الدرس في مسائل في شهر محرم وعاشوراء 5، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المقطع مقتل الحسين بن علي في يوم عاشوراء وعلاقة الصحابة بهذا الحدث، حيث يبرز معتقد أهل السنة في الحسين وأنه صحابي جليل ومن آل البيت. كما يشرح خلفية مقتل الحسين وعلاقة ذلك بالخلافة ويزيد بن معاوية.
يتناول هذا الفصل تفاصيل إرسال يزيد بن معاوية عبيد الله بن زياد إلى الكوفة للقضاء على دعوة مسلم بن عقيل ومحاصرة مسلم بن عقيل لقصر الكوفة، ونهاية المطاف بقتل مسلم بن عقيل. كما يتناول محاولات الصحابة لمنع الحسين من الخروج إلى العراق.
يبرز هذا الفصل أن قتلة الحسين وشمر بن ذي جوشن كانا من الشيعة، وأن أهل الكوفة الذين بايعوه خذلوه في النهاية، بينما أظهر الصحابة مواقف إيجابية تجاه الحسين. كما يبين براءة الصحابة من دم الحسين وتورط عبيد الله بن زياد في قتله.
يذكر هذا الفصل كيف انتقم الله من المتورطين في حادثة مقتل الحسين، بما في ذلك قتل عبيد الله بن زياد وإهانة رأسه، مما يبرز العدالة الإلهية في معاقبة الظالمين.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازلنا عباد الله إخواني في الله، في هذه الأيام نتذكر وإياكم أهم المسائل المتعلقة بشهر الله المحرم، وخصوصًا بيوم عاشوراء، وهو اليوم الذي نحن نتقلب فيه. وإن مما أحب أن أذكره زيادة على ما ذكر من المسائل والأحكام مسألة، وهي ما يقع فيها بعض الناس من جعل يوم عاشوراء يوم مأتم، يعلو فيه الصياح والبكاء والصراخ والنواح، وذلكم لأجل ما كان من مقتل الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، إذ أنه قتل في يوم عاشوراء، في العاشر من محرم. فادعى قوم أنهم أنصاره، وأنهم أحبابه وأعوانه، وهم شيعته، أظهروا الحزن الشديد لمقتل الحسين في هذا اليوم، فجعلوا هذا اليوم مأتمًا. وسل الحسينيات، وسل الحسينيات ينبئك عما يفعله القوم بأنفسهم من اللطم بالخدود، وشق الجيوب، والضرب لأنفسهم بالسكاكين والسيوف. نحن لا نبالي بالقوم يفعلون ما يفعلون، وكل يفعل بما يحلو له، والحساب عند الله جل في علاه. لكن الذي نكترث له أنهم في مثل هذا اليوم، متى ما تجمهروا واحتشدوا، إذ بهم يحشرون الكلام في الصحب الكرام رضي الله تعالى عنهم، بماذا؟ بالسب والشتم واللعن. فتجدهم في مثل هذا اليوم، في كلماتهم ومحاضراتهم وترانيمهم وأناشيدهم، أنهم يصرحون بسب عمر وأبي بكر وعثمان، وسائر الصحابة لعنًا وطعنًا وسبًا وقدحًا ولذعًا. هنا يأتي السؤال: ما علاقة الصحابة الكرام بهذا اليوم، بيوم عاشوراء؟ هم يهمون أتباعهم وأصحابهم بأن أهل السنة لهم ضلع في قضية مقتل الحسين رضي الله تعالى عنه، ولهذا هم يشيرون إشارات وأصابع الاتهام إلى الصحب الكرام، وإلى أهل السنة جمعًا، لأنكم راضون بهذا العمل. إخواني في الله، الرد على هذه المسألة يكون في بيان عدة مسائل، أود أن أظهرها في هذا المقام، ولو على شكل إيجاز. أولًا، ما الذي نعتقده في الحسين، حتى يعلم القاصي والداني معتقد أهل السنة والجماعة في هذا الرجل، حسين بن علي، الذي نعتقده وندين الله جل وعلا به، أنه صحابي جليل، هو من صغار الصحابة، بل من سادات الصحابة. يكفيه شرفًا أنه أولًا من الصحب الكرام، من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكفى بالصحبة شرفًا لصاحبها. ثانيًا، أنه من آل البيت، من آل بيت رسول الله، الذين أوصى الشرع بهم خيرًا، ﴿وصيكم الله في أهل بيتي﴾، فلهم حق، حق الإجلال والإعظام الشرعي. فوق هذا وذاك، ما جاءت به النصوص من النصوص الخاصة الدالة على فضيلة الحسين. نبينا صلى الله عليه وسلم قال: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة». ليسوا في الدنيا، بل في الجنة سيدا لهم، السيادة والريادة في الجنة، رضي الله تعالى عنهما. وجاء كذلكم، كما ذكر ذلك شيخنا مقبل رحمه الله تعالى، في الجامع الصحيح مما ليس في الصحيحين، أن النبي صلى الله عليه وسلم ضم الحسن والحسين، فقال: «اللهم إني أحبهما فأحبهما، اللهم إني، أحبهما فأحبهما». وجاء كذلكم تنصيصًا في الحسين، كما صحح ذلك العلامة الألباني رضي الله عنه، رحمه الله، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحسين: «حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب الحسين، حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب الحسين». هذه الفضائل إخواني موجودة في كتب السنة، يريدونها ويذكرونها، إشادة بفضل الحسين رضي الله تعالى عنه. ولهذا يرى أهل السنة والجماعة أن الحسين بن علي من أجل الصحابة، من ساداتهم. تأتي المسألة التي نود أن نبينها، ألا وهي مسألة مقتل الحسين، حتى يفهم الناس ما الذي صار في هذه الحادثة، أو قل في هذه الفاجعة. خلاصتها: خلاصة مسألة مقتل الحسين تعود إلى ما قام به الصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه، عندما آلت الخلافة إليه. ففي عام الستين من الهجرة، حين حانت وفاته رضي الله عنه، أوصى بالخلافة لابنه يزيد من بعده. اجتهد في هذا الباب، ورأى أن يزيد أولى، فكتب وصية أنه يخلفني يزيد ابني. فلما كان الأمر كذلك، اعتلى يزيد الخلافة. بعض الأخيار لم يرتض هذا، وأن هذا ليس بفعل صواب، أن يولى يزيد على رقاب أهل الإسلام، لعدة أمور. أولًا، لصغره، كان صغيرًا شابًا، قالوا: أنه لا يتحمل أعباء الخلافة. أضف إلى ذلك، ما كانت تأتي من الأخبار والأنباء عنه، وعن سيرته الذاتية. فامتنع من امتنع عن البيعة، ومنهم الحسين. يرى أن الأمر كان ينبغي أن يكون لمن هو أفضل منه شأنًا، وأتقى لله. أهل العراق سمعوا بأن الحسين لم يبايع، فاستغلوا هذه الفرصة، في أنهم يستدعونه إليهم: «أقدم علينا، أقدم علينا». لماذا يقدم عليهم؟ «ما عندنا بيعة، ما بايعنا أحد، ولا أمرنا أحد، ونحن مثلك، ما نرتضي بيزيد، وما نراك إلا أنت أهل للخلافة، أقدم علينا». ولم يكتفي أهل العراق بهذه المناشدة، بل وكتبوا الرسائل والكتب، الرسائل والكتب والخطابات تتتابع من أرض العراق، تصل إلى الحسين، فيه يظهرون النصرة والمؤازرة، وأنهم في انتظاره، وأن الدين قد أميت، وأن السنة قد غيبت، فلا خلاص إلا بوجوده. فلا يزالون به، حتى جاءت وفود بأعيانها إليه، وخاطبوه. حينها أصبح الحسين رضي الله تعالى عنه يرى أن هذا الوضع يحتاج إلى إصلاح، وأن الأمر ينبغي أن يصحح. فإذا أمكن أن ينفع الله عز وجل به البلاد والعباد، فليذهب. لكن قبل أن يذهب رضي الله تعالى عنه، أرسل مندوبًا عنه، لكي يستثبت الأمر، الأمر ليس بالسهل. فأرسل مسلم بن عقيل، وهو ابن عمه، فذهب مسلم حتى دخل إلى أرض العراق، كما يقول: مهمته يستطلع الأمور. فعلم أهل العراق بقدوم مسلم، كوافد ومندوب عن الحسين، فانهالوا عليه. لأنه جلس في بيت رجل، هاني بن عروة، جلس في بيته، فتدافع الناس إليه تدافعًا كثيرًا، الآلاف المؤلفة، وكلهم قد أتوا إلى مسلم بن عقيل، يقول: «هذه بيعة لك، للحسين، لك، للحسين، لك، للحسين، أخبره بايعناه». حتى أن مسلم اغتر بهذه الوفود العظيمة، والبيعات التي تمت، فأرسل إلى الحسين: «الأمور كما أتوقع أكثر، أن أقدم، تعال، البيئة هنا حاضنة لك». في هذه الفترة، كانت ولاية الكوفة تحت يد الصحابي الجليل النعمان بن بشير، هو الوالي. وكان النعمان بن بشير يعلم بما يجري، بيعة تتم في أطراف الكوفة للحسين، مع أنه هناك والٍ شرعي، وهو زياد بن معاوية، لكنه ماذا؟ أغضى الطرف، يعلم أنه سيؤخذ منه، فأغضى الطرف وتغافل. ولا يزال التغافل من شيم الكرام، تغافل. لكن بدأ الأمر ينتج ويتسرب، حتى وصل إلى بلاد الشام. وهنا دقة ناقوس الخطر: «انتبه يا يزيد، هناك بيعات تتنافس في الكوفة، أين أنت؟». فتنبه يزيد، وعلم أن النعمان لن يشفي غليله، ولن يقوم بالأمر، لن يتغافل. حينها أرسل إلى والي البصرة، وهو عبيد الله بن زياد، وهو رجل غشوم ظلوم، ليس من عداد الصحابة. أرسل إليه يزيد إلى عبيد الله بن زياد، يأمره: «أنه يجعل ولاية الكوفة تنضم إليه، خذ ولاية الكوفة مع ولاية البصرة، أنت الوالي عليهما، وأما النعمان فيعزل، أعزله من الولاية، وانظر في أمر البيعة التي تتم للحسين». حينها دخل عبيد الله بن زياد إلى بلاد الكوفة، ورأى بنفسه الظاهرة الموجودة، والكل ينتظر مقدم الحسين إلى أرض العراق، وأنه قد هيئوا لأن يكون خليفة. فحينها عبيد الله بن زياد دخل إلى قصر الكوفة، وجمع القوات، وجمع الأمراء، وجمع الوجهاء والأعيان، لأنهم أهل الحل والعقد، أراد أن يجتمع بهم ليعرف ما الذي صار في أرض العراق، في أرض الكوفة خاصة. لما تم الاجتماع، تسرب الخبر إلى مسلم بن عقيل، بأن هذا الوالي الجديد أتى، وأنه ينوي القضاء على دعوته، والقضاء على ما جئت إليه. فحينها أراد مسلم رحمه الله تعالى أن يستغل عنصر المفاجأة، فخرج وحفز من معه إلى الخروج: «الآن سنقوم بالقضاء على هؤلاء». فذهب بجيش كبير، وحاصر قصر الكوفة الذي فيه عبيد الله بن زياد، هذا الوالي الجديد. مسلم خرج بكم؟ خرج بأربعة آلاف، من أهل العراق ممن بايعوه على النصرة. خرج مسلم وحاصر قصر الكوفة، يأمرون عبيد الله بأن يخرج، وأن يسلم الكوفة لهم: «ليس لكم بقاء». عبيد الله بن زياد في قصره، أمر من عنده من الأمراء والأعيان، قال: «نفروا الناس عنا، هذا عليكم الآن، أنتم أهل البلاد، حاولوا أنكم تثبتوا هذه الجموع والحشود عن القصر، أبعدوهم عنا، بما تستطيعون، ترغيبًا، ترهيبًا، خوفوهم، أو رغبوهم». كلهم يعرف أصحابه، فكان الواحد يخرج إلى الشرفة، فينظر: «يا أهل بني فلان»، ينظر فيعرف أصحابه، ما الذي ينفع معهم؟ إن نفع معهم الترغيب، رغب: «ارجعوا، فإني قد كلمت الوالي عنكم، وسيعطيكم، وسيملأ عليكم، ولا ارجعوا، وسيعفو عنكم، ويقوم الآخر، فيجد أصحابه بالمثل، يعرف أنهم يحتاجون إلى الشدة، فيخوفهم: «والله ستأتي مع عسكر الشام، وجند الشام، سيأتون، وسيقضون عليكم، شيء عرام، رام، سيأتي»، فيخوف أتباعه، خرج، وهكذا. كل ما قام رجل، كل ما قام شخص، كل ما قام أمير، كل ما قام شخص من الأعيان، كل حاول أن ينفر هذا الكلام. إخواني في الله، الاجتماع والحشد كان في الظهر، فلا زال العدد يتناقص، يتناقص، يتناقص، من الآلاف المؤلفة إلى المئات، إلى العشارات. ما أتى المغرب إلا ومسلم بن عقيل لوحده في الساحة، لوحده. أين الناس؟ كل من كان معه خذله، حتى أن المرأة كما قيل عنها ما تكون في القصة، تطلع وتجد ابنها مع الحشد، ولا تشبعك: «يلا رح، يلا البيت، والله يظهر، يلا تهدده، فيخاف يرجع، يرجع». كل من نفر خرجوا، أهل العراق وقفلوا الأبواب على أنفسهم، وكأن شيئًا ما صار، وما كان. فبقي مسلم لوحده، حينها علم أنه هالك لا محالة، حتى أنه ما يدري أين يذهب، لأنه غريب، ما يعرف أحد، ما يعرف أحد. أخذ يطرق الأبواب، يطرق الأبواب، وقد غفلت الأبواب دونه، حتى جاء عند امرأة عجوز، استضافته، استضافته. وعلم أنه هالك. قيل أنه في هذا المقام كتب الوصية، كتب وصيته، وكانت عبارة عن الأمر الأول: سداد الدين، الأمر الثاني: عبارة عن الدفن، الأمر الثالث: إخبار الحسين بأن لا يقدم علينا. قيل أنه كتب الوصية في بيته، واجعلها عند المرأة، حتى ترسلها. المهم أنه لما عبيد الله بن زياد فتح أبواب القصر، ما هناك أحد، أرسل الجند والجيوش في البحث عن مسلم بن عقيل، يعني هو الذي أتى بهذه المدلهمة. فلا زال البحث، لا زال البحث، وضعت الجوائز هنا، سال اللعاب على الجوائز. بعض الناس علموا بوجوده في مكان فلان، فتم إرسال الجند إلى هذا البيت، فسحب مسلم رحمه الله تعالى إلى قصر عبيد الله بن زياد. فاعتبه عبيد الله عن فعلته: «هل لك من شيء؟». قيل هنا: القصة التالية، أن هنا أوصى: «أنه نظر في القوم، مسلم بن عقيل، فوجد أحدًا من أصحابه عارفًا، قال: تعال، أريدك بأمر». فأخذه في زاوية، وأوصاه. قيل هنا: أوصى بأنه إن قدر عليه الموت أو القتل، فليذهب إلى الحسين، ويخبره: «لا يقدم على العراق أبدًا». فالحاصل أن مسلم بن عقيل قتل رحمه الله تعالى، أصعد به إلى أعلى القصر، ضربت رأسه، ورميت جثته من فوق القصر. أراد عبيد الله بن زياد الغشوم الجهول أن يكون هذا عبرة، عبرة لمن تسول له نفسه أن يفعل هذه الفعلة. هنا انتهى الموقف حول أرض العراق. نأتي الآن إلى الحسين رضي الله تعالى عنه، الحسين، ما الذي بلغه؟ بلغته الرسالة الأولى، والذي فيها يطلبه مسلم: «أن يأتي». تعرفون الأخبار، ما كان هناك اتصالات، إنما كان البريد، تأتي الرسالة بعد فترة، بعد فترة، تأتي الرسالة. فجاءت الرسالة الأولى، التي فيها أن مسلم أمر الحسين بأن يأتي، فخرج الحسين بأهله وأولاده وذريته، ومن كان معه من آل البيت. هنا إخواني في الله، وقفة أخرى، في موقف الصحابة، الصحابة رضي الله تعالى عنهم، اجتمعت الكلمة، واجتمعت كلمتهم على أنهم يمنعون الحسين من الخروج إلى أرض العراق. فانبرى له ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وأبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهم، وعبد الله بن عمر بن العاص، وجماعات من الصحابة، كلهم اتفقوا: «لا تخرج، لا تخرج يا ابن بيتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا تخرج إلى أين؟ تذهب إلى أين؟». لما قال ابن عباس: «إلى أين؟». قال: «سأذهب إلى أرض العراق». «تذهب إلى قوم قتلوا أخاك، وطعنوا أباك، تذهب إليهم؟». وأبن عمر يقول له، وابن عباس يقول: «والله لو لأن الناس يزرون بي وبك، لوضعت يدي على رأسك، وما جعلتك تذهب». قال: «ما أستطيع فعل هذا، ما يصح، يعيرنا الناس بأننا نفعل هذه الأفعال فيما بيننا». وهكذا ابن عمر قاله: «يا حسين إلى أين؟». قال: «الناس ويخرج له الأوراق والكتب والختومات والبيعات». فقال له ابن عمر: «يا حسين، إن الله إن جبريل نزل من عند الله عز وجل، وخير نبينا بين الدنيا والآخرة، فاختار الآخرة، فالدنيا ليست صائرة إليكم، هل لكم شيء في الدنيا؟ ما لكم شيء في الدنيا، نبيكم جدكم اختار الآخرة، فأنتم لها». فلا يزال النصحة من الصحابة ينصحونه بعدم الخروج، إلا أنه أراد الخروج، ويقضي الله أمرًا كان مفعولًا. خرجا في الطريق، كما قيل: وجد الفرزدق الشاعر، فقال له الحسين: «يا فرزدق من أين جئت؟». قال: «جئت من أهل العراق». قال: «كيف هم؟». قال: «هم لسانهم معك، وسيفهم عليك». تحرك الحسين رضي الله تعالى عنه ومن معه في الطريق. جاءه الخبر، وجاءته الوصية من مسلم بن عقيل، الذي مفادها: «ارجع، ارجع بأهلك، فإن أهل الكوفة قد كذبوك، وكذبوني، وما لكاذب رأي، وما لكاذب رأي، ارجع». ثم علم الحسين بما صار لمسلم من قتله، فبكى، وبكى من معه، لأن مسلم قرابة، وكان في هذه الرحلة هناك أهل لمسلم، أهله وأولاده وأبناءه، قد وجدوا في الرحلة، وبكوا بكاءً شديدًا على ما صار لأبيهم. هنا الحسين رضي الله تعالى عنه علم أن الأمر انتهى، أين سيذهب إلى قوم قد انقلبوا عليه؟ هم بالرجوع. إلا أنه كما في بعض الروايات، إلا أن أهل مسلم قالوا: «كيف نرجع، وأبونا ذهب هدر دمه؟ لا سنذهب، نريد أن نحاسب من الذي قتله، هذا مسألة أخرى، نريد أن نعرف من الذي قتل، حتى نأخذ بالقصاص من أبينا». فهنا الحسين ما أراد أن يتركهم، أن يتركهم وقد تضافروا معه، فأراد أن يمشي معهم. فبينما هم سائرون من أرض العراق، إذ بجيش خرج من أرض العراق، قوامه خمسة آلاف مقاتل، أرسله عبيد الله بن زياد، لكي يحاصر الحسين. قصة طويلة، وما كان من النقاش فيها. فالطلب من الحسين: «أنه يأتي معهم». قال الحسين: «ما سأأتي معكم، سأعطيكم أحد ثلاث، هذه الخيارات الذي عندي». إما أني «أذهب إلى الشام، خلاص أضع يدي في يدي يزيد، هذه المشكلة كلها سأحلها وانتهينا، ما رأي في هذا أمر خير، أصلا ما هناك تحدث، جلب على الناس، أضع يدي في يدي يزيد وانتهى، ويكون هو الخليفة وانتهينا». «أو دعوني أذهب إلى الشام»، «أو أرجع إلى المدينة مسقط رأسي»، «أو دعوني أذهب إلى ثغر من ثغور الإسلام، أي مكان فيه ثغر فيه جهاد، سأمكث هناك، تحت هذا الثغر أقاتل في سبيل الله، حتى تأتيني منيتي». هذه الشروط كانت طبيعية وطيبة جدًا، وهي قابلة للتفاوض، وهي حل جذري للقضية. رجع الرسل إلى عبيد الله بن زياد، وافق أولًا، إلا أنه من جهله، ومن كثرة ما كان من بطانة السوء، غرروا به، قالوا: «لئلا يشمت به، وما ينزل على حكمك، لا ينزل على حكمك، يرجع إليك، يدخل إلى القصر، أنت المستولي عليه، لا يذب لا إلى الشام، ولا إلى ثغر، ولا إلى المدينة، يأتي يأتي إليك». فأعجب بهذا الغشم، فطلب من الرسل: «أن الحسين يأتي إليه، لا يذب لا هنا ولا هنا». حينها أبى الحسين، قال: «أنا آتيك، تمن حتى آتيك، أنت رجل سفاح، قتال، مجرم، أتواطىء لك بأي من الصفة؟». حينها رأى الحسين أن الأمر سيحتد، فحينها وقعت المقتلة، وهي المجزرة بحق. تخيل يعني جماعة يصل تعدادهم إلى سبعين، مع خمسة آلاف، فهذا لا يكون في البال، مهما كانت الشجاعة، فإن الكثرة تغلب، فإن الكثرة تغلب. صحيح بعض القوات من كان في هذا الجيش رجع مع الحسين، بعض القوات رجعوا، حتى استغرب الناس، قالوا: «كيف تأتي معنا للقتال، ثم تكون مع الحسين، كيف هذا؟». قالوا: «يا قوم، يا قوم، أنتم تخيروني بين الجنة والنار، أنا الآن أعقل، تريد أن أقاتل حفيد رسول الله، من هذا الذي يفعل هذا؟ تخيروني بين الجنة والنار، لا والله». فترك السلاح، وضم مع الحسين، مع ثلاثين رجلًا من أصحابه. لكن مهما كان العدد يفوق، فوقع القتال، وقتل كل من كان مع الحسين، أبيدوا، ما بقي إلا الحسين فقط، والقوم بالآلاف يحيطون به. طبعًا الكل يتحاشى أن يبتلى بدم الحسين، يتحاشى، لماذا؟ لأنه يعرفون دم من هذا؟ دم ابن بنت رسول الله عليه الصلاة والسلام، جده رسول الله، رسول الأمة. فالكل يتحاشى أنه يصده بشيء، يحاولون أنه يحاصرونه، يريدون أن يستسلم، يضع السلاح، وهو يأبى، رضي الله تعالى عنه، استمات إلى أن قام ذاكم السفاح المجوسي، وهو شمر من ذي جوشن، واستطاع عن طريق رمح يرميه برمح، فأسقطه، ثم جاء وقتله، وحز رأسه، وحز رأسه مزرع عظيم. وكما قال العلماء: فاجعة، فتم بهذا المقام، بقي النساء والصبيان، أخذوا، فلما أدخل إلى عبيد الله بن زياد الوالي، رأى ذلكم أمر، بإرسال رأس الحسين، والأسرة الباقية من آل البيت، ترسل إلى الشام، عند يزيد بن معاوية. يزيد بن معاوية، لما جاء له برأس الحسين، وعلم بما صار، كما جاء في الروايات: «أنه بكى، بكى، ولعن عبيد الله بن زياد، قال: لعنة الله على عبيد الله بن زياد، والله ما أرضى بهذا، كنت لأرضى دون ذلك». يعني كان ينبغي لما طلب منه الحسين: «أنه يأتي عندي، يتركه، أنا هذا الذي أريد، يأتي عندي وانتهينا، نحن كما قال من الأسرة من قريش، نتفاهم فيما بيننا، نتفاهم فيما بيننا». فقال: «لعنة الله على عبيد الله بن زياد»، أي إظهارًا على أنه ما رضي بفعله هذا. وأما نساء آل البيت الذين وجدوا، أمر يزيد بن معاوية بإكرامهن، والإحسان إليهن، وجعل لهن العزاء، ثم أمر بإرسالهن معززات مكرمات إلى المدينة. وما يأتي في الأخبار من أنه أهانهن، وجعلهن سبايا، فهذا كله كذب وافتراء. هذا آخر هذا إخواني في الله، خلاصة هذه القصة من أولها إلى آخرها، بشيء من الإيجاز والإختصار. وما وقع للحسين رضي الله تعالى عنه، يأتي السؤال ها هنا. أولًا: من الذي قتل الحسين؟ قتل الحسين أولًا الذي أمر بقتله، سواء كان عبيد الله بن زياد، أو من باشر سفك الدم، وهو شمر. أتدرون إخواني في الله مما تنطلي، أو مما يظهر منه العجب، أن تستمع إلى ترجمة هذين الرجلين، الذي قد باشر القتل، من عبيد الله بن زياد، ومن شمر. هذا عبيد الله بن زياد، ذكر الطوسي في كتابه التراجم، على أن عبيد الله بن زياد كان من شيعة علي، كان من شيعة علي. هذا هو بنفسه الوالي الذي أمر بقتل الحسين، هو نفسه من شيعة علي. الثاني وهو شمر، الذي طعن وقتل وحز رأس الحسين، وهو شمر من ذي جوشن، قال عنه شهروذي في كتابه المستدركات: «وكان ممن قاتل مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في صفين»، أي من جماعة علي، من شيعته. عبيد الله بن زياد من الشيعة، وشمر من الشيعة، هؤلاء هم الذين قتلوا الحسين. ونأتي كذلك من الذي جر الحسين إلى هذه المجزرة؟ هم الكوفة، وهم منهم شيعته، بايعوه، وأرسلوا الخطابات والرسل، ثم خذلوه وخانوه وغدروا به، شيعته. ولهذا، إذن السؤال: من الذي قتل الحسين؟ أجاب عن هذا المرتضى، المطهّر الشيعي، قال: «وما قتل الحسين إلا شيعته». الشيعة هم الذين قتلوا. وبهذا إخواني في الله، سيأتي السؤال الذي يحير أهل السنة: «يا روافض، فما علاقة الصحابة بمقتل الحسين؟». الصحابة كما سمعتموهم، مواقفهم من أفضل المواقف، هم الذين منعوا الحسين من الخروج، وأنه في مأمن عندهم، ويعيش في أوساطهم، سيحمونه بدمائهم، وأنفسهم، وأعراضهم. والله ما خذله أحد، بخلاف ما فعله أهل العراق، هؤلاء الصحابة. وانظر إلى موقف النعمان بن بشير الصحابي الجليل، لما رأى البيعة من تحته، غض الطرف، غض الطرف، صيانة وحماية للحسين رضي الله تعالى عنه. هذا هما. لكن انظر لعبيد الله بن زياد الشيعي، ما الذي فعل في الحسين؟ تخيير، فتجد أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كما يقال: ملفهم في هذا الباب أبيض، فهم برآء من دم الحسين، ما تورطوا فيه، ولو بأدنى قطرة. بل كانوا بالعكس، نصحة، بررة، رضي الله تعالى عنهم. ثم بعد ذلكم، أقر الله أعين أهل الحق بالانتقام، انتقم الله، انتقم الله من كل من تورط في هذه المكيدة، بدءًا بعبيد الله بن زياد، ما جلس فترة من الزمن، حتى قام عليه مختار من أبي عبيد، وانقلب عليه، وأمر بقتله، وحز رأسه بالمثل، قطع رأسه. حتى كان العلماء يقولون: «أن رأسه كان يوضع في المسجد، في رحمة، يرمى مهانًا في المسجد». وكان ويقول بعض الرواة: «وكنت دخلت إلى أرض الكوفة، فرأيت رأس عبيد الله بن زياد مرميًا، فكان الناس يقولون: قد جاءت، قد جاءت، قد جاءت، قد جاءت، ما أدري ما الذي جاءت، قال: فأنظف، إذا بحية، بحية تسعى، تأتي من جحر، ثم تأتي وتدخل إلى رأس عبيد الله بن زياد، وتخرج من منخره، ثم تذهب». فما إن لبثت فترة، حتى قال الناس: «قد جاءت، قد جاءت، قد جاءت، قد جاءت». فهي الحية تأتي، وهذه كما قال: تنكيل وإهانة، جعله الله لهذا الرجل الذي غدر بالحسين في الدنيا، فما ظنك بما يكون من أمر الآخرة؟ نسأل الله السلامة والعافية. وأما غيرهم، كما قال علماء: منهم من أصيب بجنون، ومنهم من قتل، وهكذا عاقب الله. وأما أهل الكوفة، فقد أقر الله أعيننا بالانتقام منهم، إلى هذه الأزمان، فما يفعلونه في أنفسهم من الضرب، وسلخ أنفسهم بالسيوف والسلاسل، نرتاح، نقول: «نعم، هذا انتقام للحسين، لما فعلتموه يا أهل العراق، ويا أهل الشيعة به، هذا انتقام الله المعجل». فليتفطن أهل الأبصار بهذا الكلام. الشاهد إخواني، لا أطيل المقام، وقد أطلت، لكن هذه الملاحظة، ولفتة إلى أن المسلم ينبغي أن يتأمل في هذه الحقائق. لكننا في زمن كما يقال: «اكذب واكذب واكذب، حتى يصدقك الناس». هذا الذي صار، أصبح الناس يقولون: «نعم، أهل السنة قد تورطوا». وإذا سألتم: «أين وجه التورط؟» ما أجاب. أفتحوا الآن كما يقال، ولو فتحت الحسينيات الآن، ستسمع السب، وستسمع الشتم على أبي بكر، وعلى عمر، وعلى الصحب. ما علاقة الصحابة يا قوم؟ إن كان من لعن، إلعنوا أنفسكم، إلعنوا آباءكم وأجدادكم، هم الذين خذلوا الحسين رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فالشاهد إخواني في الله، ففي هذا اليوم، وهو اليوم العاشر من محرم، من عام واحد وستين من الهجرة، وقعت فاجعة من فواجع الإسلام، وهو مقتل الحسين، والذي يعتقده أهل السنة: «أن الحسين قتل مظلومًا، شهيدًا، رضي الله تعالى عنه». وأن أهل الحق، وأهل السنة، والصحب الكرام، برآء من دمه، ما تورطوا فيه، لا في قليل، ولا في كثير. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.