الزواجر الشرعية على الزيارات الشركية

المحاضرة بعنوان الزواجر الشرعية على الزيارات الشركية، محاضرة بمسجد جامع المنصور بالمنصورة الجديدة يوم الجمعة 18 محرم 1443هـ الموافق 27 أغسطس 2022م ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

التوحيد وأهمية إكمال الدين

يُشدد على أهمية توحيد الله وعبادته، ويبين أن إكمال الدين الإسلامي هو أعظم نعمة. ويحذر من الوقوع في الشرك بالله مستشهدًا بأحاديث نبوية.

تحذير النبي من الشرك واتخاذ القبور مساجد

النبي حذر من اتخاذ القبور مساجد ونهى عن الصلاة إليها أو عندها، واعتبر ذلك من أعظم الفتن. كما نهى عن بناء المساجد عليها.

أحكام زيارة القبور وآدابها

يتناول أحكام زيارة القبور وآدابها وفق الشريعة، مشيرًا إلى أن النبي كان يزور البقيع ويُسلم على الأموات. ويبين آداب الزيارة الشرعية.

تحذير من الوقوع في الشرك عند زيارة القبور

يتناول تحذيرًا من الوقوع في الشرك عند زيارة القبور، ويشرح أن بعض الممارسات مثل دعاء الأموات تعتبر من الشرك بالله.

التفريغ النصي الكامل

﴿إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ﴾، «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ»، أما بعد، فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أولا نحمد الله جل وعلا على ما أنعم سبحانه وتعالى، وأكرم علينا من نعمه سبحانه جل وعلا، وأيضا قبل أن نتكلم نشكر إخواننا في هذا المسجد على تنسيق هذا اللقاء، هذا اللقاء الذي يكون فيه ما يقربنا إلى الله سبحانه وتعالى، وأيضا هذه المجالس التي يحبها الله، وكذلك حث عليها النبي صلى الله عليه وسلم، وهي مجالس عظيمة، تحفها الملائكة، تغشاها السكينة، والرحمن، وأيضا يذكرها الله عز وجل في من عنده، تحضرها الملائكة، فلهذا فهذه المجالس نعمة، هي المجالس التي ينبغي للمسلم أن يحرص عليها، وكما ذكر أخونا محمد حفظه الله قول الله جل وعلا: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾، أي لا تترك هذه المجالس العظيمة لأجل أمور الدنيا أو مجالس الدنيا. ولا تضع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا، واتبع هواه، وكان أمره فرطا، فلهذا فإن من أعظم النعم التي أنعم الله عز وجل علينا ترى هذه المجالس، وهذه اللقاءات، ونحمد ربنا سبحانه جل وعلا على ما أنعم علينا أيضا بنعمة هذا الدين العظيم الذي أكمله سبحانه وتعالى، وأتمه، وبتمامه تمام النعمة، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، هذه الآية العظيمة نزلت في يوم عرفة، وكان يوم جمعة، كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «لو أنزلت على معشر يهود لاتخذناها عيدا»، قالوا: ما هي؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، قال: «أما إني أعلم أين نزلت، وفي أي مكان نزلت، نزلت في يوم جمعة، في يوم عرفة، والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب»، أي في يوم عرفة يخطب، فنزلت هذه الآية العظيمة. وهذه الآية تكونت من ثلاث جمل، أي ثلاثة أمور، الأول قول الله عز وجل: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينًا﴾، إكمال هذا الدين العظيم، وأنه دين كامل، لا يحتاج إلى أن يضاف إليه شيء، أو أن يخترع فيه، ويبتدع فيه، بل هو دين كامل، كمله الله عز وجل، ونبينا عليه الصلاة والسلام في ذلك اليوم، قال لأصحابه: «ألا أبلغت؟»، قالوا: «قد بلغت يا رسول الله»، قال: «اللهم فاشهد»، وكان يشير إلى السماء، وينظر إليها، فكان يقول عليه الصلاة والسلام: «اللهم فاشهد، اللهم فاشهد»، أي أنه أتم الرسالة، وبلغها عليه الصلاة والسلام، أتم بلاغ، ولم يمت عليه الصلاة والسلام حتى أقام هذا الدين، وأقام الملة العوجاء التي كان عليها أهل الجاهلية، فجعل الله عز وجل هذا الدين كاملا، مكملا، لا نقص فيه أبدا. ثم قال بعد ذلك ربنا جل وعلا: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾، ومعنى ذلك أن عظم النعمة التي أتمها على هذه الأمة إكمالهم هذا الدين، وإنزال هذا الدين العظيم، فهي نعمة لا تحيط بها نعمة في عظمتها وقدرها، نعمة عظيمة هذا الدين العظيم الذي أنزله الله عز وجل على رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام، ﴿الْيَوْمَ أَتْمَمْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، فرضي الله عز وجل في هذا الدين العظيم الذي هو الإسلام، فليس هناك دين إلا الإسلام، ومن ينتغي غير الإسلام دينا فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين. فلهذا دين الله واحد لجميع الأنبياء، فليس هناك أديان، أو أديان سماوية، وأنها أديان لأنبياء، وكذا مما يقوله بعض الذين يدعون إلى التعايش وغيرها، وإنما دين الله عز وجل واحد، وهو دين الإسلام، ومن ينتغي غير الإسلام دينا فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين، سواء كان يهوديا، أو نصرانيا، أو من الفرق الباطلة التي اختلطت، ودعت إلى الإسلام، ثم خرجت منه، كالقاديانية، والنصيرية، والإسماعيلية، وغيرهم من هؤلاء أهل الباطل، وكذلك يتبع هؤلاء الرافضة الأشرار، فإنهم ليسوا على دين الإسلام، بل هم على دين أقرب ما يكون إلى دين اليهود، والعياذ بالله. فلهذا عباد الله، فإن هذا الدين العظيم هو أعظم نعمة أتمها الله عز وجل، فلهذا فإن الكلام في إتمام هذا الدين، وأصله، وهو توحيد الله جل وعلا، وعبودية الله سبحانه وتعالى، من أهم الأمور العظيمة التي كان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو إليها، بل الأنبياء، بل القرآن مليء بذلك، أي بتقرير توحيد الله جل وعلا، وعبادته سبحانه وتعالى، فلهذا فهذا الأمر ينبغي أن يهتم به، وليس كما يقول كثير من الناس أن الناس موحدون، وأن الناس كذا، صحيح أن أصلهم كذلك، لكن يجهل كثير من المسلمين أمورا قد توقعهم في خلاف هذا الدين، وتوقعهم في شرك بالله، والعياذ بالله. وقد أخبر نبي الله عليه الصلاة والسلام أن الشرك واقع في هذه الأمة، ولا مهالة، فقد جاء عند أبي داود من حديث ثوبان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى يلحق فئام من أمتي بالمشركين»، «حتى يلحق فئام من أمتي بالمشركين، وحتى يعبد الأوثان»، وجاء أيضا في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى تعبد اللات والعزة»، فهذا الحديث العظيم بين أن الشرك واقع في هذه الأمة. وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما خرجه الإمام مسلم عن أنس: «إن الشيطان أيس أن يعبده المصلون»، هذا يأس الشيطان، والشيطان لا يعلم الغيب، لكن لما رأى أن الناس توجهوا إلى دين الله جل وعلا، والناس توجهوا إلى توحيد الله، وصارت الجزيرة كلها تقع لله، ولدين الله، فإن الشيطان أيس أن يعبد بعد ذلك، لشدة تمسكهم بدين الله جل وعلا، فأيس أن يعبد شيطانا، لكن رضي بالتحريش، لكن أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، وخبره الصادق عليه الصلاة والسلام أن هذه الأمة ستقع فيما وقع فيه اليهود، والنصارى من الشرك، والتعظيم. وكذلك ستقع فيما كان عليه أهل الشرك من الشرك بالله جل وعلا، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أيضا في الصحيحين قال: «حتى تقوم الساعة، حتى تضطرب عليات آل دوس عند ذي الخلصة»، وذي الخلصة كان صنما يعبد في الجاهلية، فهؤلاء أو ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن نساء آل دوس، فإذا تزاحمن على عبادة هذا الوثن، عبادة هذا الصنم، أو الوثن، فصنم الذي يكون له صورة، أو الوثن الذي قد يكون بلا صورة، أنه مثل الأحجبة، والأحجبة القبور، وغيرها، فهذه وثن، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وتعبد أمم الأوثان»، «وتعبد أمم الأوثان»، كما تقدم في حديث ثوبان. فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بوقوع شرك، فكيف لا يقع؟ وأيضا لا يقال كما يقول بعض الناس أن هناك قضايا مهمة ينبغي أن يتكلم فيها أكثر من هذا التوحيد، هل هناك قضية أعظم من توحيد الله جل وعلا؟ فهذا الآن يقع فيه الشرك بعينه، وكذلك دعاء غير الله، وهذه الزيارات التي تحصل فيها ما لا يحصى كثرة من الناس، يتخذونها عادة، صحيح أن بعضهم لا يذهب إلى القبور، ولا يستغيث بها، ولا يدعو إليها، لكن يساعدهم في ذلك، وأيضا يعينهم في ذلك. والله عز وجل قد قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾، وقال ربنا سبحانه وتعالى في بعض المشركين الذين خرجوا إلى مكة، أو في بعض المسلمين الذين كانوا مستضعفين في مكة، ثم خرجوا مع المشركين، فقال الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾، ربنا جل وعلا هنا لم يعذرهم، وإنما بين أنهم مثل المشركين؛ لأنهم خرجوا يعينونهم، ولهذا بوب الإمام البخاري على هذه الآية: «باب من كثر سواد المشركين»، «باب من كثر سواد المشركين»، فذكر بعد ذلك أثر ابن عباس في هذه القصة: «أن أولئك خرجوا، وكثروا سواد المشركين»، فلهذا الذي يكثر سواد أهل الباطل فهو منهم، الذي يكثر سواد أهل الباطل معناه يعينهم على هذا الباطل. فلهذا ينتبه كثير من المسلمين، ومن يحب السنة، ويحب دين الله جل وعلا أن يذهب مع هؤلاء، ويعينهم؛ لأجل مثلا أشياء يقول أنها عادات، وكذا عادات، إذا كانت لا تتعلق بمثل هذه الأمور التي تخدش في توحيد الله جل وعلا، أو تخدش في دين الله سبحانه وتعالى، وتخدش أيضا كذلك في عقيدة الشخص، فلهذا جاءت الأحاديث الكثيرة التي بين النبي عليه الصلاة والسلام أن العبد يبتعد من هذا الباب، يبتعد من ما يقربه، أو ما يدخله في الشرك بالله جل وعلا، أو يكون وسيلة من هذه الوسائل التي قد تؤديه إلى الشرك بالله جل وعلا. وقد جاءت الأحاديث الكثيرة عن النبي عليه الصلاة والسلام، فقد كان نبي الله عليه الصلاة والسلام يدعو إلى التوحيد حتى في مرض موته عليه الصلاة والسلام، كما في الصحيحين في حديث عائشة، وابن عباس: «أن النبي عليه الصلاة والسلام لما نزل به، أي في مرض موته عليه الصلاة والسلام، كان عليه خميصة، غطاء يضعه على وجهه، فإذا اغتم كشفه، فكان يقول: «لعنة الله على اليهود، والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، يحذر ما صنعوا، قالت عائشة: «ولولا ذلك لأمر بقبره، لأجل لظهر قبره»، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا، وجاء بعضهم قرأها: «غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا»، فهذا الحديث العظيم قاله النبي عليه الصلاة والسلام، وهو في آخر موته، في مرض موته عليه الصلاة والسلام. وجاء أيضا في حديث آخر في حديث عائشة: «أن أم سلمة، وأم حبيبة ذكرتا للنبي صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتاها بالحبشة، تسمى مارية، وما فيها من الصور، وما فيها من الصور»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا، وصوروا تلك الصور»، أي بنوا بناء على قبره مسجدا، بنوا على قبره مسجدا، حتى يصلى في ذلك، أو مكان ذلك القبر، قال: «بنوا على قبره مسجدا، وصوروا تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله»، «شرار الخلق عند الله الذين يتخذون القبور مساجد»، كما جاء في حديث عبد الله بن مسعود عند أحمد. فلهذا فإن النبي عليه الصلاة والسلام حذر من هذا في آخر حياته عليه الصلاة والسلام، في حديث جندل بن عبد الله رضي الله عنه في صحيح مسلم: «أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك»، «فإني أنهاكم عن ذلك»، واتخاذ القبور مساجد إما بالصلاة عندها، أو بالصلاة إليها، أو ببناء المسجد الذي يصلى فيه عليها، أن هذه ثلاث مقامات المراد باتخاذ القبور مساجد. إما أن يصلى إلى القبر، وقد جاء في صحيح مسلم في حديث أبي مرثد الغنوي: «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلى إلى القبر، أو يصلى عليه»، وأيضا العذر الثاني: «أنه يتخذ عنده الصلاة»، يعني يصلى عنده عند القبر، وأمر الثالث: «أنه يجعل مسجدا مكانه فيصلى في هذا المسجد تبركا بصاحب هذا القبر»، تبركا بصاحب هذا القبر، فهذه ثلاث حالات، قال العلماء فيها معنى اتخاذ القبور مساجد، ولا شك أن هذه الحالات الثلاث كلها يفعلها أولئك الذين يقولون أننا أو يعظمون هذه القبور كتعظيمهم للمساجد، للمساجد، بل يقولون أن أماكن القبور، أو قبور الأولياء أعظم من المساجد، بل بعضهم يقول أن هناك إجماع من أهل العلم: «أن قبر النبي عليه الصلاة والسلام أفضل من العرش، وأفضل من الجنة، وأفضل من كل بقعة في الدنيا، والآخرة»، وهذا كلام قاله بعض ممن تعلق بالقبور، وهذا لا صحة له. النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «أفضل البقاع عند الله المساجد»، ولا شك أن قبر النبي صلى الله عليه وسلم عظيم، وأيضا ليس هذا من عدم تعظيمه عليه الصلاة والسلام، بل أهل السنة يعظمون النبي عليه الصلاة والسلام تعظيما شرعيا، على ما أراد الله عز وجل، أما الغلو في الألفاظ، أو في الأفعال تجاه النبي عليه الصلاة والسلام التي لم يأت بها شرع، بل حذر منها النبي عليه الصلاة والسلام، فإنهم لا يقربونها، فالنبي عليه الصلاة والسلام حذر حتى من الغلو في الألفاظ، فقال: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله، ورسوله»، فلهذا عباد الله، فإن اتخاذ هذه القبور مساجد من أعظم الفتن التي ابتليت بها هذه الأمة. ولا شك أن هذه الزيارات يحصل فيها شيء من هذا الذي نهى عنه نبينا عليه الصلاة والسلام من دعاء هذه القبور، ومن الاستغاثة بهم، وكذلك التمسح في قبورهم، وكذلك الطواف على قبورهم، وكل هذه الأشياء غير مشروعة، بل بعضها شرك، كما هو الدعاء، دعاء صاحب القبر لجلب منافع، وقضاء الحاجات، فإن هذا من الشرك بالله جل وعلا؛ لأن هذا يختص بالله سبحانه وتعالى، لا يطلب إلا من الله جل وعلا، كيف يطلب من المخلوق الذي لا ينفع نفسه؟ ربنا جل وعلا قال لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾، وهو رسول الله عليه الصلاة والسلام، فكيف بغيره أن يجعل هذا الميت الذي لا يملك لنفسه نفعا، ولا ضرا، فيدعى من دون الله، ويستغاث به، ويتبرك بترابه، وكذلك يتمسح في قبره؟ ولهذا قال الإمام النووي رحمه الله كما في كتابه «الأذكار»، وكذلك في «المجموع»: «أن العلماء اتفقوا على أنه لا يطاف بالقبر، ولا يقبل، ولا أيضا كذلك يمسح بالبطن به»، بل يبتعد عنه، بل قال في زيارة قبور غير النبي صلى الله عليه وسلم: «معنا يتكلم كان في زيارة القبور»، فقال: «ولا يطاف بها، ولا يقبل القبر، ولا يتمسح»، فإن هذا من أفعال النصارى، فإن هذه من أفعال النصارى، فهذا إمام من أئمة الشافعية رحمه الله يبين أن هناك في زيارات ما لا يجوز أن يفعل، ومن ذلك الطواف على القبر، وهذا لا شك أنه يفعل، وقد رأيناهم بأم عيننا أنهم يطوفون بالقبر، وكذلك التمسح، ومن نظر إلى القبور التي تزار العادة يجد سوادا عظيما لكثرة من يمس هذا القبر. وكذلك التقبيل، فإن هذه الأفعال يفعلونها أولئك، وتفعل إلى الآن في مثل هذه الزيارات، ولا شك أن الزيارات هناك ما هو مشروع، معلوم أن أهل السنة قد بينوا أن الزيارات على أقسام، وعلى أنواع، زيارة شرعية للقبر، وزيارة بدعية، وزيارة شركية، أما زيارة شرعية فهي كما قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله: «زيارة القبور مثل أو قال كالصلاة عليهم»، «زيارة القبور الشرعية كالصلاة عليهم»، وقال الإمام النووي رحمه الله كما في «المجموع»: «قال وزيارة القبور إنما ينتفع بها الموتى، ولا ينتفع بها الأحياء»، وهذا كلام واضح، «زيارة القبور إنما ينتفع بها الموتى»، ينتفعون بماذا؟ بدعاء الأحياء، وقال شيخ الإسلام: «أن زيارة القبور زيارة القبور الشرعية كالصلاة على الموتى»، أو كالصلاة على الجنازة، أنا مثل ما أتصلي على الجنازة، أستغفر لما أتصلي على الجنازة تدعو للميت، تدعو للميت، وتخلص له الدعاء، فكذلك أيضا إذا جئت إلى زيارة القبور تسلم عليهم، وتنعى لهم فقط. كما قال الإمام النووي: «الميت ينتفع بها، وليس الأحياء الزائر لا ينتفع من المزور»، بل هذا الذي يعتقده الآن هؤلاء الذين تعلقوا بالقبور، يعتقدون أن هذا الحي هو الذي ينتفع بزيارته بهذا الميت، لهذا دائما يكررون: «ونفعنا الله ببركتهم، ونفعنا الله بزيارتهم»، وإذا زرت القبر الفلاني فتمنى يتحقق لك كذا، وكذا، وكانوا قديما أيضا ينشرون قولهم: «قبر فلان ترياق مجرب»، أنا يقول: «القبر الولي الفلاني ترياق»، أي علاج مجرب، أنا إذا عرفت شيء فيك مرض فيك كذا، اذهب إلى القبر الفلاني، فإنه مجرب، وهذا عين الإلحاد، والمضاد لشرع الله جل وعلا، فإن الله عز وجل يقول: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾، ويقول الله عز وجل: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾. قل: «ادعوا الذين زعمتم من دونه»، «لا يملكون كشف الضر عنكم، ولا تحويله»، «أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب، ويرجون رحمته، ويخافون عذابه»، كيف أنتم هؤلاء الذين تدعونهم يتقربون بالله إذا كانوا من أولياء الله الصالحين؟ فكيف أنتم تدعونهم من دون الله، وتطلبون منهم، وهم يطلبون من الله أصلا؟ فلهذا ربنا جل وعلا تحدى هؤلاء الذين يعتقدون أن غير الله يشفي مرض، وغير الله يكشف الضر: «قل ادعوا الذين زعمتم من دونه»، «فلا يملكون كشف الضر عنكم، ولا تحويله»، «أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب، ويرجون رحمته، ويخافون عذابه»، كيف أنتم تدعونهم من دون الله؟ وقال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾، وهذه الآية يقول الإمام أنها قطعت عروق الشرك، «قطعت عروق الشرك»، الله عز وجل لم يجعل لهم مجالا أبدا يدخلون إليه، فقال الله عز وجل: «قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله»، «فلا يملكون مثقال ذرة في السماوات، ولا في الأرض»، «ما لهم شيء أبدا»، «ما لهم تصرف أبدا»، ما يقول الواحد: «القبر الفلاني له تصرف، له غوض، له كذا»، هذا كذب، يتصرف هذا الله عز وجل، منع، «لا يملكون مثقال ذرة»، معنى شيء، أو حقير، ما يملكون، «ما يملكون مثقال ذرة في السماوات، ولا في الأرض»، «وما لهم فيهما من شرك»، أيضا ليس لهم أبدا شيء حتى يشركوا مع الله عز وجل، وحتى تصرف لهم العبادة كما تصرف لله عز وجل، ليس لهم شيء أبدا، قال: «وما له منهم من ظهير»، أي لا أحد يعاونه، ولا أحد يكون عونا له، أو ظهيرا له. بل ربنا سبحانه وتعالى متفرد بالخلق، والأمر سبحانه وتعالى، لا يكون أحدا يعاون الله عز وجل، لا كما يقول هؤلاء: «أعوان، وأوتاد»، يقول: «الأعوان، وأوتاد الله»، «وأنه يعاونون الله عز وجل في ملكوت السماوات، والأرض»، تعالى الله عز وجل عن قولهم علوا كبيرا، هذا يقولون في كتبهم، ويتفوهون به على أن هذا حسن، ظنا من الأولياء، وهو أنهم يعتقدون أنهم يتصرفون، ولهذا يقولون: «فلان غول»، ما معنى غول؟ أي أنه يغولك، ويتصرف في هذا الكون كتصرف الله عز وجل، بل وهذه عقيدة خائسة، وعقيدة أيضا أخبث من عقائد أهل الشرك قديما، الله عز وجل ذكر عن أهل الشرك أنه قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَدْبُرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾، وهم أهل الشرك، لكنهم لما يقال لهم: «من الذي يدبر الأمر؟»، يقولون: «الله»، لكن هؤلاء يقولون: «هؤلاء أعوان مع الله جل وعلا»، تعالى الله عز وجل عن قولهم علوا كبيرة. بل ولهذا تجدهم كثير من الروافض، ومن القبورية الذين تعلقوا بأهل القبور أكثر دعائهم يدعون الأموات، يدعون الأموات، وإن ذكروا، وإن ذكروا ذكروا الله، أما الدعاء فغالب دعائهم للأموات؛ لأنهم يظنون أن دعاء الأموات أفضل من دعاء الله عز وجل مباشرة، وهذا من تغرير الشيطان، فلهذا كما قلنا الزيارة الأولى، الزيارة الشرعية، والزيارة الشرعية هي التي ينتفع بها الميت، ينتفع بها الميت، كما كان يفعل نبي الله عليه الصلاة والسلام، يأتي إلى زيارة القبور، ويزورهم، حتى في الليل يخرج، كما قالت عائشة رضي الله عنها: «كما قالت في صحيح مسلم يخرج ليلا إلى البقيع، ويسلم عليهم، ويدعو لهم»، وأيضا كذلك لما سألته عائشة عن من زار قبر القبور نادى يقول قال يقول: «السلام عليكم أهل ديار قوم مسلمين»، ولهذا قال أيضا شيخ الإسلام: «قول النبي عليه الصلاة والسلام: «سلام أهل ديار قوم مسلمين»، «أهل ديار قوم مسلمين»، يبين أن هؤلاء مثل الأحياء، يسلم عليهم مثل الأحياء، كما أنك تسلم على الأحياء، تسلم أيضا على الميت»، فقال: «السلام عليكم أهل ديار قوم مؤمنين إن شاء الله نحن وبكم لاحقون»، ثم يدعو لهم عليه الصلاة والسلام، فهذه كانت الزيارة الشرعية. حتى في قول النبي عليه الصلاة والسلام لم يأت عن أحد من الصحابة أنه كان يقول غير السلام، أن يأتون يسلمون على النبي صلى الله عليه وسلم، جاء عن عبد الله بن عمر، حتى قال الإمام ابن عبد البر: «أنه لم يأت عن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن من التابعين من المشهورين أحدا أنه كان يأتي قبر النبي صلى الله عليه وسلم في زيارة، أو في كذا»، وإنما كانوا إذا جاء من سفر جاء إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وسلم، فيقول: «السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبي أي عمر»، ثم يمضي، ولهذا قال إمام أهل الهجرة الإمام مالك رحمه الله: «أحب للرجل إذا جاء إلى قبر النبي أن يسلم، ويمضي»، «أن يسلم، ويمضي»، ومالك رحمه الله من أكثر الناس معرفة لما كان عليه سلف الأمة، ولما كان عليه أهل المدينة خاصة. ولهذا كان عنده أصل من أصول الشريعة: «أن الأخذ بأعمال أهل المدينة»، فلهذا يعرف أنه ما كان حجته للقبر، كان الصحابة يزهدون عن القبر، يبعدون عن القبر؛ لأنهم يعلمون أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول: «لا تجعلوا بيوتكم قبورا، وصلوا فيها»، هذا الحديث في الصحيحين جاء عن عائشة، وجاء أيضا من حديث زيد بن ثابت، قال: «لا تجعلوا بيوتكم قبورا؛ لأن القبر لا يذكر الله فيه، ولا يصلى فيه»، قال: «لا تجعلوا بيوتكم قبورا، وصلوا فيها؛ لأن القبور لا يصلى فيها»، فلهذا القبور أقصد لا يصلى فيها، فلهذا لا تجعل بيتك مثل القبر. وأيضا جاء أيضا كذلك في «المرأة»، وغيره: «أن أنسا صلى عند قبر، وهو لا يعلم»، فقال له عمر رضي الله عنه: «يا أنس القبر»، قال أنس: «فنظرت إلى السماء ظننت أنه يقول لي: القمر»، فقال عمر رضي الله عنه: «إنما أقول القبر»، قال: «فلما رأيت ابتعدت عنه»، قال ثابت رضي الله عنه: «وكان أنس قد عمي»، قال ثابت: «فكان أنس يقول لي: ابعدني عن القبر إذا صليت»، يقول له: «ابعدني عن القبر»، أي قبر النبي صلى الله عليه وسلم، يقول له: «ابعدني، لا تجعلني عند القبر، اجعلني بعيدا من القبر»، فلهذا فالصحابة رضي الله عنهم ما كانوا يعرفون مثل هذه الأشياء. ومن الغريب الذي سمعناه في تعليق بعض الناس في النهي عن الزيارات، مثلا قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة: «لا تجعلوا قبري عيدا»، بعضهم فسروا هذا الحديث: «لا تجعلوا قبري عيدا»، أي لا تجعلوا عيدا من سنة إلى سنة، أو من شهر إلى شهر، أو في أسبوع، وإنما زوروني ما بدا لكم، أنا هكذا فسروا، وهذا التفسير أعود، لو كان هذا التفسير لكان الصحابة رضي الله عنهم مثل الناس في هذه الزيارات، أنهم دائما يزورون، لكنهم لم يفعل أحد شيء من هذا أبدا، ولم يأت أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حث على زيارة قبره»، فضلا عن زيارات قبور، أو أناس معينين، زيارات قبور، أو أناس معينين، ليس هناك في الشريعة زيارة قبر معين أبدا، لم يأت نص في زيارة قبر معين أنه يزار هذا القبر. وإنما التي جاءت في الأحاديث: «زيارة القبور مطلقا»، معنى ليس