وما كان من خلقه ضرب النساء، وما كان كذلك من خلقه ضرب الخدم الذين هم مساكين تحت أسيادهم. بل أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالرفق بهم، قال لأبي در لما ضرب غلامه: «قال له إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن جعله الله تحت يديه فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس» فكان أبو در على غلامه حلة وعليه حلة طبق أمر النبي عليه الصلاة والسلام. وعمل بهذا الحديث، يقسم الغلام الذي هو غلامه مملوكه يعطيه مما يلبس، وهكذا يطعمه مما يأكل، النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما رأى أبا مسعود البدري وهو يضرب غلامه، ماذا قال لأبي مسعود؟ وأبو مسعود لا يرى النبي عليه الصلاة والسلام وإنما جاء من خلفه. قال: «اعلم أبا مسعود» قال فلم أفهم الصوت، يقول أبو مسعود: «فلم أفهم الصوت» قال: «فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل نحوي وقال اعلم أبا مسعود أن الله عز وجل أقدر عليك منك على غلامك» قال فقلت: «لا أضرب بعدها غلاما أبدا». وفي رواية في مسلم قال: «قلت يا رسول الله هو حر لوجه الله» قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أما إنك لو لم تفعل للفحتك النار أو لمستك النار» هكذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالرفق إلى الضعفاء، أنه يرفق بالضعفاء، وكذلك أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالرفق بالبهائم. لأنه عليه الصلاة والسلام رحيم رحيم، ولهذا أمر بالرفق بالبهائم، مر يوما عليه الصلاة والسلام برجل وهو يضجع شاة ويحد الشفرة يحد السكين والشاة متجعة تحت قدمه، والحديث رواه الطبراني والحاكم من حديث ابن عباس. قال له عليه الصلاة والسلام: «أتريد أن تميتها موتات؟» قال: «تريد تميتها موتات؟» هذه لأن تتعذب كأنها تميت عدة موتات، «أتريد أن تميتها موتات؟ هل لا أحدثت شفرتك قبل أن تضجعها؟» هذه أوامر لهؤلاء الذين يدبحون الغنم أو غيرها من الأنعام. عليهم أنهم يهيئوا السكاكين قبل أن يضجعوا هذه البهيمة؛ فإن هذه البهيمة تحتاج إلى رحمة، قال صلى الله عليه وسلم في حديث شداد بن أوس عند الإمام مسلم: «قال إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته». وهكذا النبي صلى الله عليه وعلاه وسلم مر برجل آخر وهو يريد أن يذبح شاة، ولما يذبحها بعده، فقال له أي هذا الرجل للنبي عليه الصلاة والسلام: «يا رسول الله إني أريد أن أذبح الشاة فأرحمها» رحمة توجد في القلب على هذه التي ستذوق الموت بالسكين. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والشاة إن رحمتها رحمك الله» تريد الله يرحمك، ارحم الشاة، «والشاة إن رحمتها رحمك الله» رواه الحاكم من حديث قرى بن إياس رضي الله تعالى عنه، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» أي الله عز وجل. «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» حديث عبد الله بن عمر ابن العاص عند أبي داود والترمذي، وهكذا جاء في الصحيحين من حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من لا يرحم الناس لا يرحمه الله» من لا يكون في قلبه رحمة للناس الجميع. وهذا بحسبه، أي كل بحسبه، حتى الكافر يرحم، يرحم بالنصيحة بأن ينصح بترك ما عليه من الكفر والشرك، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان رحيما بالكفار حيث يدعوهم إلى الله لينقذهم من النار. وكما سمعتم في الدليل السابق في حديث أنس في البخاري لما دعا النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الغلام اليهودي، قال: «الحمد لله الذي أنقذه من النار» فلهذا نطبط عباد الله مثل هذه الأحاديث الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. من ذلكم كذلكم عباد الله أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذكر أن امرأة عذبت بسبب هرة، عذبت في النار والحديث في الصحيحين من حديث ابن هريرة، وفي البخاري عن ابن عمر: «عذبت امرأة في النار بسبب هرة ربطتها لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض». وهذا يدل على أن الرحمة نزعت من قلب هذه المرأة حتى حبست الهرة فلم تطعمها ولم تتركها، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تنزع الرحمة إلا من شقي» رواه أبو داود والترمذي من حديث ابن هريرة، صححه الألباني رحمه الله. «لا تنزع الرحمة إلا من شقي» وجعل النبي عليه الصلاة والسلام الرحمة في القلوب دليل على الإيمان، جاء عند الترمذي من حديث أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لن تؤمنوا حتى تراحموا» قالوا: «يا رسول الله كلنا رحيم، كلنا عندنا رحمة، كلنا رحيم». قال: «ليست برحمة أحدكم صاحبه، يعني هذا المتبادر أن هذا يرحم أخاه يرحم صاحبه يرحم أباه يرحم ولده يرحم كذا وكذا من أقربائه» قال: «ليست برحمة أحدكم صاحبه، إنما هي رحمة العامة» رحمة العامة ينبغي أن تكون في قلبك يا عبد الله شفقة ورحمة لعموم المؤمنين وعموم المسلمين. النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما قال الله عز وجل في تلكم الآية التي تليت عليكم: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عندتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾ استدل بها الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، استدل بها وذكرها في كتاب التوحيد من كتابه كتاب التوحيد في باب ما جاء في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد. وسد كل طريق يوصل إلى الشرك، كيف هذا عباد الله؟ تبويب الإمام في هذا واستدلاله بالآية، نعم عباد الله إن النبي عليه الصلاة والسلام بعث رحمة، ولهذا كان ينهى الناس عن الشرك بالله ويحذرهم من الشرك بالله، وهذا رحمة لأولئك الذين انغمسوا في الشرك بالله والكفر بالله. وذكر عددا من الأدلة منها حديث عائشة بن عباس وأبي هريرة رضي الله عنه مجمعين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لعن الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذر ما صنعوا، فالتحذير من الشرك والتحذير من البدع والتحذير من المعاصي يعتبر من الداعي إلى الله عز وجل رحمة بهؤلاء. لو كانوا يعقلون أن هذا الذي يغلظ لهم القول ويقول لهم: «توبوا إلى الله واحذروا كذا وكذا من معصية الله» هذا رحيم بهم؛ لأنه يعلم أنه من يستمر على ذلك استحقوا عقاب الله وعذاب الله في الآخرة، فهو لا يريد لهم أن يقعوا في العذاب أو يقعوا في العقاب. فلهذا ربما أغلظ لهم القول ونصحهم وزجرهم اقتداء برسول الله صلى الله عليه وعلى الله وسلم الذي كان يحذر الأمة من الشرك ويحذرها من البدع ويحذرها من المعاصي رحمة منه صلى الله عليه وسلم بالناس حتى يكونوا جميعا من أهل الجنة. ولكن الله سبحانه وتعالى الحكيم والعليم واللطيف بعباده ألا يعلم من خلق؟ وهو اللطيف الخبير، النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عباد الله أوصى وأمر الحكام والمسؤولين وولاة الأمور الذين يلون أمر الناس أن يرفقوا بالناس وأن يرحموهم. رحمة حسية ورحمة معنوية، هكذا ينبغي أن يكون ولاة الأمور جميعا، عندهم رحمة كما كان النبي صلى الله عليه وسلم رحيما بالناس، جاء في مسلم من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشفق عليهم فاشفق عليه». ومن ولي من أمر أمتي شيئا فلم يشفق عليهم أو كما قال عليه الصلاة والسلام: «فلم يرفق بهم فلا ترفق به» هذا الذي لم يرفق بأمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإن له دعوة دعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يرفق الله به، فلهذا ينبغي علينا عباد الله أن نأخذ بعين الاعتبار مثل هذه الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. جاء كذلكم عباد الله في صحيح مسلم من حديث هشام بن حكيم رضي الله تعالى عنه أنه مر على نفر من اليهود يعذبون في الخراج وفي الجزية، ذهب إلى مصر فوجد هؤلاء يعذبون في الخراج وفي الجزية، فقال: «ما بال هؤلاء يعذبون؟» فماذا قالوا؟ قالوا: «يعذبون في الخراج أو قالوا في الجزية» أي منعوا الخراج ومنعوا الجزية. فقال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا» هذه بشارة لهؤلاء الذين ما يرفقون بالناس ويعذبونهم، قال: «إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا» عذابا حسيا أو عذابا معنويا. ولهذا دخل بعد ذلك هذا الصحابي على أمير تلك البلاد وحدثه بحديث النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر بهم فخلوا، أي تركوا بعد ذلك لما سمع هذا الحديث وازعجه هذا الحديث ورعبه هذا الحديث: «إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا»؛ لأن الرحمة قد نزعت من قلوبهم. وجاء كذلك في مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «صنفان من