الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 480، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول هذا الفصل قصة رجل أقر بزنا مع امرأة وحديث النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الشأن، مشيرا إلى أن جميع من حدوا في عهده كانوا عن طريق الاعتراف. كما يبين أهمية حياة قلوبهم وحرصهم على التوبة.
يشرح هذا الفصل قصة المرأة الغامدية وتوبتها العظيمة، ويبين أهمية التوبة والحدود في الإسلام وكيفية تطبيقها، مع التركيز على عظيم رحمة الله تعالى.
يتناول هذا الفصل أهمية عدم البحث في قضايا الزنا دون بينة واضحة وتجنب إقامة الحد دون شهود أو إقرار صريح، مستشهدا بقصة رجل زعم زنا زوجته.
يتم في هذا الفصل التأكيد على الاكتفاء بما تمت مناقشته من مسائل مستخرجة من الحديث، مع الإشارة إلى أن الله تعالى أعلم.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل ابن هاد الوادعي رحمه الله: قال أبو داود رحمه الله تعالى: أبو داود، كما قلنا، سليمان بن الأشعث بن بشير السنجستاني، أبو داود البغدادي، أنا أصله سنجستاني لكنه سكن بغداد. قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، وهو عثمان بن محمد بن إبراهيم بن المغيرة، أو ابن إبراهيم العبسي، وابن إبراهيم هذا هو أبو الشيبة، وهو متروك الحديث. أبو الشيبة جد عثمان وعبد الله. أن عثمان آذى أخوه عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الإمام الحافظ الكبير أبو بكر، صاحب كتاب المصنف والمسند. ولهم أيضا أخ ثالث يقال له القاسم، وهو ضعيف في الحفظ. وعثمان ثقة، إلا أنه كان يخطئ في الحديث ويلحن حتى يقال أنه يلحن حتى في القرآن. قال: حدثنا طلق بن غنام، وهو كوفي ثقة. والظاهر أنه ابن عم الفضل بن موسى السيناني. قال: حدثنا عبد السلام بن حفص. لا، ليس ابن عم هذا طلق بن غنام كوفي، والفضل بن موسى شامي. وإنما الفضل بن موسى ابن عم لوزاعي، أبو عمر الأوزاعي الإمام. قال: حدثنا عبد السلام بن حفص، وهو أيضا كوفي. وثقه ابن معين، وجهله أبو حاتم. أبو حاتم قال: إنه مجهول، لكن وثقه ابن معين. لهذا الشيخ نذكره لتوثيق ابن معين له. قال: حدثنا عبد السلام بن حفص، قال: حدثنا أبو حازم، وهو سلمة بن دينار المدني، عن سعد بن سلمة، عن النبي عليه الصلاة والسلام، أن رجلا أتاه فأقر عنده أنه زنى بامرأة سماها له. فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المرأة فسألها عن ذلك، فأنكرت أن تكون زنت. فجلده الحد وتركها. قال: هذا حديث حسن. وسبحان الله، تجد أن كل الذين حدوا في عهد النبي عليه الصلاة والسلام في الزنا كلهم عن اعتراف، ليس أحد فيهم عن شهادة. أنا ليس هناك من شهد عليه بالزنى في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما كلهم عن اعتراف. وهذا يدل على حياة قلوبهم، أي قلوبهم لازالت حية. فإذا اكتوت بنار المعصية علمت أنها في ضيق، فلا يوسع هذا الضيق عنها إلا اللجوء إلى الله والاعتراف بالذنب. وقلوبهم كما قال مورق العجلي: كان فيمن كان قبلنا، كانت قلوبهم مثل ما قال الله عز وجل: ﴿ضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه﴾. من قلوب أهل الإيمان هكذا، مثل الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، الله عز وجل وصفهم بهذا الوصف: ﴿ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه﴾. لا مهرب من الله، وهكذا قلوب المؤمنين. فإن عاصت، فإن خالفت أمر الله عز وجل أو أمر رسوله صلى الله عليه وسلم، تجد أنها لا مهرب لها، وإنما تلجأ وتهرب إلى الله. ﴿ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين﴾. فكانوا يفرون إلى الله ويتوبون ويظهرون توبتهم. حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام في الغامدية: «إنها تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له». لو تابها صاحب مكس لغفر له. وجاء في رواية أخرى في الصحيح: «لو وزعت على المدينة لكفتها». وقوله صلى الله عليه وسلم: «لو تابها صاحب مكس»، صاحب مكس هو الذي يأخذ العشور على الناس، ويأخذ الأموال بالباطل على الناس. فلا شك أن هذا مدين للناس، وأموال الناس عنده، وغالبا لا يغفر له. لكن قال: «فإنها تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له». وهذا لتوبتها العظيمة. فلهذا تجد أن أكثر من حصل، بل لم يأت في عهد النبي عليه الصلاة والسلام شهادة على الزنا، وإنما إقرار. الماعز والغامدية أقرت، وكذلك أيضا غيرهما. فإنهم كانوا يقرون لحياة قلوبهم، فيلجأون إلى الله، ولا يرون شيئا يطهرهم إلا التوبة. ولهذا قالت الغامدية رضي الله عنها: قالت: «يا رسول الله، إني حبلى من الزنا، فطهرني». فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: «اذهبي فارضعي ولدك، فإذا أرضعته فأتيني». فأرضعته، ثم جاءت به، ومعه كسرة من الخبز، معنى أنها قد فطمته، وهو يأكل. فقال لها: «اذهبي حتى أواحضنيه». فقال الرجل: «يا رسول الله، علي تربيته». فأقام عليها الحد عليه الصلاة والسلام. لكن هذه المرأة صبرت، معنى رضاعه سنتين، وهي ترضع هذا الولد، وهي لا زالت تريد أن تطهر من هذا الذنب. فلو أنها سترت نفسها وتابت إلى الله، لما كان عليها شيء. لكن أرادت أنها تتطهر في الدنيا، لأن التوبة قد يتوب الإنسان، لكن يرجع إلى الذنب. لكن إذا تطهر من الحد، فإنه يكفر الله عز وجل عنه هذا الحد، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عباد بن الصامت: قال: «أن النبي عليه الصلاة والسلام بعدما بايعهم قال: من اقترف شيئا في هذه الحياة من هذه الأمور فحد، فإنها تكون كفارة له». فإنها تكون كفارة له، يعني إذا حد أقيم عليه الحد، فالحد يعتبر كفارة. فكان حد القتل الإيقتصاص أو الدية، أو كذلك حد السرقة القطع، أو كذلك حد الزنا، إن كان ثيبا الرجم، وإن كان بكرا يكون جلد مئة. فلهذا فكان الصحابة رضي الله عنهم من حصل منه شيء من هذا الباب، فإنه يذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام حتى يطهره مما أصاب. أيضا في هذا الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام أقام الحد على الرجل، ولم يقم الحد على الأنثى، أو لم يقم الحد على المرأة، لأنها لم تعترف. ولأن الحد هذا فيه اعتراف، ليس فيه شهادة. لكن لو كانت فيه شهادة، لأقام عليها الحد. لكن لأن الرجل هو الذي اعترف، فلهذا أقام عليه الحد، ولم يقمه على المرأة، لأنها أنكرت. ولهذا جاء في الصحيحين بحديث أبي هريرة ومحمد بن مسلمة: أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أحدهما أفقه من الآخر. فقال أحدهما: «يا رسول الله، إن هذا زنى بامرأة، أو إن ابن هذا زنى بامرأة». فقال الرجل، وكان أفقه من صاحبه: «يا رسول الله، إن ابني كان عسيفا على هذا»، عسيفا معنى أجيرا، أجره في عمل في بيته. قال: «فزنى بامرأته، فسألت أهل العلم، فقالوا: على ابنك مئة جلدة». قال: «فافتديت بمالي». أنا سأعطي مالا على هذا الجلد، يقول للنبي عليه الصلاة والسلام. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أما المال فرد عليك، وعلى ابنك مئة جلدة وتغريب عام». ثم قال لرجل يقال له أنيس: «واذهب يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها». أنا لم يكتف بإقرار زوجها، لم يكتف النبي عليه الصلاة والسلام بإقرار زوجها، بل قال لأنيس: «اذهب فإن اعترفت فارجمها»، معنى إذا لم تعترف لا ترجمها. فالنبي عليه الصلاة والسلام هنا لم - كما قلنا - يأخذ شهادة زوجها، معنى زوجها أقر بأنها زنت. فقال: «إن ابن هذا زنى بامرأتي»، بل صرح - كما أقصد - صرح بأنها زنت. لكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأخذ شهادته، لأنه واحد، وإنما قال لهذا الرجل، وهو أنيس: «اذهب إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها»، أي إن اعترفت بالزنا فارجمها. فدل على أن الرجل أو المرأة، حتى الغامدية لما اعترفت بالزنا، لم يسألها النبي صلى الله عليه وسلم من الذي زنى بك، بل سكت. وكذلك ماعز لما جاءه، لما جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، اعترف بالزنا، فإنه لم يسأله من هذه المرأة التي زنيت بها. وكذلك هنا، إنما سأل النبي صلى الله عليه وسلم، أرسل من يسألها، لأن الرجل دل عليها. كأن الرجل دل عليها، أنه سمى هذه المرأة، سماها له، كما قال هنا: فأقر عنده أنه زنى بامرأة سماها له. فأنا قال للنبي عليه الصلاة والسلام: «إني زنيت بامرأة فلان، أو بابنة فلان». فلما سماها، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إليها، أو إلى هذه المرأة، فسألها عن ذلك، فأنكرت أن تكون زنت. قال: فجلده الحد وتركها. فدل على أن مثل هذه القضايا لا ينبغي للإنسان أن يبحث عنها ويسأل، وخاصة أن أقصد القاضي، إذا جاءه من يعترف في جريمة، فلا ينبغي له أن يبحث عن من فعل معه هذا، هذه الفاحشة أو هذه الزنا. وإنما يأخذ من اعترف، لأن ذاك يحتاج إلى شهود وإقرار مثلا، أو تصريح. هذا الرجل أنه زنى بتلك المرأة، لا يحق للقاضي أن يقيم عليه الحد بذكرها، أو بذكر هذا الرجل لها. فقد يكون زنى بأخرى، وقد يكون غلط في هذه المرأة، يظنها فلانا وهي غيرها. أن هذا يحصل، وخاصة قديما كانت الأضواء غير موجودة، فيظن أنها امرأة فلان أو بنت فلان، وهي امرأة أخرى. ومما يحكى أن رجلا هكذا تواعد مع امرأة، أنه هذه قصة حقيقية، تواعد مع امرأة يريد أن يزني بها، معنى على حسب القائل. والقائل كان الرجل ثقة حكى هذه القصة. فهذه المرأة وعدته، قالت له - معنى وافقت على وعده - وهي تعرف زوجته. فذهبت إلى زوجته وقالت لها: «فلان سيأتيني كذا وكذا»، وأخبرتها بالموعد. فذهبت زوجته إلى ذلك الموعد، لأن المكان المظلم ما ميز هذه المرأة، هل هي زوجته أو غيرها. ففعل فعلته، ثم لما فعل فعلته أخبرته أنها زوجته. قال: «قبحك الله في الحلال والحرام». وهذا شر. فالمهم أن هذا يحصل، فيظن الشخص أنه زنى بامرأة فلان أو بابنة فلان، وهي ليست هي، وإنما ظنها أنها هي. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام ذهب وأرسل من يسأل هذه المرأة، فأنكرت، فتركها ولم يجلدها. فهذا كما قلنا يوقظ من أو بعض المسائل التي توقظ من هذا الحديث. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.