مسائل في شهر محرم وعاشوراء 4

مسائل في شهر محرم وعاشوراء 4

الدرس في مسائل في شهر محرم وعاشوراء 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أهمية يوم عاشوراء وتاريخ صيامه

يوم عاشوراء يوم عظيم تعظمه الأمم، وكان صيامه مفروضًا ثم نسخ حكمه وأصبح مستحبًا. يُستحب صيامه لأنه قربة يتقرب بها العبد إلى ربه.

فوائد صيام النوافل وترغيب الأهل والأولاد

النوافل تكمل الفرائض وتغطي التقصير فيها، وينبغي ترغيب الأهل والأولاد في صيام عاشوراء. تحفيزهم على الصيام منذ الصغر يعلمهم حب الطاعة.

فضل صيام عاشوراء وتكفير الذنوب

صيام يوم عاشوراء يكفر ذنوب سنة كاملة، وتكفير الذنوب يشمل الصغائر. الكبائر تحتاج إلى توبة، وأجر الصوم يتحول إلى حسنات ورفع درجات إذا لم يكن للإنسان صغائر.

خاتمة الدرس والدعاء

المقطع الأخير يتضمن دعاءً بأن ينفع الله المستمعين ويجعلهم من أهل الهداية. يُختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، لا زلنا -إخواني في الله- في هذه المقامات نتذاكر وإياكم أهم المسائل المتعلقة بشهر الله الحرام -محرم- بشكل عام، وما يتعلق بيوم عاشوراء. ومما أذكره -إخواني في الله- في مسائل وأحكام عاشوراء عدة مسائل. أولاها ما تمت الإشارة إليه سلفًا من أن هذا اليوم يوم عاشوراء، وهو العاشر من شهر الله المحرم، يعد من الأيام العظيمة. ولهذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم يتحراها ما لا يتحرى غيرها من الأيام. ومن العجيب في هذا الباب أن هذا التعظيم ليس فقط من جهة أهل الإسلام، بل إن الأمم والملل كذلك تتفق على تعظيم هذا اليوم بالذات. فقد مر معنا كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان في مكة، نقلت عائشة أن أهل الجاهلية -وهم كفار قريش- كانوا يصومون عاشوراء. وعندما ذهب نبينا صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وجد اليهود كذلك يصومون عاشوراء. بل جاء في صحيح مسلم أن الصحابة قالوا: يا رسول الله، إن اليهود والنصارى يعظمونه. فتخيل هذا اليوم الذي تداعت له الملل وأهل الكتاب إلى تعظيمه وتوقيره، فأهل الإسلام يعظمونه، والنصارى يعظمونه، واليهود يعظمونه، وهكذا كان أهل الجاهلية. فدل على أن هذا اليوم -من خلال هذا المنظار- سنعلم أن الله عز وجل جعل له شأنًا، فينبغي نحن كذلك أن نعطي لهذا اليوم قدره وحقه من الإجلال والإعظام. المسألة الثانية المتعلقة بيوم عاشوراء -إخواني في الله- أن هذا اليوم كان من عناية الشرع، فيه أن الله سبحانه وتعالى جعله يومًا يفرض فيه الصيام، وذلك قبل أن يحل عليهم رمضان، ثم نسخ هذا الحكم بعدما اختير كيوم تقام فيه فريضة الصيام. فأصبح هذا اليوم من الأمور المستحبة، كما جاء في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله تعالى عنه، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إن يوم عاشوراء يوم من أيام الله، فمن شاء صامه ومن شاء تركه». فهذا الحديث دل على أن عاشوراء ليس من الفرائض، وإنما أراد نبينا بهذا الإخبار أن يزيل الحكم السابق، حيث كان عاشوراء فرضًا عليهم. فحينها أبان نبينا أنه لا فرض بعد اليوم، وأن عاشوراء مستحب، من شاء صام ومن شاء ترك. لكن ليس معنى هذا الكلام -إخواني في الله- أن يقابل الناس هذا اليوم بالتهوين وعدم المبالاة. بعض الناس عندما تذكر له أن هذا العمل أو ذاك القول أو هذه العبادة أنها مستحبة، أو مندوبة، أو سنة، ويكأنك تقول له بأنها مباحة. لأنه سرعان ما يحكم على هذا الفعل بالترك. إما واجب أو لا يأمر، أما إذا قلت سنة يتركها، مستحبة يتركها، تقول مندوبة يتركها. يا عبد الله، أنا أقول لك مستحبة، حيث معنى مباحة. مستحبة، مندوبة، سنة، بمعنى أنها قربة تتقرب بها إلى ربك جل وعلا. والله عز وجل يحب من عباده المتقربين، كما جاء في حديث البخاري، حديث أبي هريرة، الذي قال فيه نبينا صلى الله عليه وسلم: «قال الله: وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه». فهذه النافلة -فإنك عندما تخوض في غمارها- اعلم أنك تزداد من الله قربًا. وأيضًا من فوائد النوافل -يا عبد الله- أنها تكمل الفرائض، كما جاء في الحديث القدسي: يقول الله جل وعلا في حق عبده إذا قصر في الفرائض: «انظروا لعبدي هل له من تطوع؟» أنت تقصر في الصلوات المكتوبة تارة بالنسيان، بالترك تارة، بالغفلة، بعدم الخشوع والاستحضار تارة، بالتأخر. ناهيك عما يقع من زلات وهنات في صلاة الفريضة. لكن لما تكون عندك نوافل، سنن قبلية، سنن بعدية، رواتب، فهذه تغطي عما يقع من التقصير في الفرائض. وهكذا قل -يا عبد الله- في حق هذه الشعيرة، شعيرة الصيام. أنت تصوم رمضان، لكن ربما رمضان وقع فيه من جهتك التقصير والتفريط. فهنا يقول الله: «انظروا لعبدي هل له من تطوع؟» لك الاثنين والخميس، لك الأيام البيض، لك عرفة، لك عاشوراء، لك أيام الحجة. تجمع هذه النوافل فتسد بها الخلل الذي وقع في الفرائض. فينبغي -إخواني في الله- أن الإنسان إذا ذكرت له كلمة سنة ومستحبة أن يسارع إليها، لا أنه يتهاون فيها. الأمر الثالث، المسألة الثالثة في هذا المقام من مسائل عاشوراء، أن نعلم -إخواني في الله- أن الإنسان في هذا المضمار، كما أنه يدعو نفسه إلى أنه يتقرب إلى الله في هذا اليوم بالطاعة والعبادة، كذلك عليه أن يشرك غيره، يشرك غيره، وخاصة منهم تحت يده من أهله وأزواجه وقرابته وأرحامه ومن يستطيع. فإن من دل على هدى فله أجره وأجر من عمل به. ولو أن الأمر أو الحث أو الترغيب شمل الصغار، ولو شمل الصغار إذا كانوا يطيقون فلا بأس. وقد ثبت في الصحيحين من حديث الربيع بنت معوذ أنهم كانوا يصومون عاشوراء، وكانوا يصومون الصبيان، وكانوا يخرجونهم إلى المسجد، فإذا بكى أحدهم -أي لما يجد من ألم الجوع ويقاسي من مرارة الضنى- دفعوا له اللعبة من العهن، فيلعب بها ويتلهى بها حتى يأتي المغرب. فكانوا يحتالون على أولادهم بأن يعوّدوهم على شعيرة الصيام، وهذا اليوم بالذات عاشوراء. فالإنسان -إخواني فينا- يسرع في هذا الباب، فيذهب إلى أهله وأولاده ويخبرهم ويبشرهم بيوم عاشوراء، يوم فاضل معظم مشرف، فينبغي أن نحرص على صيامه. ويقول لأولاده: إن شاء الله استعدوا ليوم غد. ويحفزهم، إذا كان السلف كانوا يحفزون أولادهم باللعب، فيتسلّى بها الواحد. وأنت كذلك حثهم بالأموال، وخاصة أننا في هذه الأجيال أصبح الأولاد والعيال يميلون للمال. فلا بأس لمن يصوم غدًا أن يعطيه خمسمائة ريال. هذا ما سيبقى المصروف اليومي. بالله عليك، أبي يقول بدون أيمان خمسمائة. هذا مطروح، الذي يصوم يأخذ خمسمائة، أعطي ألف إذا وسع الله عليه. لكن تخيل -عبد الله- هذه التربية، أن الطفل ينشأ على حب الطاعة، على حب الصيام. فإذا كان هذا في حق النفل، كيف سيكون في حق الفريضة؟ رمضان سيستسهل الأمر. فالشاهد -إخواني في الله- أن هذا اليوم ينبغي أن تتضافر فيه الجهود إلى التقرب إلى الله، وإنما نحن ندعو الجميع إلى ذلكم، لأن المجتمع متى ما أقبل على ربه عم الخير، ليس لي ولك بل للجميع. ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء، لكن أهل القرى الكل. ولهذا دائمًا في مثل هذه المناسبات نحث الجميع، نحث الجميع الصغير والكبير والذكر والأنثى أن نسير على هذا الخير، وخاصة في مثل هذه المناسبات. المسألة الرابعة والأخيرة من مسائل عاشوراء -إخواني في الله- أن الله سبحانه وتعالى خص هذا اليوم بمزية، وذلك أن صوم هذا اليوم يعطيك -يا عبد الله- أجر تكفير سنة، كما ثبت في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام في صيام يوم عاشوراء: «أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله». تخيل -يا عبد الله- واستشعر لهذا الحديث العظيم، يوم واحد تصومه -يا عبد الله- جزاؤه ثوابه ذنوب سنة ماضية يكفرها الله لك. هذا فضل ربما ما وجدته اليهود في شريعتهم، ولا النصارى في ملتهم، وإنما نحن وجدنا هذا في ديننا. وهذه من رفعة أهل الإسلام عند ربنا المتعال جل في علاه، أن خص لنا بهذه الفضائل العظام. وجاء كذلك في لفظة أخرى، قال عليه الصلاة والسلام: «صوم يوم عرفة أو صوم يوم عاشوراء يغفر الله ذنوب سنة كاملة، بما فيها من عثراتها وآفاتها وسقطاتها». يا عبد الله تغفر لك. وهنا مسألة أشير إليها إشارة سريعة إلى مسألة التكفير، أي تكفير الذنوب. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: تكفير الطهارة والصلاة وصيام رمضان ويوم عرفة وعاشوراء، قال: إنما يكون للصغائر، أي صغائر الذنوب. هذه عموم التكفير. أما الكبائر لا، الكبائر قوية، الكبائر كبيرة تحتاج إلى ماذا؟ إلى توبة، تحتاج إلى توبة. بخلاف الصغائر، بخلاف الصغائر، حتى لو لم تحدث لها توبة، بكثرة الأعمال الصالحة يزيلها الله من صحيفة أعمالك، من صحيفة السيئات يزيلها الله. الصغائر بدون توبة، فقط أقبل على الله بكثرة الأعمال، أقبل على الله بكثرة الأعمال، ومنها هذه الأعمال يكفر الله ما مضى. أما الكبيرة لا، فإن لها وقفة، فهي تحتاج إلى توبة فيما بينك وبين الله، وإرجاع المظالم إذا كان فيما بينك وبين العباد. المسألة الثانية: ما لو أن الإنسان ليست له صغائر لسنة، ما عنده صغائر، قد يكون هناك رجل عابد زاهد تقي، فرغ نفسه لله في المسجد، أو آخر رجل لربما طريح الفراش، طريح الفراش ليس مع الناس، ولا الناس معه، لا يتكلم ولا شيء، يحرص على الصلاة وهو في مكانه. هذا من أين تأتيه الصغائر؟ يقول: ما عندي صغائر، الحمد لله. طيب إذا صام عاشوراء، ما الذي عسى أجر هذا اليوم يذهب؟ فقال العلماء: أنه من لم يكن له ذنوب صغائر للسنة الماضية، فإن هذا الأجر يحول إلى حسنات، يحوله الله إلى حسنات. الأصل أجر الصوم يذهب تكفيرًا للسيئات، ما وجد سيئات، لن يضيع الله عملك -يا عبد الله- سيحول الله أجرك إلى حسنات، وإلى رفع الدرجات عند الله سبحانه وتعالى. بمعنى أنك لن تعدم من خير. والحالة الثانية، وهي قال العلماء: وهي إذا كان الإنسان عنده كبائر، قال كما أشار إلى ذلك النووي رحمه الله تعالى: قال: فإن كانت عنده كبائر فقط، ما عنده صغائر، عنده كبيرة، قال: فإن كانت عنده كبيرة أو كبائر، قال: رجونا أن تخفف عنه. رجونا أن تخفف، أم أن تزيل كما قلنا لا يمكن الإزالة، لأن الكبائر تحتاج إلى توبة. لكن نسأل الله من جوده وفضله على عباده أن الإنسان بصوم عاشوراء، إذا لم تكن له سابقة صغائر، وإنما وقع وتورط في كبيرة أو كبائر، رجونا من الله أن الله يخفف من ذنب هذه الكبيرة. فيا عبد الله، هذه الفضائل ستأتيها وتجنيها إن فرغت نفسك لصيام يوم غد، ألا وهو يوم عاشوراء. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.