مسائل في شهر محرم وعاشوراء 2

مسائل في شهر محرم وعاشوراء 2

الدرس في مسائل في شهر محرم وعاشوراء 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

فضل شهر المحرم ويوم عاشوراء

شهر المحرم من الأشهر الحرم التي حرم الله فيها الظلم، ويوم عاشوراء يوم عظيم كان النبي يصومه. كان النبي يخص شهر المحرم بالصيام لفضله.

مراحل صيام عاشوراء عبر التاريخ

صيام عاشوراء مر بمراحل، بدأ فرضاً في مكة ثم أصبح مستحباً بعد فرض رمضان، وأخيراً نوى النبي صيام التاسع معه. كان النبي يتحرى صيامه لفضله.

حكم صيام يوم عاشوراء ومخالفة اليهود

استحب الجمهور صيام التاسع مع العاشر لمخالفة اليهود، ويجوز صوم عاشوراء وحده. يمكن صيام الحادي عشر مع العاشر لعذر شرعي.

ختام الدرس والدعاء

المقطع الأخير يتضمن الدعاء بأن ينفع الله بما قيل، والصلاة على النبي وآله وصحبه. يُظهر الرغبة في نيل رضا الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، إخواني في الله، في درس الظهر كان الحديث عن فضيلة هذا الشهر الذي نحن وإياكم نتقلب فيه، ألا وهو شهر الله المحرم. وأشرنا إلى فضيلة هذا الشهر، كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخصه بالصيام بل والإكثار منه. وأشرنا كذلك إلى ما يتعلق بفضيلة هذا الشهر من أن الله جل وعلا نسبه إليه، وهو شهر الله، وأشرنا إلى ما في فائدة هذه الإضافة من تشريف. وأشرنا إلى العلة التي ذكرها العلماء بهذا الصدد، وذكرنا أن من فضائل هذا الشهر أنه معدود من الأشهر الحرم، والذي يعد من أعظم الأشهر عند الله جل وعلا. وكيف أن الله عز وجل حرم فيه القتال؟ وأيضا مما يذكر من مزايا الأشهر الحرم أن الله سبحانه وتعالى حرم الظلم فيه، فلا تظلموا فيهن أنفسكم، فالظلم حرام على الدوام، إلا أنه في هذه الأيام أشد حرمة. فلا ينبغي للإنسان أن يقدم على الذنوب وعلى الموبيقات والمعاصي والجرائم والمحرمات، إذ أن جرمها وأن إثمها أعظم وزرا، كما ثبت ذلك عن جماعة من السلف. ولهذا، إخواني في الله، فمن الجهل العظيم ما نراه من كثير من المسلمين أنهم لا يرفعوا رأسا بهذا الشهر الكريم، يدخل عليهم شهر الله المحرم دخولا وخروجا وهم لم يرفعوا له رأسا ولم يلقوا له بالا، وهي من الأشهر العظيمة التي تتضاعف فيه الأجور والحسنات، والتي خصها نبينا صلى الله عليه وسلم بمحاسن الأعمال الصالحات. وإن مما يذكر كذلكم، إخواني في الله، مما خص به هذا الشهر المفضال، ما كان من يوم عاشوراء، وهو اليوم العاشر من هذا الشهر الجاري. وقد كان من عبارات السلف، كما ثبت عن أبي عثمان النهدي رحمه الله تعالى، أنهم كانوا يفضلون أو يعظمون ثلاث عشرات: العشر الأول من ذي الحجة، والعشر الأول من شهر الله المحرم، والعشر الأول من رمضان، هذه العشرات الثلاث كان السلف يعظمونها، وذلك لتعظيم الشرع لها. العشر الأول من شهر الله المحرم، وخصيصا وخصوصا اليوم العاشر، اليوم العاشر، إخواني في الله، هو يوم عاشوراء، يوم إن كان شهر الله المحرم قد أولى له نبينا صلى الله عليه وسلم مزيد عناية، إلا أنه في هذا اليوم بالذات كان أشد عناية. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى صيام يوم كهذا اليوم، أي يوم عاشوراء، كان يتحرى، أي بالصيام. ولهذا كان من شأن بعض السلف من الصحابة والتابعين أنهم لربما صاموا هذا اليوم، حتى وهم في حال السفر، ما كانوا يفطرون فيه، لأنهم كما قال بعضهم: إن رمضان له عدة من أيام أخر، أما عاشوراء فليس له قضاء. ولهذا كان بعض السلف إذا وافى سفره في يوم عاشوراء كان يصوم، لأن هذا اليوم ليس له قضاء. فالشاهد، إخواني في الله، معنا مزيد حديث عن فضائل صيام عاشوراء، مسألة مهمة، إخواني في الله، وهي في متابعة مراحل عاشوراء عند أهل الإسلام. هذا اليوم، إخواني في الله، كانت له مع المسلمين مراحل متتابعة. أوائل هذه المراحل ما وجده نبينا صلى الله عليه وسلم في مكة حينما كان مع قريش، حيث أن النبي صلى الله عليه وسلم وجد أهل قريش كانوا يصومون عاشوراء، كما ثبت ذلك من حديث عائشة. وقد يقول قائل: وكيف علمت قريش بأمر عاشوراء؟ قريش، إخواني في الله، نظرا لسيادتها الدينية ونظرا لعلاقتها ببعض الديانات كالديانة اليهودية، بل تعلمون أن قريش كانت ترجع في أحكامها إلى الرهبان من اليهود. فقريش كانت تحتك بغيرها من الحضارات والديانات، وكان مما وصلهم ما يتعلق مثلاً بمناسك الحج، فكانوا يحجون على ما بقي من بقايا دين إبراهيم الخليل. وهكذا من احتكاكهم ما عرفوه وعلموه من عاشوراء، فكانوا يصومونه. قالت عائشة: فصامه عليه الصلاة والسلام، صامه في نفسه، ما ألزم به أحدا. ثم المرحلة الثانية، عندما هاجر نبينا صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وجد اليهود يصومون عاشوراء، وكانوا يعظمون هذا اليوم تعظيما شديدا، وكان عندهم يوما معظماً. حينها، هذه المرحلة الثانية، صام نبينا صلى الله عليه وسلم عاشوراء وأمر غيره بصيامه، أمر الغير بالصيام، وكان هذا الأمر أمر فرض، أمر وجوب، إذ لم يكن قد فرض رمضان حينها، فألزم المسلمون بصيام عاشوراء كفريضة، وألزم منهم من لم يأكل أن يمسك باقي يومه. فكانت هذه المرحلة الثانية إلى أن جاءت المرحلة الثالثة، وهي أن الله سبحانه وتعالى فرض رمضان، وكان هذا في السنة الثانية من الهجرة، نزل شهر رمضان على أنه شهر الصيام، وألزم به أهل الإسلام. فلما فرض عليهم رمضان، نسخ صيام عاشوراء، فأصبح عاشوراء صياما مستحبا. ولهذا قال العلماء: إن عاشوراء ما فرض على المسلمين إلا سنة واحدة فقط، إلا سنة واحدة فقط، ونقل على هذا الإجماع. فسنة واحدة فرض عاشوراء كفريضة ملزمة على المسلمين والمسلمات. فلما جاء رمضان نسخ عاشوراء فأصبح مستحبا. المرحلة الثالثة، أما المرحلة الرابعة من مسألة عاشوراء، أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد المخالفة، المخالفة لليهود، ما أحب عليه الصلاة والسلام أن نبقى مع اليهود في خندق واحد في باب العبادة والتعبد، هم يصومون ونحن نصوم في يوم واحد، ما أحب نبينا صلى الله عليه وسلم ذلك، وذلك في أن نوافقهم فيما هم فيه. فحينها عزم نبينا صلى الله عليه وسلم على المخالفة، فقال: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع»، أي أنه لن يكتفي بصيام عاشوراء فقط، وإنما سيضيف مع عاشوراء صوم تاسوعاء، وهو التاسع من شهر الله المحرم. وهذا مثاله في الواقع المعاصر، يعني يوم غد بإذن الله، وهو اليوم التاسع، وبعده اليوم العاشر. فعزم نبينا صلى الله عليه وسلم ونوى وأراد، إذا أطال الله في الأعمار، أن النبي سيصوم العاشر وقبل ذلك يصوم التاسع. لكن الأمر كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: فتوفي النبي صلى الله عليه وسلم، أي أن الله قبض روحه قبل أن يدرك ما عزم عليه صلى الله عليه وسلم. ولهذا، مذهب الجمهور من أهل العلم على استحباب صيام التاسع مع العاشر، فهي من الأمور المستحبة. فالإنسان، إخواني في الله، يحرص على هذا. طيب، تأتي مسائل، ما لو أن إنسانا أراد أن يكتفي بصوم عاشوراء فقط، هل هذا يضره؟ الصحيح من أقوال أهل العلم أن هذا كاف، أن هذا كاف، لو اكتفى بالعاشر. نعم، ذهب جماعة من أهل العلم إلى كراهة الإفراد، إلى أنه يكره أن يفرد عاشوراء. لكن هذا ليس بصحيح، هذا ليس بصحيح، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ ردحا من الزمن وهو يكتفي بصوم عاشوراء، فدل ذلكم على الجواز، وأن صوم اليوم التاسع مستحب، ومن اقتصر على عاشوراء لوحده كفى، أن هذا يكفي. تأتي مسألة ثانية، ما يقوله بعض الفقهاء من استحباب أن تصوم عاشوراء مع يوم قبله ومع يوم بعده، يقال: نعم، هذا قال به جماعة من أهل العلم، إلا أن الحديث الذي يدار في هذا المقام هو حديث معل، حديث معل، والذي ثبت في الصحيح كما في صحيح مسلم، هذا الذي ثبت وصح عن رسول الله أنه هم على صيام التاسع فقط، هذا هو الصحيح. ومن اكتفى بالتاسع مع العاشر، فقد أتى بالسنة المرضية التي أرادها نبينا صلى الله عليه وسلم. أما الحادي عشر، فلم يثبت فيه حديث دليل صحيح بخصوص، إلا في مسألة واحدة، وهي ما لو أن إنسانا أراد أن يصوم التاسع مع العاشر، إلا أنه ما استطاع على التاسع، جاءه ظرف، جاءه أمر حالا بينه وبين صيام التاسع، فوافى صيام العاشر، فأحب أن يحدث فرقا بينه وبين اليهود، فأراد أن يصوم الحادي عشر، هنا نعم، أجاز أهل العلم هذه المسألة. نعم، يمكن أنك تستبدل عن التاسع لعدم قدرتك بهذا القيد، لعدم قدرتك على صيام التاسع، فلك أن تصوم الحادي عشر، لماذا؟ لقصد المخالفة، ولأن النبي أراد هذا المبتغى، المخالفة، فصام التاسع. فحينئذ، نعم، قد تذكر هذه المسألة، وتصوب على هذا المنحى في حق من لم يستطع أن يصوم التاسع لمرض أو لعذر ألم به، ثم صام العاشر وأحب المخالفة فصام الحادي عشر، حينها نرجو له ماذا؟ أنه وافق السنة. فالحاصل، إخواني في الله، هذه المسائل نذكرها في هذا الباب، إشارة لما سنأتي عليه بإذن الله من هذه الأيام الفاضلة. غدا هو اليوم التاسع، وهو تاسوعاء، وبعد غد اليوم العاشر، وهو عاشوراء، فينبغي إخواني في الله أننا نشد الهمم في هذه الأيام المعدودات، في أن نتقرب إلى الله جل وعلا في مثل هذه الأيام القلائل. فما ظنك يا عبد الله بيوم واحد، وهو يوم عاشوراء، لا أقول يوما وإنما هو دون ذلك، من الفجر إلى المغرب تصوم هذه الساعات، فإذا بها يأتيك من ربك جل وعلا ما لا يخطر على بال، من تكفير ذنوب سنة، سنة كاملة، كما سيأتي معنا في بابه في ذكر فضائل هذا اليوم الأغر. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.