مسائل في شهر محرم وعاشوراء 3

مسائل في شهر محرم وعاشوراء 3

الدرس في مسائل في شهر محرم وعاشوراء 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

خروج موسى من مصر وملاحقة فرعون

يروي خروج موسى وبني إسرائيل من مصر هربا من فرعون وملاحقته لهم حتى وصلوا البحر. أصاب الرعب أتباع موسى بينما بقي هو ثابتا وواثقا بوعد الله.

انشقاق البحر ونجاة موسى

يصف انشقاق البحر بأمر الله لموسى بضرب البحر بعصاه، ومرور موسى ومن معه بأمان، وغرق فرعون وجنوده. كان هذا الحدث آية ومعجزة لنبي الله موسى.

أهمية يوم عاشوراء وصيامه

يشرح أهمية يوم عاشوراء لنجاة موسى وقومه وغرق فرعون، وكيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يصومه ويأمر بصيامه شكرا لله. يوم عاشوراء له أهمية تاريخية ودينية كبيرة.

ختام الحديث عن عاشوراء والدعاء

يختتم الحديث عن يوم عاشوراء ويشير إلى تجديد الإسلام له بصومه كل عام، ويذكر حوادث أخرى ستحدث فيه، ويختم بالدعاء للنفع بما قيل.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، عباد الله، إخواني في الله، فإن مما يذكر من قصص الأنبياء والرسل قصة موسى عليه السلام مع فرعون، والتي تعد من أعظم قصص القرآن، ويدل على ذلك ما كان من كثرة تكرارها وتردادها في كتاب الله جل وعلا، لعظيم العبرة والحكمة التي من ورائها قصة موسى مع فرعون، إشارة إلى الصراع الذي دام واحتدم لعشرات السنوات، كما قال العلماء أربعون سنة كان فيها موسى عليه السلام يقارع فرعون. وكان من طلب موسى عليه السلام لفرعون أنه يترك له بني إسرائيل، يسلمه له فيرجعهم إلى بلادهم، إلى بيت المقدس، أن أرسل معي بني إسرائيل، بعد أن تصلب فرعون لأمره وكفره وعناده، أوحى الله عز وجل إلى موسى أن أسر بعبادي ليلا، آن الأوان أن تخرج ببني إسرائيل من مصر، تأخذهم إلى بيت المقدس. فتحرك موسى عليه السلام ليلة ليلا خفية، وأخذ الصغار والكبار والذكور والإناث، وجميع من ينتمي إلى بني إسرائيل، تحركوا ليلا، هذا التحرك إخواني في الله، حتى نتخيل الموقف، لا تظن أن الكلام حول عشرات أو مئات الأشخاص أو آلاف، الأمر يصل إلى ملايين، نعم، بعض المصادر تدل على أن الذي خرج بهم موسى نحو من خمسة عشر مليونا، لكن هذه مبالغة، مبالغة كبيرة عظيمة، ومنهم من قصرها إلى ثلاثة مليون، لكن الصحيح أنها نحو من مليون نسمة، هؤلاء الذين خرج بهم موسى عليه السلام. تخيل هذا العدد المهول من البشر خرج بهم موسى عليه السلام ليلا، وما شعر أهل مصر ولا فرعون بسفر موسى وخروج بني إسرائيل من معهم إلا في الصباح، عم الله عنهم الأخبار، قال ربنا جل وعلا في وصفهم ﴿فأتبعوهم مشرقين﴾، مشرقين على قول جماعة من المفسرين، أي ذهبوا إلى جهة المشرق، لأن كما قلنا أراد موسى أن يأخذ قومه إلى جهة المشرق إلى بيت المقدس، هذا قول، وقيل أنهم مشرقين بمعنى في وقت الشروق أصبحوا. فلما أصبحوا ورأوا البوجه خاوية وأن بني إسرائيل غادروا، فحينها جيش فرعون من معه من الجيوش والجنود والقواد، فما ترك إلا النساء وتحرك بجيشه العظيم، موسى عليه السلام بينما هو ذاهب بقومه، أين أوصلهم المسير أوصلهم إلى ضفاف البحر، البحر حال بينهم وبين المرور إلى بيت المقدس، فما إن التفتوا إلى جهة المغرب إذ بهذه الجيوش الجرارة فرعون ومن معه قد أتوا، وهم قد ملئوا حنقا وغيظا، متى ما ظفروا ببني إسرائيل فسيبيدونهم عن بكرة أبيهم. حينها دب الرعب في حق من كان من أتباع موسى، وافوا البحر الخضم، ومن ورائهم الجيش العرمرم، فقال كما قال ربنا عز وجل «قال أصحاب موسى إنا لمدركون»، أي هلك قد هلكنا، أين المفر؟ أين المفر من هذا المكان؟ لا البحر والعدو، إلا أن موسى عليه السلام كان رابط الجأش، كان واثقا بوعد الله جل وعلا، فكان ساكن الصدر قوي النفس، قال «كلا إن معي ربي سيهدين». المسلم يستشعر بمعية الله ويصدق بوعد الله، حتى أن قال العلماء كان ممن كان في هذه الرحلة ذاك الرجل الذي آمن من قوم فرعون، كان قد وجد فقال «يا نبي الله الله الله أمرك أن نكون هنا؟» قال نعم، إذا كان هذا هو أمر الله فالله سيدبر أمره سبحانه، سيجعل من كل ضيق مخرجا. فلما كان الأمر كذلك، حينها أوحى الله عز وجل إلى موسى أن يضرب بعصاه البحر، فضربه، فماذا كان البحر؟ انفلق البحر، ما ارتفع، انتبه البحر لم يرتفع له على مكانه، البحر في مكانه انفلق، انفلق على عدة طرق، على عدة طرق، وأمر الله عز وجل موسى ومن معه هذه الجموع الغفيرة أن يدخلوا، دخلوا، فإذا هم يرون آيات عظيمات، البحار بجانبهم أصبح كالجبال واقفة، البحار واقفة لا يرتطم بعضها على بعض، وأيبس الله عز وجل الأرض من تحتهم أصبحت يبسا. ولهذا أمن الله عز وجل موسى «لا تخاف دركا ولا تخشى»، لا تخاف يا موسى دركا من إدراك فرعون، لا تخاف لن يدركك، ولا تخشى من الغرق، أنت في مأمن، لا تخاف دركا ولا تخشى، فدخل موسى عليه السلام، قال العلماء وكان عدة الأنبياء الذين كانوا في هذا الموقف موسى عليه السلام، يوشع بن نون عليه السلام، هارون عليه السلام، جبريل عليه السلام، هؤلاء مع من كان مع بني إسرائيل، جبريل نزل هو الذي يقود هؤلاء. قدرت المسافة حتى يخرج موسى عليه السلام مع من معه بمقدار عشر كيلو، هذا الذي أتيح لهم حتى يصل إلى الضفة الأخرى، عشر كيلو تقريبا في الميزان أو المقياس العصري، وهم بينما وصلوا إلى وسط القاع، قاع البحر، كان من حكمة الله جل وعلا أن قال ﴿وأزلفنا ثم الآخرين﴾، أزلفنا قربنا، من هم؟ قوم فرعون، من حكمة الله أن الله جل وعلا قرب فرعون، قربه قربه مع جنده. لماذا قربهم؟ قربهم حتى يروا هذه الآية، شيء، وين موسى؟ موسى تحت، شيء شابه؟ بحار، بحر قد تقسم إلى طرق، إلى طرق، وموسى في الأسفل في القاع، كما قلنا البحر نزول تداعا قوم فرعون، وهم ينظرون إلى هذه الآية العظيمة، ﴿وأزلفنا ثم الآخرين﴾ أي قربنا فرعون لكي ينظر إلى هذه الآية بنفسه. فبينما موسى عليه السلام كذلكم حتى خرج إلى الضفة الأخرى، إلى جهة أين؟ إلى جهة طور سيناء، إلى تلكم الضفة، لما وصل موسى هناك عليه السلام، أراد مباشرة أن يضرب البحر، لماذا؟ حتى يرجع إلى ما كان عليه، إلا أن الله نهى وأمره أن ينتظر «واترك البحر رهوا»، اتركه، دعي البحر على ما هو عليه، لماذا؟ أراد الله عز وجل أن فرعون يدخل، لأن فرعون ما دخل، لا زال ينتظر وينظر لشيء مذهل الذي ما يخطر على بال بشر. فلما رأى فرعون أن موسى خرج في الضفة الأخرى، حين فكر ودبر من أمره أنه سيلحق بموسى، إذا كان هذا قد وقع لموسى سيقع لي أنا، وهو يدعي أنه الرب الأعلى، وكان من حكمة الله أن الله ما أراد من موسى أن يضرب البحر، فماذا كان إذا ضرب البحر سيكون البحر فيصل بين موسى وبين فرعون، ففرعون حي سيبحث سيأتي بمداركة أخرى، لكن الله أراد الإهلاك، فقال «وترك البحر رهوا» وتركه فترة. فلما دخل فرعون ومن معه، ومن معه بكامل قواته، حتى أصبحوا في وسط البحر، حينها أمر الله موسى أن يضرب بعصاه، فلما ضرب بعصاه تلاطم البحر وغشيهم من اليم ما غشيهم، فأهلك الله عز وجل فرعون ومن معه، وبنو إسرائيل ينظرون، ﴿وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون﴾، تنظرون إلى هذه الجيوش الجرارة كيف أن الله أهلكها، فلم يبقي منهم أحدا. وكان بنو إسرائيل لا زالت تساورهم الشكوك في فرعون، خاصة فرعون مات، هذا ما يعقل، قد تربوا منذ نعومة أظفارهم أنه الرب الأعلى وأنه خالد مخلد وأنه لا يبيد ولا يفنى، فحينها من حكمة الله جل وعلا أن الله نجى بدنه «اليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية»، فأخرج الله جثته إلى الضفة الأخرى في جهة سيناء، حتى رآه بنو إسرائيل واستيقنوا موت هذا الطاغية. إخواني في الله، هذه قصة موسى مع هارون، قد يقول قائل وما في هذه القصة؟ القصة إخواني في الله هذه وقعت في العاشر من محرم في التاريخ، وقعت في العاشر من محرم، أي في يوم عاشوراء وقع هذا الحدث العظيم، الآية الكبيرة والمنة العظيمة، ولهذا نبينا صلى الله عليه وسلم لما دخل المدينة وجد اليهود يصومون يوما، فسأل عن هذا اليوم، سأل اليهود، فقالوا نعم هذا يوم عظيم نجى الله جل وعلا موسى وقومه وأهلك الله فرعون وقومه، فصامه موسى. وهذه لفتة عظيمة إخواني في الله إلى صنيع الأنبياء، إلى صنيع الرسل، إلى صنيع الصالحين، أنك إذا وجدت أن الله عز وجل من عليك بنعمة، فضلك بمنة، أعطاك شيء من حظوظ الدنيا أو حظوظ الآخرة، أعطاك مالا، رزقك بولد بعد طول انتظار، نجاك الله عز وجل من الكروب ومن الخطوب، أعطاك الله زوجة صالحة، من الله عليك بوظيفة، بنجاح في الدراسة، في أي منه، فإن نعم الله أعظم ما تستقبل بالشكر، بالحمد، وأعظم الحمد بالعبودية لله، فاعبد وكن من الشاكرين. من أراد أن يشكر الله على نعمه فليشكره بالطاعة والعبادة، وتأمل في حق نبينا عليه الصلاة والسلام، حين كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، وقد سئل عن هذا، قال «أفلا أكون عبدا شكورا»، هذا شكر لله، حيث أن الله قد غفر لي ما تقدم وما تأخر، هذا شكر لله، وهو الطاعة والقيام، فمن أراد أن يشكر الله على نعمه فليؤدي حق الله بالعبادة والطاعة، لا العكس، للأسف تجد أن بعض من الناس إذا من الله عليهم بنعم، بأموال، بأرزاق، بخيرات، بمناصب، تغير عليهم، يقابلونه بمهرجانات، بغنى، بفنانين وفنانات، أو ذاك لربما بسر نجاحه يفعل رحلة إلى بلاد الشرق والغرب، يتناول المسكرات والمخدرات، وجلسات القات، ونحو ذلكم، لا يا عبد الله، هذا من الحرمان. إذا أردت أن الله أردت أن تشكر الله على هذه النعمة، بل ويزيدك، قال ربنا «ولئن شكرتم لأزيدنكم»، الشاهد أن موسى عليه السلام عندما نجى الله قومه وأهلك فرعون، ماذا فعل موسى؟ صام، صام هذا اليوم، فقال اليهود «ونحن نصومه»، نحن معاشر اليهود، نبينا موسى صام، فنحن نصومه، فلما سمع نبينا صلى الله عليه وسلم هذا الأمر، ولما كان الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، يعلو ولا يعلى عليه، فما كان لليهود ولا لغيرهم أن يزايدوا علينا لا بعمل صالح ولا بقول نافع، ما كان أحد يوازي أو يساوي أمة محمد، حينها قال عليه الصلاة والسلام «نحن أولى بموسى منكم»، فصامه وأمر بصيامه، صامه وأمر بصيامه. فهذا إخواني في الله ما وقع في يوم عاشوراء، العاشر من محرم، آية من آيات الله العظيمات الخالدة إلى أن تقوم الساعة، ويرث الله الأرض ومن عليها، هذه الحكاية العظيمة، فجددها الإسلام بصوم عاشوراء في كل عام، نستذكر ما كان في فضيلة هذا اليوم من هذه المسألة العظيمة، فهذا إخواني في الله ما يذكر في هذا المقام، وستأتي معنا حوادث كذلك وقعت في يوم عاشوراء. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.