المحاضرة بعنوان الدين مسؤولية الجميع، محاضرة بمسجد السنة بدار الحديث بطيبة يوم الجمعة 25 صفر 1438هـ الموافق 25 نوفمبر 2016م ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الدين الإسلامي مسؤولية كل مسلم وليس لفرد أو فئة معينة، حيث أن كل مسلم مطالب بتحمل مسؤولية هذا الدين ونشره. الأدلة من القرآن والسنة النبوية تؤكد هذه المسؤولية الجماعية.
النبي صلى الله عليه وسلم ترك الأمة على الطريق المستقيم، ويجب على كل مسلم تحمل مسؤوليته في نشر الدين حسب استطاعته. يمكن أن يكون ذلك بالعلم أو المال أو الدعوة أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
يجب على المسلمين تحمل مسؤولية نشر العلم والدعوة إلى الله بتعليم إخوانهم أمور الدين وعدم البخل بهذا العلم. يجب القيام بهذا العمل بالطرق الصحيحة والمنظمة مع مراعاة الضوابط الشرعية.
يجب على المسلمين التعاون على نصرة دين الله من خلال مختلف الوسائل مثل التعليم والدعوة إلى الله عز وجل والمحاضرات والدروس العلمية والزيارات. يمكن تحقيق ذلك بطرق متعددة.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون عباد الله، أيها الآباء والأبناء والإخوان، قد سمعتم عنوان هذه المحاضرة، وأنها بعنوان «الدين مسؤولية الجميع»، والمراد بالدين ما منَّ الله عز وجل به علينا من دين الإسلام، فهذا الدين أنزله ربنا عز وجل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وشرفه بذلك. كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾، فقد جاء في التفسير أن المراد بقوله ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي القرآن الذي هو أصل الإسلام، وقوله ﴿ذِكْرٌ لَّكَ﴾ أي شرف لك، شرفك الله عز وجل وشرف قومك بهذا القرآن الذي فيه الهداية للناس أجمعين، وسوف تسألون عن هذا القرآن وعن هذا الإسلام. وقولنا «مسؤولية الجميع» أي أن هذا الدين ليس حكرًا وليس وقفًا على طائفة دون أخرى أو على أفراد دون آخرين، بل كل مسلم فإنه مسؤول عن هذا الدين، الذكر والأنثى، الشاب والشيخ، الغني والفقير، العالم والعامي، كل مسلم فهو يتحمل شيئًا من مسؤولية هذا الدين. ولذلك أدلة كثيرة من كتاب الله ومن سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، قال الله عز وجل في كتابه الكريم ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾، أليس المسلم متبعًا؟ أليس المسلم متبعًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وداعيًا إلى ما دعا إليه عليه الصلاة والسلام؟ ففيه هذا المعنى ألا وهو تحمل هذا الدين، وكذلك السعي في إظهاره وفي نصرته وفي القيام به، وهكذا يقول ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾. ففي هذه الآية ذكر الله عز وجل أن كل مؤمن يوالي إخوانه المؤمنين، وكل مؤمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهذا هو تحمل مسؤولية الدين، إن الدين عباد الله هو أمر بمعروف أو نهي عن منكر. وهذا جاء في صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً»، ما قال ليبلغ هذا الدين من حفظه أو من كان عالما بجميع هذا الدين، وإنما من علم ولو مسألة واحدة من هذا الدين فعليه أن يبلغها. أيها المسلمون عباد الله، إن العمل لهذا الدين يحتاج إلى تضحية، يحتاج إلى صبر، يحتاج إلى تضحية في الوقت، يحتاج إلى تضحية في المال، يحتاج إلى تضحية في الجسد، يحتاج إلى تضحية ربما في النفس التي بين جنبيك. وهذا تجده ظاهرا جليا في سيرة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كيف تحملوا هذه المسؤولية فقاموا بها حق قيام، لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمرهم أن يبلغوا هذا الدين إلى مشارق الأرض ومغاربها. ففي حجة الوداع وفي ذلكم الجمع الغفير يقول عليه الصلاة والسلام «هَلْ بَلَّغْتُ؟» فيقولون «نعم يا رسول الله»، فيقول النبي عليه الصلاة والسلام «اللهم فاشهد»، «فليبلغ الشاهد الغائب، فليبلغ الشاهد الغائب». هذا هو نبي عليه الصلاة والسلام ما توفاه ربه إلا وقد بلغ البلاغ المبين، ما من خير إلا ودل الأمة عليه، وما من شر إلا وحذر الأمة منه، فتركنا على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. أين نحن من مثل هذه الأعمال؟ لا أقول لك تصدق بجميع مالك، ولا بنصف مالك، بل ربما ولا بربع مالك، وإنما بما يتيسر فيما يحتاجه المسلمون، سواء كان في أمر الجهاد في سبيل الله أو في أمر الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى أو في أمر طلب العلم أو في غيرها من النوائب والحاجات التي تعترض للمسلمين. فينبغي علينا أيها المسلمون أن نتحمل المسؤولية كل على قدر استطاعته، كل على قدر استطاعته، تحمل هذا الدين كما تقدم ليس حكرًا على أناس معينين، ولا وقفًا على طوائف أو طائفة دون أخرى. إنما كل مسلم مطالب أن يعمل لدين الله، صاحب العلم بعلمه، بدعوته، بخطبه، بمحاضراته، بدروسه، بنصحه، بإرشاده، بأمره بالمعروف، بنهيه عن المنكر، وهكذا صاحب المال بماله، في شراء الكتب، في إعانة الدعاة إلى الله عز وجل، في تجهيز الدعاة للدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. وهكذا في الجهاد في سبيل الله، وفي غير ذلك من النوازل والنوائب التي تنزل بالمسلمين، وهكذا العامي كذلك لا يقول «أنا عامي لا أتحمل شيئًا من دين الله»، ما تستطيع أن توزع شريطًا، ما تستطيع أن تناصر إخوانك الدعاة إلى الله عز وجل بتكثير سوادهم. كل ذلك من نصرة دين الله عز وجل، ومن التعاون على البر والتقوى، وهكذا المرأة لا تقول «أني امرأة لا عليَّ شيء»، إنما تحمل المسؤولية على الرجال أبدًا، سمعت شيئًا مما كان عليه الصحابيات رضي الله تعالى عنهم؟ فأنت في بيتك مسؤولة عن أولادك، عن تربيتهم، عن توجيههم، عن تعليمهم، هذا من تحمل المسؤولية، بل كذلك الدعوة إلى الله، كم من امرأة جاهلة ربما ما تستطيع أو ما تجيد قراءة الفاتحة أو حفظ قصار السور؟ من سيحفظها إلا امرأة مثلها؟ فتحمل هذه المسؤولية وقومي بها، وهكذا في الدعوة إلى الله، وفي غير ذلك مما فيه نصرة وتحمل لشيء من المسؤولية التي ألقيت على عواتق المسلمين. وهكذا المدرس في مدرسته يتحمل مسؤولية هذا الدين بنشر التوحيد بين أبناء المسلمين، بنشر الأخلاق الفاضلة، بالقدوة الصالحة، ربما تكون بأخلاقك الفاضلة داعيًا إلى الله إذا علم الناس صدقك وعلموا سكينتك وعلموا كذلك احترامك، تأثروا بهذه الأخلاق. فكن قدوة صالحة لطلابك، لمجتمعك، فهذا من تحمل المسؤولية، وهكذا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن هذه المسؤولية ليست لأناس دون آخرين، بل كل من كان مستطيعًا بأي مرتبة من مراتب الإنكار وجب عليه أن يتحمل مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. كما في حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ»، فالإنكار يكون على قدر الاستطاعة. فالدين مسؤولية الجميع، نعم قد يكون البعض أعظم مسؤولية، أعظم مسؤولية، فمسؤولية العلماء ليست كمسؤولية طالب العلم أو من هو دونهم من العامة، ومسؤولية طالب العلم ليست كمسؤولية العامة، وهكذا. لكن الكل يتحمل شيئًا من المسؤولية بحسب استطاعته، فهذا الدين مسؤولية الجميع، لا تقل «أنا ما لي دخل»، «أنا ما يهمني هذا الأمر»، أي أمر من دين الله عز وجل، إن كنت مسلمًا حقًا فإنه يهمك، فإنه يهمك. أي منكر فأنت مأمور بإنكاره، كما سمعت «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ»، فأنت عليك التغيير، عليك البيان، وليس معنى ذلك أن تغير المنكر بإزالته، وإن لم تستطع ذلك أو سيحصل من وراء ذلك مفسدة عظمى، لا، وإنما تغير قدر الاستطاعة. وهذا من رحمة الله عز وجل بنا، لا كلفنا ما لم نستطع، وإنما كلفنا بما نستطيع، بما نستطيع، فهذا الدين مسؤولية الجميع، كل بحسب استطاعته. قد تدعى إلى أن تعلم إخوانك، تقرأ إخوانك القرآن، هذا من تحمل المسؤولية، إذا تخليت أنا وتخليت أنت وفلان وفلان من يعلم المسلمين؟ من يعلم المسلمين؟ من يزيل عنهم الجهل؟ فإذا لابد أن نتحمل هذه المسؤولية، وأن نقدم لدين الله سبحانه وتعالى، فلقد كان العلماء يتندمون وهم قد قدموا الشيء الكثير لهذا الدين، ومع هذا يتندمون. فينبغي علينا أن نجتهد أيها الإخوة، لا سيما بالعلم، الدعاة إلى الله عز وجل، من منَّ عليه ولو بالقراءة والكتابة، وبالنطق الصحيح للقرآن أو لبعض أحاديث خير الأنام عليه الصلاة والسلام، أن لا يبخل على إخوانه بالتعليم. وهذا من زكاة العلم، ومما رزقناهم ينفقون، نعم، فمن زكاة العلم، ومن أسباب زيادة العلم أن تنفقه، وأن تعلم غيرك، وأن لا تبخل به على غيرك. فإذا ينبغي علينا أيها الإخوة أن نتحمل هذه المسؤولية، أن ننصر دين الله، وأن نتعاون على القيام بهذا الدين، سواء كان عن طريق المحاضرات أو الدروس العلمية أو كذلك الزيارات أو كذلك التعليم والدعوة إلى الله عز وجل أو إلى غير ذلك. لا نكون سلبيين أيها الإخوة، كل واحد «نفسي نفسي»، ولا ينظر إلى مجتمعه، ولا ينظر إلى إخوانه، ماذا يحتاجون؟ ماذا يقدم لهم من خير؟ ماذا يقدم لهم من نفع؟ فينبغي علينا أن نتحمل هذه المسؤولية، وأن نقدم لديننا ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم. أما بعد، فقد سمعنا من أخينا الفاضل أبي معاذ حفظه الله أشياء كثيرة في هذا الموضوع، وأيضًا كذلك أتحفنا جزاه الله خيرًا بفوائد وبنصوص تؤيد هذا الأمر، وهو دين الله جل وعلا، وأنه كل واحد منا مسؤول عنه. لأن الله عز وجل حملنا إياه، حملنا إياه، ولهذا هذا الدين وهو الأمر والنهي والطاعة، والمراد به بالأمانة كذلك، إن عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبينا أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان، إنه كان ظلومًا جهولًا. فهذه الأمانة العظيمة الذي حملنا الله عز وجل إياها، وحملها الإنسان، إنه كان ظلومًا جهولًا، وبالعلم والعدل يقام هذا الدين، فلهذا تجد أن أمور إقامة هذا الدين كثيرة. لأن هذا الدين أنزله الله عز وجل إصلاحًا للبشر، وفيه أيضًا مصالحهم، ولهذا تجد أن الله عز وجل ما أمر بأمر إلا وفيه مصلحة، إما مصلحته خالصة أو مصلحته غالبة. فكان هذا الدين عظيمًا، فحملنا الله عز وجل هذا الدين العظيم، فيجب أن المسلم الذي اعتنق هذا الدين أن يقوم به، أن يقوم به كما تقدم معنا. لكن هذا القيام لابد أن يضبط بضوابط، فكما ذكرنا العلم يعلم الناس أولًا لا بد أن يكون يعلم الناس ما جاء في الكتاب والسنة من العقائد الصحيحة. وكذلك الحديث الصحيحة، وغيرها مما يكون هو في شرع الله جل وعلا، لا يعلمهم أشياء مشتبهة لم يكن يعرفها السلف، لم يكن يعرفها العلماء علماء أهل السنة، علماء الدين. وإنما هي مخترعة اخترعها بعض الناس، فيأتي ويعلم بها الناس، ويعلم بها الصغار أو يتعلمها كذلك، فإن هذا لا ينبغي، وليس هذا نصرًا لدين الله عز وجل، ولا لإقامة هذا الدين، بل هذا خدش في دين الله جل وعلا. كذلك أيضًا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما تعلمون أيضًا العلماء جعلوا له ضوابط، وهذا لأجل أنه إذا أراد أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر لابد أن يعرف هذه الضوابط أولًا. يعلم هذا المعروف، ويعلم هذا المنكر، إذا أراد أن يأمر بمعروف لابد أن يكون عنده معرفة بهذا المعروف، أن هذا معروف، وأن هذا طاعة لله عز وجل. فلهذا ينبغي للذي يعلم، وكذلك أو يعلم الناس أنه يعلمهم صغار العلم قبل كباره، يعلمهم صغار العلم قبل كباره، هذا هو الرباني، هذا هو الرباني الذي يبدأ بالأهم ثم بعد ذلك المهم. فالدين مسؤولية الجميع، وكل بحسب استطاعته، قد تدعى إلى أن تعلم إخوانك، تقرأ إخوانك القرآن، هذا من تحمل المسؤولية. فينبغي علينا أيها الإخوة أن نتحمل هذه المسؤولية، أن ننصر دين الله، وأن نتعاون على القيام بهذا الدين، سواء كان عن طريق المحاضرات أو الدروس العلمية أو كذلك الزيارات أو كذلك التعليم والدعوة إلى الله عز وجل أو إلى غير ذلك. والحمد لله رب العالمين.