بذل الندى

الخطبة بعنوان بذل الندى، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 28 محرم 1444هـ الموافق 26 أغسطس 2022م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في الأخلاق الحميدة

يُشدد على أهمية بذل الندى وكف الأذى كركنين أساسيين للأخلاق الحميدة. يُفسر بذل الندى بإيصال الخير للغير بأشكال مختلفة.

أولوية البذل والعطاء

يجب على المسلم أن يبدأ ببر الوالدين والأقربين قبل غيرهم، مع التركيز على حق الأم، ثم الأب، والأقارب. كما يجب على الزوجين أن يتحلّيا بالبذل والعطاء لبعضهما البعض.

الاستمرار في الإحسان والعدل

يجب على المسلم أن يستمر في بذل العطاء والإحسان إلى أقاربه وأرحامه وزوجه، حتى وإن قصر الآخرون في حقوقه. هذا البذل له ثواب عظيم عند الله.

ختام الخطبة والدعاء لله

يختم الخطيب خطبته بالدعاء لله أن يجعلهم من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه، ويصلي على النبي محمد وعلى آله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن باب الأخلاق الحميدة والآداب السديدة يمكن اختزالها واختصارها في ركنين أساسيين، وفي مقامين اثنين، ألا وهما بذل الندى وكف الأذى، فبهما يصل العبد إلى مرضاة ربه وطاعته، ومن خلالهما يصلح حال العبد في تعامله. قال إمام بن رجب رحمه الله تعالى: إن الله جل وعلا وصف أهل الجنة في القرآن بوصفين اثنين: ببذل الندى وكف الأذى. بذل الندى، كما قال العلماء، هو بذل الجود والسخاء والخير، ويمكن أن يقال: هو بذل الخير للغير. إن هذا المقام لهو من المقامات العظيمة التي أمر الله جل وعلا بها وندب إليها وحث عليها ورغب فيها. قال عليه الصلاة والسلام: «من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل». أرشد نبينا عليه الصلاة والسلام إلى بذل الوسع في سبيل منفعة الغير. وقد ضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أروع المثال في تحقيقه لهذا المقام، فها هي خديجة رضي الله تعالى عنها تذكر من مناقبه ومن فضائله ما جاء في قولها: «إنك والله لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقر الضيف وتعين على نوائب الحق». وهذه الأمور في حق من تأملها كلها من باب بذل الندى. لكن مما ينبغي أن يُعلم عن هذا المقام أن بذل الندى لا يقتصر على بذل الأموال من صدقات ونفقات ومن مبالغ ومساعدات، وإن كان ذلك من أعظم صورها. بل إن بذل الندى يكون بما فيه من إيصال كل خير حسي كان أو معنوي إلى الغير. فيدخل في ذلك، وما يشمله بذل الندى، ما يكون من الدعوة إلى الله، ومن التعليم والإرشاد لعامة أهل الإسلام، ويدخل في ذلك التحفيظ والتعليم لكتاب الله القرآن، وما يكون من الأمر بالمعروف والنهي عن سائر المنكرات والآثام، وما يكون من الإصلاح بين الناس، ومن صلة الأرحام، وإطعام الطعام وهكذا. يا عبد الله، يدخل في باب بذل الخير كل ما كان من إيصال لمنفعة منك إلى غيرك. وبهذا نعلم عباد الله أن هذا الباب لا ينحصر بحال في الأموال فقط، وإنما يشمل الأقوال والأفعال والأعمال والأحوال. وأيضًا عباد الله، مما ينبغي أن يعلم ونحن في باب مقام البذل والعطاء، أنك تحرص في هذا الباب على من هم من أعظم الناس حقًا وأقربهم إليك قربًا. والأمر كما قال عليه الصلاة والسلام: «الأقرب فالأقرب، الأقرب فالأقرب». فالوالدان حقهما لا يقدم على أي أحد من خلق الله. وكيف ذاك؟ بل إن حقهما إنما كان بعد حق الله جل في علاه. قال سبحانه: ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا وبالوالدين إحسانًا﴾، وقال سبحانه: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا﴾. فإن كان من بذلك وعطائك من مالك ومنفعتك أو ما كان من حسن خلقك ومعاملتك، فلينبذ أن يكون لهم الحظ الأكبر والأوفر، مع العناية بأمر الأم، فإن حقها أعظم. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام مبينًا حق الأمهات: «أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك». وقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله يوصيكم بأمهاتكم، ثم إن الله يوصيكم بآبائكم». وهكذا يا عبد الله في باب بذلك وعطائك لسائر الأرحام، فعليك أن تعتني بالأقرب فالأقرب، وخاصة من كانوا من الإخوة والأخوات، ومن الأولاد والبنات، فإن حقهما مقدم على حق سائر الأرحام. قال عليه الصلاة والسلام: «اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول: أمك وأباك وأختك وأخاك، ثم أدناك فأدناك». وقال عليه الصلاة والسلام: «لا يكون لأحد ثلاث بنات أو ثلاث أخوات أو بنتان أو أختان، فاتق الله فيهن وأحسن إليهن إلا أدخله الله الجنة». فليس من الدين، وليس من العقل السليم، أن تنشر خيرك يا عبد الله ذات اليمين وذات الشمال فتعطي هذا وتعطي ذاك، بينما أبناؤك وبناتك لا يجدون شيئًا من خيرك. اتق الله فيهن، اتق الله فيهن. وهكذا يا عبد الله، ما يكون من البذل والعطاء والإحسان إلى سائر الناس، احرص على من هم من أقرب الناس إليك، وخاصة من كانت تربطهم الرابطة الزوجية. فالمرأة عليها أن تتفانى في بذلها وعطائها وإحسانها، وما يكون من حسن تبعلها لزوجها. حتى ذكر لنا نبينا عليه الصلاة والسلام قمة البذل الذي تبذله المرأة لزوجها، فقال عليه الصلاة والسلام: «لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها». وهكذا بالمقابل، فالزوج عليه أن يتفانى في إظهار بذله وعطائه، وما يكون من حسن خلقه وتعامله مع زوجته. وقد ذكر نبينا عليه الصلاة والسلام قمة البذل الذي يكون من الزوج لزوجته، فقال عليه الصلاة والسلام: «أن تطعمها إذا طعمت، وأن تكسوها إذا اكتسيت». وهكذا عباد الله يكون حالنا في بذلنا وعطائنا وإحساننا مع غيرنا، مع مراعاة لمن هم أعظم حقًا، ومن هم من أقرب الناس. أقول قولي هذا وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. أما بعد، فلزوم عباد الله في هذا المقام في بيان عظم مقام بذل الندى، وأنه من المقامات العظيمة التي أرشد إليها شرعنا ورغب فيها وندب إليها. وعلمنا أن هذا المقام لا يقتصر فقط على بذل الأموال، وإنما كذلك يدخل فيه كل عطاء حسيًا كان أو معنويًا. فيدخل في ذلك الدعوة والعلم ومكارم الأخلاق ومحاسن الآداب. وعلمنا أيضًا أن بذل الندى إنما يؤدى مع من هم من أقرب الناس إلينا صلةً ورحمًا، بل ومن كان أقرب إلينا بابًا. فهذه عائشة رضي الله تعالى عنها تسأل، فتقول: «يا رسول الله، لمن أهدي؟ لمن أهدي من الجيران؟» فقال عليه الصلاة والسلام: «أقربهم إليك بابًا، أقربهم إليك بابًا». فالحرص على هذه الأولويات في أنك تنظر إلى من هم من أقرب الناس إليك، بل حتى الفقراء، فإن فقراء البلد حقهم أعظم في البذل إليهم وإعطائهم من فقراء غيرهم. قال عليه الصلاة والسلام: «وخذ من أموالهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم». كل ذلك في سبيل الحفاظ على الأولوية والحرص على من كان من أقرب الناس إلينا. وأيضًا مما يذكر في باب بذل الندى أن هذا المقام ينبغي أن يستمر معنا في كل أحوالنا: في منشطنا ومكرهنا، وفي عسرنا وفي يسرنا، ومع وجود ما نراه من التقصير من الطرف الآخر. والأمر كما قال الله جل في علاه: ﴿ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم﴾. وما يلقاها إلا الذين صبروا، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم. فالوالدان عليك يا عبد الله أن تعاملهم بالبذل والعطاء على الاستمرار، ولتحصل منهم كما تدعي، كما تدعي من أنهم قد فرطوا في حقك. قال سبحانه: ﴿وإن جاهدك على أن تشرك به ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفًا﴾. بذلك يستمر معهما. قال: «وصاحبهما في الدنيا معروفًا». بذلك وعطاءك، وما يكون من حسن تعاملك، يستمر مع أرحامك، ولو حصل منهم ما حصل من التقصير والتفريط. جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا رسول الله، إن لي قرابة أصلهم ويقطعون، وأحسن إليهم ويسيئون، وأحلم عليهم ويجهلون». فقال عليه الصلاة والسلام: «فإن كنت كما تقول، فكأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله ظهير». استمرارية على الصلة وعلى البذل والعطاء مع وجود التفريط والتقصير من جانبهم. وهكذا الحياة الزوجية، لربما يحصل فيها النقص والخلل، لكن ليس ذلك ذريعة في أنك تقصر يا عبد الله من بذلك ومن حسن تعاملك وأخلاقك. فالزوجة إن وجدت منها عيبة، فاعمل بما قاله عليه الصلاة والسلام: «لا يفرك مؤمن المؤمنة، أي لا يبغض مؤمن المؤمنة، إن كره منها خلقًا رضي منها آخر». وهكذا تستمر الحياة. وأنت يا أمة الله، لربما تجدين من زوجك مع بذلك وعطائك، وما يكون من حسن تبعلك، لربما تجدين منه تقصيرًا وتفريطًا. فالأمر كما قال عليه الصلاة والسلام: «ألا أخبركم بنسائكم من أهل الجنة؟ كل ولود ودود عؤود، إذا غضبت أو أسيئ إليها أو غضب زوجها، قالت: هذه يدي في يدك، لا أذوق غمضًا حتى ترضى». عباد الله، إن مقام بذل الندى من المقامات العظيمة، ومن المقامات الجليلة التي أثرها يعم القاصي والداني. ويكفي في شرف هذا المقام أن يتجلى فيه مقام الجزاء من جنس العمل. فالله جل وعلا يعامل العباد على حسب ما يكون من تعامل العباد بعضهم مع بعض. قال عليه الصلاة والسلام: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة». قال شيخ الإسلام رحمه الله: «فالثواب والعقاب إنما يكونان من جنس العمل، فإن هذا من العدل التي قامت عليه السماء والأرض». فمن عفى عفى الله عنه، ومن أحسن إلى خلق الله أحسن الله إليه، ومن نفعهم نفعه، ومن سترهم ستره. فالله الله عباد الله بهذا المقام، فإنه من المقامات العظيمة. وما يلقاها إلا الذين صبروا، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم. فأسأل المولى جل وعلا أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله. الله أكبر، الله أكبر.