الدرس في التعليق على رسالة نصيحتي لأهل السنة 2، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يبرز المقطع مكانة العلماء كورثة للأنبياء ووجوب اتباع نصائحهم، ويؤكد أن الأخوة الإيمانية بين أهل السنة أقوى من رابطة النسب مستدلاً بالآيات والأحاديث. كما يشير إلى منهج التصفية قبل التربية كأساس لبناء الفرد المسلم السليم.
يشدد المقطع على ضرورة تنقية العقائد والعبادات من الشرك والبدع ثم التربية على التوحيد والسنة النبوية الصحيحة، مع التحذير من الغثائية وحب الدنيا. ويبين أن فتنة هذه الأمة المال، وأن الزهد والعناية بالآخرة هما سبيل النجاة والفوز.
يحذر المقطع من فتنة التنافس الدنيوي التي تفرق الجماعات وتفسد طلبة العلم، مستشهداً بالآيات والأمثال البيانية الدالة على خطورة ذلك. ويؤكد أن العلم النافع هو ما خُص لله وعُمل به، داعياً لدراسة العقيدة السلفية من مصادرها المعتمدة وإتقان علوم الآلة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، أيها الأحبة في الله، هذا المجلس هو مجلس علمي نتذاكر فيه ما سبق معنا الكلام عنه حول رسالة مختصرة ونصيحة قيمة لشيخنا الألمعي أبي عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. وهذه الرسالة التي سبق معنا الكلام عنها هي بعنوان: «نصيحتي لأهل السنة بالتآلف وجمع الكلمة». قال الإمام الحسن البصري رحمه الله تعالى: «يا أهل السنة، يا أهل السنة، ترفقوا؛ فإنكم أقل الناس». يا أهل السنة، ترفقوا، أي: ليرفق بعضكم ببعض. قال: «فإنكم أقل الناس». وكما سبق يا إخوان في المجلس الماضي، أن نصائح العلماء هذه يستفاد منها؛ هي عبارة عن خبرات، وهكذا عصارة تجارب مر بها هؤلاء الأعلام. وربنا عز وجل يقول: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]. ماذا بعدها؟ قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣]. وربنا عز وجل يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]. والعلماء يا إخوان، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: «هم ورثة الأنبياء». قال: «وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر». ولهذا قيل: العلم ميراث النبي، كذا أتى بالنص، والعلماء هم وراثه: ما خلف المختار غير حديثه ** فهو فينا متاعه وأثاثه العلماء أحبتي في الله هم الموقعون عن الله عز وجل، هم الموقعون عن الله عز وجل. ولهذا ألف الإمام شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله تعالى كتابًا حافلًا يقع في أربعة أجزاء، أربعة مجلدات، بعنوان: «إعلام الموقعين عن رب العالمين». وشيخ الإسلام ابن تيمية ألف كتابًا حافلًا بعنوان: «رفع الملام عن الأئمة الأعلام». والعلماء في الأرض كالنجوم في السماء، هكذا قال عبد الله بن محرز رحمه الله تعالى: «قال العلماء في الأرض كالنجوم في السماء، إذا بدت للناس اهتدوا، وإذا خفيت عليهم تحيروا». تحيروا الناس، الناس يا إخوان: إذا كانوا في ظلمات البر أو البحري يهتدون بالنجوم، كما قال تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ ۚ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦]. وإذا خفيت هذه النجوم عليهم تحيروا، لا يدرون أين يتجهون، يمنة أو يسرة. وهكذا الناس في الأرض: تأتي الفتن وتنزل النوازل، فينتظر الناس توجيه العلماء، توجيه العلماء. والعلماء يا إخوان، العلماء بما آتاهم الله من علم، فهم يبصرون الفتن، يبصرون الفتن وهي مقبلة، لا تزال بعيدة. العالم يبصرها ويفندها ويحذر الناس منها، بينما عامة الناس ومن حرم العلم، هذا لا يبصر الفتنة إلا إذا ولت، إذا أدبرت. يقول: نعم، نعم، هذه فتنة، ويا ليتنا ما خضنا، وأصبح الذين تمنوا مكانهم بالأمس يقولون: ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ ۚ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا﴾ [القصص: ٨٢]. لخسف بنا. لكن العلماء ماذا يحذرون؟ يحذرون من الفتن وهي مقبلة، وهي مقبلة. ونصائح العلماء يا إخوان ينبغي أن تأخذ بعناية واهتمام. ومن هذا ما نحن بصدد الحديث عنه من هذه النصيحة، من شيخنا الإمام العلامة المحدث أبي عبد الرحمن مقبل بن هادي بن مقبل الوادعي، رحمه الله تعالى وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين، ولوالدينا أجمعين. وسبق معنا يا إخوان مقدمة في المجلس السابق حول هذه النصيحة، وما استفتح به شيخنا رحمه الله تعالى هذه النصيحة من توجيهات رصينة، وهكذا نافعة ومفيدة. وماذا؟ والشيخ رحمه الله تعالى، الشيخ رحمه الله تعالى بدأ هذه النصيحة العظيمة بأول هذه التوجيهات: بالإخلاص لله عز وجل. ثانيًا: التحلي بالصبر، على الصبر. وهكذا ثالثًا: المراقبة في التقوى لله عز وجل. والأمر الرابع الذي نصح به هو الصحبة فيما بينهم، أي أهل السنة. آه، ماذا؟ أهل السنة يكونون كما وصف ربنا عز وجل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]. رحماء بينهم. لو حصل بينك وبين زميلك، أو بينك وبين أخيك، حصل خلاف أو حصل خصام، تذكر هذه الآية، وقول الله عز وجل: ﴿رُّحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾. وكما جاء في حديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد». لاحظوا: مثل الجسد. قال: «إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر». يعني يمرض الشخص في سن من الأسنان، تجد الرأس ماذا؟ صداع، والأطراف حمى شديدة وألم شديد. ما يقول اليد: «ما لهذا السن» لا. «إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر». المسلم يا إخوان مع أخيه كما قيل: مثله كمثل العين واليد، كمثل العين واليد. إذا اشتكت اليد ماذا؟ دمعت العين. وإذا دمعت العين مسحتها اليد، اليد تمسح هذا الدمع. وهكذا المؤمنون، رحماء، رحماء بينهم، رحماء بينهم. ولاحظوا يا إخوان: رابطة الأخوة الإيمانية هذه رابطة متينة وقوية. رابطة الأخوة الإيمانية هذه أعظم من رابطة النسب، أعظم من رابطة النسب. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]. فأصلحوا بين أخويكم. وللأسف يا إخوان، تأتي أزمنة وتمر أحوال بأهل الإيمان، تضعف هذه الأخوة التي هي التي هي بينهم. أيضًا مما مر معنا من هذه النصائح: نصيحة عظيمة بعنوان «التصفية والتربية». التصفية والتربية. والتصفية يا إخوان قبل التربية، كما قيل: التخلية ثم ماذا؟ أولاً التخلية ثم التحلية. أنت لو عندك جرح يحتاج إلى علاج، الطبيب ماذا يصنع؟ هل يأتي مباشرة ويسكب العلاج؟ الجواب: لا. أولاً يقوم بتصفية هذا الجرح، وهذه التصفية يكون معها ماذا؟ في الغالب معها ألم، معها وجع، يتطلب من المريض أن يصبر وأن يتحمل. فبعد التصفية يأتي ماذا؟ يأتي التربية، وتأتي كذلكم أيضًا التحلية. وكم هي مجتمعات المسلمين تحتاج إلى تصفية العقائد الفاسدة التي انتشرت في أوساط الأمة، في أوساط الأمة، من التعلق بالأضرحة والقبور، تعلق بالأضرحة والقبور، الزيارات الشركية والبدعية، الذهاب إلى السحرة والكهنة والمنجمين والعرافين. كم يا إخوان من يأتي هؤلاء المفسدين ممن يطلب شفاء المريض، أو إنجاب الأولاد، أو جلب الأرزاق، أو عودة الغائبين، أو غير ذلك؟ زحام على أبواب هؤلاء المشعوذين. كم يا إخوان هي الأمور التي تحتاج إلى تصفية: عبادات دخلتها بدع ومحدثات. جد الواحد إذا أراد أن يؤذن يتمتم لبعض الأشياء، من أين أتى بهذا؟ والنبي صلى الله عليه وسلم قد علم بلالًا وغيره من المؤذنين كيف يؤذن. إذا أراد أن يصلي لربما أتى بأشياء زائدة ما أتى بها النبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا في الصيام، وهكذا في الحج، وهكذا في غيرها من العبادات تحتاج إلى تصفية. وهكذا أيضًا في غيرها من الجوانب والسلوكيات الأخرى: المعاصي والمخالفات الموجودة في أوساط الأمة تحتاج إلى تصفية. العلم يا إخوان، وما أدراك ما العلم؟ كم دخل فيه من الأحاديث الموضوعة والضعيفة، وأصبح لها أثر سيئ في حياة الأمة، في حياة الأمة، تحتاج إلى تصفية. وهكذا غيرها من الجوانب الأخرى. فإذا حصلت هذه التصفية أتى دور التربية: أن يتربى المسلمون على الإسلام الصافي النقي، على العلم النافع، على التوحيد الخالص، على المعتقد الصحيح، الصحيح، على المعتقد الصحيح. وماذا؟ والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو الأسوة والقدوة في ذلك، فكان يصفي ويربي. في حديث ماذا؟ في قصة غزوة حنين، حديث غزوة حنين: لما مر المسلمون بالمشركين ولهم سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط. فقال حدثاء عهد بجاهلية، بكفر: «يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «قلتم والذي نفسي بيده كما قال بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ۚ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨]». ثم قال: «لتركبن سنن من كان قبلكم». يقول رجل من المسلمين: «ما شاء الله وشئت يا رسول الله». هنا عقيدة يجب أن تصحح. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أجعلتني لله ندًا؟ قل: ما شاء الله وحده، قل: ما شاء الله وحده». وهكذا لما قالت تلك المرأة، أو لما قالت هاتان المرأتان: «وفينا رسول الله يعلم ما في غد». قال: «لا يعلم ما في غد إلا الله». «عودا إلى ما كنتما تقولان»، أي: من الكلام الطيب، ابتعدا عن الكلام الذي الذي لا يجوز. فأصل التربية، وهكذا قبله التصفية، هذا أصل عظيم. ولهذا يا إخوان، دعوة أهل السنة لا تقبل الغثائية، لا تقبل الغثائية. فهم أهل اجتماع، لكنه على سنة، على سنة. وهكذا هم أهل سنة مجتمعون على على الكتاب، وهكذا أيضًا على السنة. والشيخ رحمه الله تعالى ذكر عند هذه النصيحة ذكر بعض النكبات التي أصابت الأمة بسبب الغثائية وعدم التصفية والتربية في مجتمعاتهم: كقصة ابن العلقمي، وهكذا مثلها قصة نصير الدين الطوسي، وخيانتهما للخلافة العباسية، فأصبحت نكبة الخلافة العباسية بسبب هؤلاء المدسوسين في أوساط المسلمين، في أوساط المسلمين. ويا ربنا تبارك وتعالى قال لأهل الإسلام محذرًا لهم من اندساس المنافقين: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٧]. خرجون يا إخوان مع المسلمين في الغزوات، لكن لماذا؟ لكي يحدثوا الفتن، ولكي يضعفوا همم المسلمين. قال الله عز وجل: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون: ٤]. قاتلهم الله أن يؤفكون. وهكذا أيضًا ينبغي على المسلمين أن يحذروا من ذلك. أيضًا ذكر النصيحة السادسة، ألا وهي: عدم الاهتمام بحظوظ الدنيا. الدنيا، الدنيا، هذا يا إخوان فتنة، الدنيا هذه مليئة بالفتن. ولهذا حذرنا ربنا عز وجل منها، حذرنا ربنا عز وجل منها: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، أو قال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا﴾ [الكهف: ٤٥]. ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: ٤٦]. وخير أملا. وهكذا أيضًا ذكر الشيخ رحمه الله تعالى تحت هذه النصيحة من الآيات والأحاديث ماذا؟ ما يدل على أن الاهتمام بحظوظ الدنيا يسبب الخسارة، والزهد في هذه الدنيا والعناية بالآخرة هو سبيل الفوز عنده سبحانه. قال سادسًا: عدم الاهتمام بحظوظ الدنيا. قال: فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال». لكل أمة فتنة، قال: «وftنة أمتي المال». وهذا الحديث أخرجه الترمذي وغيره من حديث كعب بن عياض رضي الله تعالى عنه، وصححه الشيخان: الألباني وشيخنا الوادعي، رحمة الله عليهما. قال رحمه الله تعالى: قال بل الله تعالى يقول: ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ۚ ذَٰلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ﴾ [النجم: ٢٩-٣٠]. وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨]، أي: وجه الله عز وجل. ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم». وقال وقال تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: ١٩٦-١٩٧]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١]. قال: وما أكثر الجماعات التي تفرقت، قال: وما أكثر الجماعات التي تفرقت بل ذابت من أجل حطام الدنيا. فإن لله وإن إليه راجعون. ولنا عبر يا إخوان بغيرنا من هذه الفرق التي تنافست على الدنيا فتمزقت وتفرقت، بل ذهبت كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۚ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦]. ما معنى ريحكم ها هنا يا حديفة؟ قوتكم. واصبروا إن الله مع الصابرين. والدنيا هذه يا إخوان، الدنيا كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، كما أخبر عليه الصلاة والسلام: «ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تفتح عليكم كما فتحت على من قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم، كما أهلكتهم». قال رحمه الله تعالى: قال بل، وما أكثر طلبة العلم الذين كانوا مستفيدين، كانوا وكانوا فعل ماذا؟ كانوا يا يوسف، فعل ماذا؟ فعل ماض: كانوا، أي في الماضي كانوا مستفيدين، ويرجى ويرجى أن ينفع الله بهم الإسلام والمسلمين. فوسوس لهم الشيطان ويخدعهم عن طلب العلم. وصدق الله إذ يقول: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٨]. والله واسع عليم. كم يا إخوان فسد من فسد، ليس من أهل الدنيا فحسب، بل ربما ممن يشار إليه بالبنان، ممن طلبوا العلم ونالوا منه حظًا، وينتظر الناس منهم الفائدة، الفائدة. فلما دخلوا في هذه الدنيا وتوسعوا فيها وتنافسوا عليها، صار ما صار. وكان شيخنا رحمه الله تعالى يمثل بمن انخلطوا في تلك الجماعات الحزبية، ودخلوا في تلك الجمعيات التي تدعي أنها خيرية: كجمعية الإحسان، وجمعية الحكمة، وجمعية الإصلاح والبر، وإحياء التراث، وغيرها. لاحظوا: أسماء براقة، تسر الناظرين وتغري، تغري الطامعين. فدخلوا في هذه الجمعيات من أجل الدنيا، من أجل الدينار والدرهم، ففسد حال الكثير منهم. وكان شيخنا الوادعي رحمه الله تعالى يتمثل بقول القائل: لما امتلأ أفقدنا نفعه ** وتلك من شيمة بيت الخلا نغدو إليه إذا ما غدا فارغًا ** وما به نفع إذا ممتلأ يقول: طالب العلم هذا يكون فقير، سكين، وما عنده ذاك العلم. فلما يتعلم ويستفيد وينتظر الناس منه العلم والفائدة، هنا يذهب وراء الدنيا، يلهث خلفها، فلا ينتفع الناس به. «لما امتلأ استفاد أفقدنا نفعه، وتلك من شيمة بيت الخلا». ما هو بيت الخلا يا شامل؟ شامل، ما هو بيت الخلا؟ ما هو بيت الخلا؟ آه، الإشي، قل يا أبا عبد الله، أنت ما تسمع؟ نحن من بابي أولى ألا نسمع. ارفع يا شامل. بيت الخلا ما هو؟ تريد أشير إليه؟ أنا سأشير إليه. بيت الخلا: الحمام. أحسنت. بيت الخلا أي الحمام. لما امتلأ، لما تأتي باب حمام مليان إلى أعلى، هل ستدخل؟ الجواب: لا، ستغلقه وتحذر أي واحد يقترب منه. «لما امتلأ أفقدنا نفعه، وتلك من شيمة بيت الخلا، نغدو إليه إذا ما غدا فارغًا، وما به نفع إذا ممتلأ». وهكذا وصف من إذا استفاد وتعلم ذهب يلهث خلف الدنيا. «وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا» [الأعراف: ١٧٥]. انظر كيف بعد أن يتعلم. «مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا» [الجمعة: ٥]. بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله. إذا العلم نفيس يا إخوان، وفضله عظيم، لكن إذا كان لله ومن أجل الله، وصاحبه يعمل به ومستقيم عليه. ومتى ما انحرف وتغيرت النوايا وأصبح لا يعمل به، انظر يسقط من أعلى إلى أسفل. مثله الله عز وجل بالحمار الذي يحمل أسفارًا. يا فاروق، ما هي الأسفار؟ حمارًا أو حمار يحمل أسفارًا، ما هي الأسفار؟ قالوا: وعند الشيخ أسفار مجلدة ولكن ما قرأها. ما هي الأسفار؟ ال، يا محمد بن زكي، ما هي الأسفار؟ ما هي الأسفار؟ وعند الشيخ أسفار مجلدة ولكن ما قرأها، فعلها منظر بس. إذا في حلقة مصورة قد يجعلها خلفه: فتح الباري، شرح مسلم، تفسير ابن كثير، البداية والنهاية، لكن عليها الغبار، وقد نسجل عنكبوت عليها، عليها بيتًا. فما هي الأسفار؟ الكتب. نعم الكتب. وماذا؟ مثله ربنا عز وجل بيئة الكلب، قال: «فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ» [الأعراف: ١٧٦]. إذا مثل من، مثل الذي يتعلم ويترك العلم، ولا يعمل، ولا يعمل به. يا إخوان، ليس هناك شيء ضر على طالبي العلم من هذه الدنيا. وليس معنى هذا أن طالب العلم ما يجوز أن يكون معه مال، لا يجوز. أبو بكر كان تاجر، وعمر كان تاجر، عثمان كان تاجر، وغيرهم من المهاجرين والأنصار. ليس معنى هذا أن طالب العلم حرام أن يكون معه سيارة أو دراجة أو بيتًا أو زوجة أو عملًا ومصنعًا، لا يجوز. لكن هذه الأشياء لا تكن في قلبه، ولا تكن سببًا لضياعه وفساده وتركه للعلم وتحصيله. قال سابعًا: قيام مجموعة من العلماء لتفقد أحوال جميع أهل السنة في جميع البلاد الإسلامية، لتعليم الجاهل، ودفع شبهات الملبسين، وتثبيت أهل السنة على السنة، وإنشاء حلقات في بيوت الله، في المساجد، يدرس فيها كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وما يحتاجان إليه من الوسائل. الكتاب والسنة تعلمه، ما يحتاج إلى وسائل. وهذه الوسائل تسمى ماذا؟ هذه الوسائل ماذا تسمى يا أبا مريم؟ لو تدرس الكتاب والسنة يتطلب منك أن تتعلم أشياء لكي تفهم القرآن والسنة، هذه تسمى ماذا؟ علوم، علوم ماذا؟ علوم الآلة. أحسنت. مثل ماذا؟ علوم الآلة يا إخوان، يا أبا خالد: النحو. زد: البلاغة. زد: صرف. نعم، من يزيد؟ يا خان علي: المصطلح، أصول الفقه، قواعد، أصول التفسير، وغيرها كثير مما يحتاجه طالب العلم. قال: وما يحتاجان إليه من الوسائل كاللغة العربية، مع الاهتمام بدراسة عقيدة أهل السنة والجماعة من كتب أهل السنة والجماعة، كالسنة لعبد الله بن أحمد بن حنبل، والشريعة للآجري، والتوحيد لابن خزيمة، والسنة، والسنة لابن أبي عاصم، والسنة لمحمد بن نصر المروزي، وغير هذه الكتب التي ألفها علماؤنا رحمهم الله تعالى. طيب، نكمل إن شاء الله عقب الأذان. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.