كف الأذى

الخطبة بعنوان كف الأذى، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 27 صفر 1444هـ الموافق 23 سبتمبر 2022م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في كف الأذى

يُشدد على أهمية كف الأذى عن الناس باعتباره من المقامات العظيمة في الإسلام. يستشهد بالأحاديث النبوية التي تحث على ذلك وتوضح عواقب إيذاء المسلمين.

كف الأذى عن الله ورسوله والمقربين

يناقش أهمية كف الأذى عن الله ورسوله والملائكة والوالدين، ويوضح أن أذية هؤلاء تعتبر من الكبائر. يشير إلى صور الأذى المختلفة لكل منهم.

تطبيقات كف الأذى في الحياة اليومية

يجب على المسلم كف الأذى عن المحيطين به، بما في ذلك الأولاد والزوجة والجار والنفس. عدم القيام بذلك يعتبر إثمًا كبيرًا.

خاتمة بالدعاء والصلاة

يتضمن دعاء للمسلمين بالمغفرة، ثم حث على إقامة الصلاة، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه والتسبيح.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، في خطبة سابقة أشرنا إلى أن مقام الصلاح إنما يكون بأمرين اثنين وبعاملين أساسيين، ألا وهما بذل الندى وكف الأذى، فبهما يمقف، وفيهما الأس والأساس في معرفة صلاح الناس. فبذل الندى هو بذل الخير للغير بكل صوره وفي كل مجالاته وعلى قدر إمكانياته وطاقاته. قال عليه الصلاة والسلام: «من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل». لكن إن عجزت يا عبد الله عن هذا المقام، فحينها احرص على أن تكف شرك وأن تكف أذيتك عن خلق الله. روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: قلت يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: «إيمان بالله وجهاد في سبيل الله». قلت: فأي الرقاب أفضل؟ قال: «أنفسها عند أهلها وأغلاها ثمنًا». قلت: يا رسول الله فإن لم أعمل؟ قال عليه الصلاة والسلام: «تعين أو تصنع لأخرق». قلت: يا رسول الله فإن ضعفت، فإن ضعفت عن بعض العمل؟ قال عليه الصلاة والسلام: «تكف شرك عن الناس، تكف شرك عن الناس، فإنها صدقة منك على نفسك». ففي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إياكم والجلوس في الطرقات». قلنا: يا رسول الله مجالسنا ما لنا بد نتحدث فيها. قال: «فإن أبيتم فأعطوا الطريق حقه». قلنا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: «غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر». وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنه قال: صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فقال: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين، يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين». عباد الله، إن كف الأذى من المقامات العظيمة ومن الآداب السديدة والتي يجب على كل مسلم ومسلمة أن يحرص عليها. وفي هذا المقام لأشير إلى الجهات التي ينبغي أن تكف يا عبد الله عن إيصال أذاك وشرك إليها. وعلى رأس هذه الجهات أن تكف عن أذية ربك جل في علاه، الكف عن أذية الله، فإياك يا عبد الله أن تصدر منك أقوالًا أو أفعالًا وأحوالًا يعود ضررها إلى أذية الله جل في علاه. ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «قال الله: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي أقلب الليل والنهار». وهذا مما نجده في مثل هذه الأزمان ما نسمعه من كثير من الناس من لربما يتوجه بالسب والشتم واللعن على الزمن والوقت والزمان، وهذا في الحقيقة هو أذية لله جل في علاه. ثانيًا، ومن الجهات التي لا ينبغي أنك تؤذيها يا عبد الله ما يكون من أذيتك لملائكة الله، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بن آدم. هذا من خبر رسول الله عليه الصلاة والسلام في معرض كلامه عن صلاة الجماعة ومن أراد أن يحضرها، قال عليه الصلاة والسلام: «من أكل ثومًا أو بصلًا فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بن آدم». كذلكم يا عبد الله مما ينبغي أن تكف عن أذيتهم الكف عن أذية رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾. قال إمام السعدي رحمه الله: «وهذا يشمل كل أذية قولية أو فعلية من سب وشتم أو تنقص له ولدينه أو ما يعود عليه بالأذى». فقال: «فإن أذية الرسول ليست كأذية غيره». واعلم يا عبد الله أن من أعظم الأذى في حق رسول المصطفى عليه الصلاة والسلام ما يجده من أتباعه من المروق عن سنته والإحداث في دينه. وهكذا ممن ينبغي يا عبد الله أن تكف عن أذيتهم ما يكون من كف الأذى في حق الوالدين، فإن منزلتهما وثقلهما ودرجتهما لا تسمح لك أبدًا في أن توصل أي أذى من أنواع الأذى إليهما، سواء كان أذى قولية أو أذى فعلية. قال سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾. قال العلماء في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ إشارة إلى المنع من كل أذى قولي ولو أف، ويدخل في ذلك ما هو أعظم من ذلك من سبهم وشتمهم أو رفع الأصوات عليهما أو ما يكون من التسخط على أفعلهما. ﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ قال العلماء: إشارة إلى المنع من كل أذى فعلي، فلا تنهرهما ولا تقل بدفعهما، بل قال العلماء: ويشمل ذلك كل حركة من حركات أعضائك لا تتحرك أمامهما إظهارًا لسخط عليهما، حتى الإشارة، كونك تشير إليهما مهددًا لهما أو أنك مظهرًا عدم الرضاك عنهما، كل ذلك من العقوق لأنه أذى أوصلته لوالديك. أقول قولي هذا وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. فلزن عباد الله في هذا المقام في بيان مقام كف الأذى وأنه من مقامات الدين، وأشرنا إلى الجهات التي ينبغي عبد الله أن تحرص على عدم إيصال أذاك إليها. وكان مما ذكر من عدم التصرف بأي تصرفات يكون أمرها أن يعود بالضرر إلى الله جل في علاه، وثانيًا ما يكون من أذية الملائكة، ورابعًا ما يكون من أذية الرسول، وخامسًا ما يكون من أذية الوالدين. وهكذا يا عبد الله من هذه الجهات الكف عن أذية الأولاد، فإن مسؤولية الآباء من أولياء الأمور والأمهات إذا أولادهم إنما هي في القيام بحقهم برعايتهم وبالعناية بهم. قال الله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾. وليست المسؤولية يا أيها الأب في أنك تستغل هذا المقام بإطلاق العنان بضربهم والتنكيل بهم أو بمنعهم من أبسط حقوق الحياة من التضييق عليهم في مأكلهم أو مشربهم أو مسكنهم أو ملبسهم. وهكذا يا عبد الله ممن ينبغي كف الأذى معهم ما ينبغي أن يكون من كف الأذى منك إلى زوجتك، بكف الأذى عن الزوجة، فلا تؤذيها لا بالأقوال ولا بالأفعال ولا بجرح المشاعر. قال عليه الصلاة والسلام وقد سئل: «يا رسول الله ما حق امرأة أحدنا عليه؟» قال: «أن تطعمها إذا طعمت، وأن تكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت». تأمل يرعاك الله لأنواع الأذى الذي دفعه نبينا عن الزوجة: «لا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت». وقارن هذا بينما عليه الكثير من الأزواج من التفنن في أصناف الأذى على الزوجات. وبالمقابل فإن الزوجة كذلك ما ينبغي لها أن توصل أذيتها لزوجها بلسانها أو ما يكون من سوء عشرتها. قال عليه الصلاة والسلام: «لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين قائلة: لا تؤذي، لا تؤذي، قاتلك الله، فإنما هو عندك دخيل يوشك أن يفارقك إلينا». فاتق الله يا أمة الله في زوجك، واتق الله يا عبد الله في زوجتك، فإن الحياة الزوجية لا تقوم إلا بكف الأذى. كذلك يا عبد الله من كف الأذى ما يكون من كف الأذى عن الجار، فلا تكن مصدر إزعاجه، لا تكن مصدر إزعاجه من التطلع على عوراته أو التجسس على أخباره أو برمي النفايات والقمامات عند بابه. فقد ذكر لنبينا عليه الصلاة والسلام امرأة يذكر من صلاتها وصيامها إلا أنها تؤذي جيرانها بلسانها، قال: «هي في النار». وهكذا يا عبد الله من هذه الجهات التي ينبغي أن تكف الأذى معها أن تكف الأذى عن نفسك، عن نفسك، فنفسك هي ليست ملكًا لك بأن تتصرف فيها كما تشتهي وتريد، بل هي ملك لله جل في علاه. فكل أذى توصله على نفسك فهو مرفوض، سواء كان أذى أو ضرر يصل إلى العقل من المسكرات وتناول الخمور والمخدرات أو كان الأذى في بدنك في جسدك من انتحار أو قتل النفس وإزهاق الروح، كل ذلك لا يجوز. قال عليه الصلاة والسلام: «لا ضرر ولا ضرار». قال العلماء: بمعنى لا تضر نفسك ولا تضر غيرك. أخيرًا عباد الله، ينبغي على كل واحد منا أن يتق الله في هذا المقام وأن يكف الأذى عن عامة المسلمين ممن يعلمهم وممن لا يعلمهم. قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾. فإن الله جل وعلا لا يرضى أن تؤذي يا عبد الله مؤمنًا من المؤمنين من الصغار والكبار من الذكور والإناث. قال عليه الصلاة والسلام: «لا يتناجى اثنان دون الثالث، فإن ذلك يؤذي المؤمن، والله يكره أذى المؤمن». أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. وقموا إلى صلاتكم رعاكم الله. وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الله أكبر، الله أكبر.