الدرس في مختارات من الرياض الناضرة والحدائق النيرة الزاهرة 13، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع داء الحسد كمرض قلبي عالجه القرآن، مبيناً حقيقته كتمني زوال النعمة عن الغير وما يورثه من حقد وظلم. ويؤكد أن الحسد يجلب العقوبات ويضر بصاحبه، بينما سلامة الصدر والنصيحة من أخلاق الأنبياء ودليل كمال الإيمان.
يؤكد المقطع أن الدين كله نصيحة مستدلاً بالحديث النبوي وآية العصر، محذراً من خلو القلب منها. ويبين أن سلامة الصدر واللسان من الغل والحسد والدعاء للإخوان بالخير من صفات خواص المؤمنين كما في مثال طلحة بن عوف.
يستعرض المقطع فضيلة سلامة الصدر بوصفها راحة دنيوية وغنيمة أخروية وسبباً للجنة، مستشهداً بأقوال الماوردي وابن رجب ودعاء أبي الدرداء. ويحذر من شحناء أهل الأهواء والبدع الموجهة لخيار الأمة، مؤكداً أن أفضل سلامة الصدر هي السلامة من غلهم ثم إرادة الخير للمسلمين.
يختتم المحاضر الدرس الحالي معلناً الانتقال إلى موضوع جديد في الجلسة القادمة. وسيتناول الدرس القادم داء الغفلة والإعراض عن الله وعن طاعته.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فمن تلك الأمراض والأدواء التي تعتري القلوب، والتي عالجها القرآن، داء الحسد. فقال المؤلف الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في كتابه "الرياض الناظرة والحدائق النيرة الزاهرة": "ومن ذلك داء الحسد والغل والحقد والغش للعباد، أخبرهم أنه خلق الأراذل". فقد ذكر ربنا عز وجل في القرآن أن الحسد من صفات اليهود الذين هم أرض الأمة وأخس أمة، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِمْ﴾، وقال سبحانه وتعالى مخبرًا عنهم: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾. فإذا علم المسلم أن الحسد... ومعنى الحسد هو تمني زوال النعمة عن أخيك المسلم من الله عز وجل على أخيك بعلم أو مال أو جاه أو بيت أو سيارة أو شيء من النعم، فحسدته عليها، تتمنى أن تزول عنه هذه النعمة، فيغلي قلبك حقدًا وغلًا وبغضًا لهذا المحسود. هذه صفة ليست من صفات أهل الإيمان، هذه من صفات أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ومن حذا حذوهم. ولذلك قال المؤلف هنا: "أخبرهم" أي في القرآن أنه خلق الأراذل، وأنه موجب لسخط الله وعقابه، ونقص الإيمان، وخلو القلب من النصح الذي هو أساس الخير. انظروا إلى حسدة الأنبياء من اليهود ومن شايعهم، كيف حل عليهم أو حلت عليهم النقم والعقوبات العاجلة قبل الآجلة، وما ذاك إلا بسبب حسدهم، وبسبب بغضهم لأهل الإيمان. قال: "وأنها خلق الجبابرة الذين أوقع بهم العقوبات كقوم شعيب وغيرهم". قوم شعيب انتشرت بينهم العداوات والبغضاء والغش بتطفيف الكيل والميزان، فحل الله عز وجل عليهم غضبه ونقمته سبحانه وتعالى، كما في كتابه عز وجل عندما تقرأ قصة شعيب، حيث قال لقومه: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ * وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. فلما كذبوه وبغوا واستمروا على ظلمهم وحقدهم وغشهم، أنزل الله عز وجل عليهم العقوبة العاجلة قبل الآجلة. قال: "وأنها من البغي الذي يعود ضرره على الباغي". أي الحسد، الحسد من البغي، وقد قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ﴾. لأن الحسد لا بد أن يبغي على المحسود، ولا محالة لا بد أن يظلمه. الحسد سبب للأذى، يؤذي الحاسد المحسود إما بالفعل وإما بالقول. بالفعل يؤذيه بالافتراء أو بالقدح والطعن ونحو ذلك، وبالفعل... وبالفعل... وبالفعل... لربما الحسد يقتل المحسود لما في قلبه من الغل والحسد والشحناء والبغضاء. الحسد قد يضرب المحسود، الحسد قد يسجن المحسود، وهكذا يوصل إليه الأذى الفعلي العملي بسبب ما في قلبه من الكراهية والحقد والغل والبغض ونحو ذلك. صفة خطيرة تؤدي إلى البغي، والبغي تدور الدوائر عليه، يرجع بغيه وحسده عليه، فهو الذي يتضرر بذلك، كما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ﴾، أي يعود ضرره عليكم أيها البغاة، يعود ضرره عليكم، أما من حسدتموه فلا يصل إليه شيء من ذلك، لأنكم بغاة، بغاة ظلمة، وعاقبة الظلم وخيمة. قال: "وأن القلوب المتصفة به قلوب منحرفة عن الخير مقبلة على الشر". هذه دليل على أن هذه النفس الحاسدة نفس شريرة خبيثة، لا تحب الخير للمؤمنين بل تكن لهم الشرور وكذلك العداوات. قال: "وكفى بهذا شرًا وضرًا". قال: "وبمقابلة ذلك أخبرهم" أي الله عز وجل، وهذا كله من معالجات القرآن لهذا الداء، فبين خطورة هذا الداء كي يجتنبه المسلم، عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه، ومن لا يعرف الخير من الشر يقع فيه. فبين الله عز وجل أولاً في كتابه خطورة الحسد وما يؤول إليه من العقوبات، ومن كذلك الأضرار والأشرار. وكذلك في مقابل ذلك أخبرهم بأن النصحة وسلامة الصدور من أخلاق الأنبياء وأوصاف الأصفياء. وهذه في آيات كثيرة، في مثل قول الله سبحانه وتعالى في حق الأنبياء عندما ينذرون أقوامهم ويحذرونهم ويبلغونهم، في آخر الأمر يقولون لهم: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾، وكذلك: ﴿وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾. فالمؤمنون من الأنبياء والأصفياء والأولياء نصحة، وأما الكفار والمنافقون فإنهم حسدة غششة. فلا شك أن المؤمن تجده ناصحًا لإخوانه المؤمنين، يحب لهم الخير كما يحبه لنفسه، وهذه من دلائل وعلامات الإيمان، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. فالمؤمنون نصحة، وهذا دليل على سلامة صدورهم تجاه إخوانهم المسلمين المؤمنين. قال: "وأن الدين هو النصيحة بأكملها"، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بحديث أبي رقية تميم بن أوس الداري: «الدين النصيحة». فحصر الدين في النصيحة لعظم شأنه في هذا الدين، ولعظيم أهميته في هذا الدين. ويدل على ذلك أيضًا قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾، حكم الله عز وجل على جنس الإنسان بالخسارة، إلا من اتصف بهذه الأربع خصال فهو خارج من هذه الخسارة، فقال سبحانه وتعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. فالتواصي بالحق والتواصي بالصبر من النصيحة، وهي من صفات الناجين من الخسران. فهذه... فهي أخلاق المؤمن، لا حسد في قلبه، ولا غش، ولا حقد، ولا كراهية، ولا غل على إخوانه المؤمنين. قال: "وأن من خلا من النصيحة فقد فقد دينه وفقد أخلاقه". يعني من لا ينصح ولا يحب النصح، فهذا فقد دينه، لأن بالنصيحة يكمل الإنسان دينه. أنت بشر عرضة للخطأ، عرضة للزلل، عرضة للغفلة، عرضة للجهل، فإذا لم تجد من إخوانك المؤمنين من ينصحك، فهذا الأمر خطير على دينك، تفقد به دينك، تقع في الشرك فلا تجد من يحذرك، تقع في البدع فلا تجد من يبين لك، تقع في الفسق، المعاصي، الذنوب، الخطأ، فلا تجد من يصوبك. فهذا لا شك أنه كما ذكر المؤلف هنا فقد للدين. فالنصيحة باب عظيم من أبواب ديننا. وهكذا فقد فقد أخلاقه، لأنه إذا وقع في الكذب، وإذا وقع في الغش، وإذا وقع في الافتراء ونحو ذلك، ولم يجد من يبين له، ومن يحذره، ومن ينبهه، ومن ينصحه، فإنه يبقى على هذه الأخلاق الرذيلة، هذه الأخلاق السيئة، وهذه فيه خطورة على دينه وعلى أخلاقه. قال: "وأن خواص المؤمنين هم الذين يدعون ربهم ويجتهدون في زوال هذا الخلق عنهم، فيقولون: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾". فهذه الآية اشتملت على أمرين اثنين: الأمر الأول: سلامة ألسنة المؤمنين من الطعن والقدح في إخوانهم المسلمين. والأمر الثاني: سلامة قلوب المؤمنين من الغل والحسد والحقد والغش لإخوانهم المؤمنين. فالأمر الأول يدل عليه قول الله سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾، هذه سلامة ألسنتهم. من يدعو لإخوانه بالخير لا يمكن أن يرميهم بالسب أو القدح أو الشتم أو الطعن أو الغيبة أو النميمة، لماذا؟ لأنه يدعو لهم بالخير، فكيف يتكلم عليهم بالشر؟ نعم. وهكذا مما يدل على الأمر الآخر وهو سلامة قلوبهم من الأحقاد ومن الغل والحسد، قولهم، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ وَلَا تَجْعَلْ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا﴾، وسلامة... وَسَلْ... وَسَلَامَةُ... هذا خلق جليل به يسعد المرء في دينه ودنياه، يعيش ويبيت قرير العين حين يأوي إلى فراشه، وليس في قلبه شيء على أحد من إخوانه المؤمنين، لا حقد، ولا خصومة، ولا هجر، ولا عداوة، ولا بغضاء، ولا شحناء. هذه نعمة عظيمة، هذه نعمة عظيمة من الله سبحانه وتعالى. ولذلك ذكر الله عز وجل أن من صفات أهل الجنة سلامة صدورهم، ما يدخل أحد الجنة وفي قلبه شيء. يصف المؤمنون قبل أن يدخلوا إلى الجنة، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾. فكما أن أهل الجنة يتنعمون بهذه الخصلة وهو من نعيم الجنة، فمن اتصف بها في هذه الدنيا يتنعم بها في هذه الدنيا، حين يكون قلبه سليمًا صافيًا نقيًا، لا يحمل الحقد، ولا يحمل الحسد، ولا يحمل الحقد على أحد من المؤمنين. وهناك من سيرة سلفنا الصالح أمثلة تبرهن وتدل على مدى سلامة صدورهم، رحمهم الله تعالى. فنذكر ما ذكره بعض أهل السير في سيرة طلحة بن عوف، طلحة بن عوف رحمه الله. قيل: إنه كان أجود قريش في زمانه، كان جوادًا. فقالت له امرأته يومًا: "ما رأيت قومًا... ما رأيت قومًا أشد لؤمًا من إخوانك... أشد لؤمًا من إخواني"، يعني هؤلاء لؤم، هؤلاء ما... ما... ما... تزاملهم وأن تجلس معهم. فاستغرب من قولها هذا، فقال لها: "ولمَ ذلك؟ ما الذي حملك على هذا الكلام؟" فقالت: "أراهم إذا اغتنيت لزموكم، إذا عندكم مال يجلسون معكم ويترددون عليكم ويأتون عندكم، وإذا افتقرت تركوكم، إذا ما عندكم شيء مال وما تعطوهم شيء ابتعدوا عنكم". هذا كأنها تقول: هؤلاء أصحاب مصالح، ما هم أهل وفاء، وما هم أهل نخوة وأخلاق طيبة، ما أشد لؤمهم! فكيف رد عليها؟ فقال لها: "هذا والله من كرم أخلاقهم، هذا والله من كرم أخلاقهم، يأتوننا في حال قدرتنا على إكرامهم، ويتركوننا في حال عجزنا عن القيام بهم". نعم، إذا عندنا قدرة جاءوا، وعندنا أعطيناهم، إذا ما عندنا قدرة تركونا، فالحمد لله لأننا ما عندنا ما نكرمهم به، ما عندنا ما نكرمهم به. هذا من... يعني كرم أخلاقهم، هذا من كرم أخلاقهم. نعم. علق على هذه القصة الماوردي رحمه الله تعالى، فقال: "انظر كيف تأول بكرمه هذا التأويل"، يقول في كلام طلحة بن عوف: "الماوردي يقول في كلام طلحة بن عوف: انظر كيف تأول بكرمه هذا التأويل، قال: حتى جعل قبح فعلهم حسنًا، وظاهر غدرهم وفاء". قال: "وهذا والله يدل على أن سلامة الصدر راحة في الدنيا وغنيمة في الآخرة، راحة في الدنيا وغنيمة في الآخرة". انظر، ربما لو إنسان آخر قالت له زوجته مثل ذلك، لكره هؤلاء وأبغضهم، وحمل عليهم الحقد والكراهية والبغض، لكن لا، لسلامة صدره أحسن بهم الظن، وجعل ما ظاهره قبيح من فعل أصحابه، من كرم أخلاقهم، جعله من كرم الأخلاق، لا من سيئ الأخلاق. فانظروا إلى هذه الأمثلة الرائعة البديعة. فلذلك قال: "يدل على أن سلامة الصدر راحة في الدنيا وغنيمة في الآخرة، وهي من أسباب دخول الجنة". وذكر قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾، على سرر متقابلين. وهكذا كان سلفنا الصالح، حتى يبعدوا ما قد يكون في صدورهم من الحقد أو الغل أو الكراهية لإخوان المسلمين، كانوا يدعون لهم، بل ولربما يعينون بعض من يعرفون بأسمائهم، كما ورد ذلك عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه، كان يدعو لسبعين من أصحابه يسميهم بأسمائهم، يدعو مثلًا: عنده صديق اسمه محمد، وأحمد، وسالم، وعبد الرحمن، يدعو لهم: "اللهم اغفر لي أخي سالم، اللهم اغفر لي أخي أحمد"، يذكرهم بأسمائهم، سبعين، ليس واحدًا ولا اثنين ولا ثلاثة، سبعين. هذا دليل على سلامة صدورهم. فيكثر المؤمن من الدعاء لنفسه أولاً، ثم الدعاء لإخوانه المسلمين، إخوانه المؤمنين، ويدعو لألصق الناس به من زملائه، ومن من تعرف عليهم في علم، أو في مسجد، أو في دعوة، أو في عمل، أو في أي معاملة من المعاملات. فهذا يدل على سلامة الصدر، كما ذكر الله عز وجل عن المؤمنين، يقولون: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾. ختامًا، نذكر أثرًا عن ابن رجب رحمه الله تعالى في هذا الباب، حيث قال: "أفضل الأعمال سلامة الصدر من أنواع الشحناء كلها". أفضل الأعمال، عمل جليل، يوم يكون صدرك سليمًا لا يحمل شيئًا على أحد من إخوانك المؤمنين. ثم قال: "وأفضلها" يعني أفضل أنواع سلامة الصدر من أنواع الشحناء، "السلامة من شحناء أهل الأهواء والبدع، التي تقتضي الطعن على سلف الأمة وبغضهم والحقد عليهم، واعتقاد تكفيرهم أو تبديعهم وتضليلهم". هذا من ماذا؟ من أفضل سلامة الصدر، أن لا تقع في بدعة أو في ضلالة، تحملك هذه البدعة والضلالة على الطعن في خيار الأمة، كما وقع من الرافضة، عليهم من الله ما يستحقون، فإنهم يحملون الحقد والحسد والغل على خيار هذه الأمة، وهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيطعنون في أبي بكر وعمر وعثمان، وجل الصحابة إلا بعض من آل البيت كعلي أو الحسن أو الحسين. وأما غالب الصحابة فإنهم يطعنون فيهم، بل وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ويرمونهم بما برأهم الله عز وجل منه، وبما زكاهم به ربنا سبحانه وتعالى في كتاب الله. انظروا كيف دفعتهم هذه البدعة إلى هذا الصنيع القبيح، إلى هذه الصنيع القبيح. وهكذا احذر من غيرها من الضلالات، ضلالات أهل الأهواء وأهل البدع، الذين يحملون الحقد والحسد والغل على خيار هذه الأمة من العلماء. بعض الفرق ربما تطعن في علماء الأمة بأنهم علماء حيض ونفاس، أو بأنهم علماء سلطان وبلاط، أو بأنهم ضعفاء لا يقولون الحق. هذا القول منهم دليل على ملء قلوبهم بالأغلال والحقد والحسد على هؤلاء العلماء، والتنفير منهم. فأفضل السلامة، سلامة الصدر، أن يسلمك الله من شحناء أهل الأهواء والبدع، التي تحملهم على الطعن في خيار الأمة، في خيار الأمة. ثم قال: "ويلي ذلك سلامة القلب من الشحناء لعموم المسلمين، وإرادة الخير لهم ونصحهم، وأن تحب لهم ما تحب لنفسك، ما تحب لنفسك". فسلامة الصدر هذه عبادة جليلة عظيمة، كما ذكر الماوردي رحمه الله تعالى، تدل على راحة في الدنيا وغنيمة في الآخرة، راحة في الدنيا وغنيمة في الآخرة. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: "ما زال الله في كتابه وعلى لسان رسوله يعالج العباد عن هذا الخلق بهذه العلاجات العالية الناجحة المضمونة لها الشفاء". القرآن يضمن لك الشفاء، لكن بشرط أن تقبل عليه بيقين وإيمان وتدبر وتعقل. نعم، حتى ظهرت آثارها على المؤمنين، وبدت أنوارها وخيراتها على المستجيبين. نكتفي بهذا، وفي الدرس القادم إن شاء الله ننتقل إلى داء آخر عالجه المؤلف وذكره المؤلف ها هنا في هذه الرسالة، وهو داء الغفلة والإعراض عن الله وعن طاعته سبحانه وتعالى. فإلى يوم غد إن شاء الله تعالى يؤخذ هذا الدرس، وإلى هنا والله تعالى أعلم.