الدرس في التعليق على رسالة نصيحتي لأهل السنة 1، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يستهل المحاضر بشرح رسالة الشيخ مقبل بن هادي الوادعي مبيناً مكانة الشيخ وأهمية نصائح العلماء. ثم يقرأ الوصايا الأربع الأساسية: الإخلاص لله، والصبر، والتقوى، والصحبة الصالحة مستدلاً لها بآيات قرآنية.
يؤكد المقطع على أصل التصفية والتربية كمنهج لتنقية العقائد والعبادات من الشوائب والبدع. ويحذر من أن وجود المبتدعين في صفوف الحق قد يكون نكبة، مستشهداً بخيانة ابن العلقمي ونصير الدين الطوسي التي أدت لسقوط بغداد.
ينقل المؤلف كلام شيخ الإسلام في الرد على فيلسوف ملحد أنكر صفات الله والمعاد وسعى لاستبدال القرآن بفلسفة ابن سينا. ويحذر من اندساس المنافقين في صفوف أهل السنة مؤكداً وجوب الرجوع إلى علماء البصيرة الحقيقيين.
يختتم الشيخ مقبل بن هادي الوادعي نصيحته مؤكداً احتواءها على النصح والحكمة وما يحتاجه الجميع. ويبشر باستكمالها في مجلس لاحق مختتماً بالصلاة على النبي والحمد لله.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم ومن والاه. أما بعد، أيها الأحبة في الله، هذا المجلس المختصر أحببت أن أتذاكر فيه رسالة مختصرة قيمة، ألا وهي لشيخنا الألمعي أبي عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين، ألا وهي رسالة بعنوان: «نصيحتي لأهل السنة». نصيحتي لأهل السنة، وشيخنا الوادعي رحمه الله تعالى لا يخفى على الجميع؛ فهو من أعلام هذه الدعوة السلفية المباركة، وقد سبق معنا في مجالس ماضية الكلام حول صفحات مضيئة من حياته وترجمته ضمن «شدرات البلاتين في تراجم علمائنا المعاصرين». والشيخ رحمه الله تعالى توفي في عام 1422 من الهجرة. هذه الرسالة -كما سمعتم- بعنوان «نصيحتي لأهل السنة»، ونصائح العلماء يا إخوان نصائح قيمة نافعة مفيدة، لا يستغني عنها طلاب العلم بل ولا عامة المسلمين. فربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 83]. فصائح العلماء هي عبارة عن خبرات وعصارات من الجهود والتجارب التي مرت بهم رحمة الله عليهم. وحسب في هذه الرسالة أن أقرأ مع التعليق على ما يحتاج إلى تعليق مختصر. قال رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم، «نصيحتي لأهل السنة». وهذه النصيحة يا إخوان طبعت مستقلة في رسالة مختصرة جداً، وهكذا طبعت ضمن رسائل شيخنا الوادعي رحمه الله تعالى كما في كتابه «غارة الأشرطة على أهل الجهالة والسفسطة» وهو في مجلدين. كانت هذه الرسالة وهذه النصيحة عبارة عن كلمة جامعة تشمل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع حسن القصد للمنصوح ومحبة الخير للمنصوح له. قال رحمه الله تعالى: «نصيحتي لأهل السنة في هذا الوقت العصيب الذي تتآمر فيه قوى الشر كلها على إبادة أهل السنة ودعوتهم؛ لأنها هي الوحيدة التي تواجه الشر وتدحضه على بصيرة. قال: أتقدم بنصيحتي هذه لإخواني أهل السنة فأنصحهم بأمور: أولاً: الإخلاص لله تعالى. قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5]. ثانياً: الصبر. ثالثاً: التقوى. قال تعالى: ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: 120]. ولاحظوا يا إخوان أهمية هذه الأمور لطالبي العلم وللسني بل ولعامة المسلمين: إخلاص وصبر وهكذا أيضاً تقوى، يحصل به ماذا؟ النصر على الأعداء، وهكذا أيضاً الثبات على الخير: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾. قال: رابعاً: الصحبة فيما بينهم. قال تعالى: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29]. قال: وفي الصحيحين عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر». وفي بعضها: «بالحمى والسهر». قال: فعل هذا نشعر كل سني في جميع أرض الله أننا معه بالقلم واللسان وغير هذين في حدود ما نستطيع، في حدود شرع الله. والمقصود بالصحبة هاهنا هي المعاملة والمعاشرة. وانظروا كيف ضرب الصحابة رضي الله تعالى عنهم أروع الأمثلة وأعظم النماذج في ذلك: تعاون على البر والتقوى، وهكذا تناصح فيما بينهم بالرفق، وهكذا أيضاً اللين. قال رحمه الله تعالى: قال خامساً: التصفية والتربية. التصفية والتربية، هذا يا إخوان أصل عظيم. التصفية التي هي بمعنى تصفية عقائد المسلمين، وهكذا عباداتهم، وهكذا معاملاتهم، وهكذا سلوكياتهم من الشوائب، من البدع والمعاصي، وهكذا من الشركيات ونحوها، وهكذا ونحوها. تصفية العلم من الأفكار الدخيلة والآراء المخالفة والأحاديث الضعيفة والموضوعة، ويأتي بعد ذلكم التربية على هذا الصفاء والنقاء. وهذا أصل عظيم، أهل السنة يولونه عناية عظيمة. قال رحمه الله تعالى: قال: «التصفية والتربية، فلا يفرح بمبتدع في صفوف أهل الحق، بل ربما يكونوا نكبة وعقبة في طريق سيرهم». قالوا في التاريخ الإسلامي الكثير من هذا، كقصة ابن العلقمي ونصير الدين الطوسي وخيانتهما الخلافة العباسية، بل نكبة الخلافة العباسية على أيديهما. وهذه يا إخوان من المصائب التي حلت بالخلافة الإسلامية في أيام بني العباس بسبب هؤلاء المندسين في أوساط المسلمين. فابن العلقمي وما أدراك ما ابن العلقمي! ابن العلقمي ترجم له الإمام الذهبي رحمه الله تعالى في «السير» فقال فيه: «ابن العلقمي الوزير المدبر المبير محمد بن محمد البغدادي الرافضي، وزير المستعصم» إلى أن قال: «رأى أن هولاكو زعيم المغول التتر، أن هولاكو عزم على قصد العراق، قصد العراق مقر الخلافة الإسلامية العباسية، قال: فكاتبه». فكاتبه ماذا يريد يا إخوان بهذه المكاتبة؟ هل ينصحه أن يبتعد؟ لا، شجعه أن يأتي وقوى عزمه على قصد العراق. لماذا؟ قال: «ليتخذ عنده يداً، وليتمكن من أغراضه، وحفر للأمة قليباً قليباً فأوقع فيه قريباً». أكد يقول الذهبي: «حفر للأمة قليباً فأوقع فيه قريباً، وذاق الهوان، وبقي بعد سقوط الخلافة العباسية يركب وحده بعد أن كانت ركبته تضاهي موكب سلطان، وزير لكن كان موكبه كموكب الخليفة السلطان، فمات غبناً وغماً، وفي الآخرة أشد خزياً وأشد تنكيلاً، وبدل السيف في بغداد تسعة وثلاثين نهاراً». لاحظ قال: «حتى جرت سيول الدماء، سيول الدماء، وبقيت البلدة يعني بغداد كأمس الذاهب». قال: «فإنا لله وإنا إليه راجعون». وعاش ابن العلقمي بعد الكائنة -أي بعد الحادثة- ثلاثة أشهر ثم هلك سنة ست وخمسين وستمئة للهجرة. ومثله نصير الدين الطوسي الصفدي، وهو محمد بن محمد بن الحسن، أحد الفلاسفة والمنجمين، وكان فاسد العقيدة. وذكر ابن القيم في كتابه «إغاثة اللهفان» ذكر عنه ما ذكر. قال رحمه الله تعالى: قال: «ونصر في كتبه قدم العالم وبطلان المعاد، وإنكار صفات الرب جل جلاله من علمه وقدرته وحياته وسمعه وبصره، كل ذلك أنكره في حق الله عز وجل، قال: وأنه لا داخل العالم ولا خارجه، وليس فوق العرش إله يعبد ألبتة، واتخذ للملاحدة مدارس، ورام جعل إشارات إمام الملحدين ابن سينا مكان القرآن، فلم يقدر على ذلك، فقال: هي قرآن الخواص، وذاك -أي المصحف- قرآن العوام». وكان له عند هلاك السابق الذكر منزل عالية، يقال إنه هو الذي حسن لهولاكو قتل الخليفة العباسي، وشفى الطوسي نفسه بقتل المسلمين، فإنا لله وإنا إليه راجعون مما أصاب الأمة بسبب هؤلاء المندسين. قال: «ولو رأيت شيعة اليمن وتجاوبها مع الأحزاب الكافرة من أجل القضاء على أهل السنة، لرأيت ما يذهلك وما يذهشك، وما تظن أن هذا يصدر عن المسلمين، كفان الله شرهم، وحسب الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم». قال: «وأما التربية، قال: فتربية المسلم على الصبر في السراء والضراء، في العسر واليسر، والمكره والمنشط، وعلى الوقوف مع الكتاب والسنة وإن خالف الناس كلهم». وقد ذكرنا شيئاً من صبر الصحابة رضي الله عنهم على الشدائد في كتابنا «الإلحاد الخميني في أرض الحرمين» وفي كتابنا «إرشاد ذوي الفطن لإبعاد غلات الروافض من اليمن». قال: «ويحذر أهل السنة من اندساس المنافقين في صفوفهم، قال الله تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ [التوبة: 47]، وموقفهم من الدعوة إلى الله معروف من عهد النبي صلى الله عليه وسلم -أي المنافقين- إلى زماننا هذا، هم العدو فاحذرهم، قاتلهم الله أنى يؤفكون». قال: «وكيف يمكن معرفتهم؟ قال: يمكن معرفتهم بأن يسند الأمر إلى أهل العلم الذين أنار الله بصيرتهم، فهم يضعون الأشياء مواضعها. قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 83]. وقال تعالى في شأن قارون: ﴿فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ۚ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ ۖ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص: 79-80]». قال: «ولست أقصد ألا يوضع الرجل المناسب في العمل المناسب، ولكن أقصد أن الكلام فيما يتعلق بالحلال والحرام والعقيدة والمعاملات يكون إلى العلماء. وما تخبط المسلمون إلا بعد أن أعرضوا عن العلماء، ولست أعني علماء الحكومات وللحزبيين الذين عندهم الحلال ما أحل الحزب. فعلى أهل السنة التثبت في الأمور المستجدة وسؤال العلماء عنها». فهذا بعض ما تضمنته هذه النصيحة، نصيحة لأهل السنة، لشيخنا الإمام الألمعي أبي عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، وسمعتم فيها النصح وكذلك الحكمة، وهكذا ما يحتاجه الجميع، ولها تتم إن شاء الله عز وجل في مجلس لاحق. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.