الدرس في قصة الذي زار أخا له في الله، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح الحديث النبوي عن زيارة رجل لأخيه في الله، ويبين أن الأخوة بين المسلمين قائمة على الدين وليس النسب. الله يحب من يحب عباده في الله.
المحبة في الله من أعظم الأعمال أجرًا، وقد وردت أحاديث نبوية تبين فضلها وأحكامها، مثل نزول محبة الله لمن أحب في الله. المتحابون في الله لهم منابر من نور يوم القيامة.
يشرح الحديث أهمية الإخلاص في الأعمال وفضله، ويبين أن الجزاء من جنس العمل، وأن محبة الله تنال بمحبة الناس له. مصاحبة الأخيار ضرورية لتحقيق المحبة في الله.
المقطع يتضمن دعاء بأن ينفع الله بما قيل، والصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه. يُظهر الختام الرغبة في نيل رضا الله والتوفيق.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، روى الإمام البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إن رجلاً زار أخًا له في قرية». إن رجلاً قد مضى معنا أن القصص القرآنية لا تهتم بذكر الأشخاص والأنساب، وإنما تهتم بذكر الأعمال؛ لأن قيمة الرجل بعمله لا بأصله ولا بنسبه. قال: «إن رجلاً زار أخًا له في قرية». زار أخًا له، هنا الأخوة إخواني في الله لا تعني فقط أخوة النسب، أي أنه من أبيه وأمه، بل الحقيقة إخواني في الله أن علاقة المسلمين بعضهم مع بعض هي قائمة على الأخوة. وهذه حقيقة غائبة وغفل عنها الكثير من الناس، تجد أن المسلمين في مجتمعاتهم كلٌّ يُعامل الآخر على أن هذا غريب أو أن هذا أجنبي عنه. ومن هنا تأتي الخصومات والمهاترات وعدم القيام بحقوق بعضنا بعضًا. وإلا القرآن والسنة قد مُلئا بذكر أن علاقة المسلم مع المسلم قائمة على الأخوة. قال جل في علاه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، وقال جل في علاه: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾، وقال عليه الصلاة والسلام: «المؤمن أخو المؤمن»، وقال عليه الصلاة والسلام: «المسلم أخو المسلم»، وقال عليه الصلاة والسلام: «ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق»، وقال عليه الصلاة والسلام: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». ما معنى الأخوة في هذه النصوص؟ الأخوة هنا أخوة الدين، أخوة الدين. فعلاقة المسلم مع المسلم هي قائمة على الأخوة شئت أم أبيت. قال عليه الصلاة والسلام: «إن رجلاً زار أخًا له في قرية، فأرسل الله ملكًا من السماء». فأرسل الله ملكًا في مدرجته -مدرجته بمعنى طريقه، في طريق ذهابه- فقال له: إلى أين تريد؟ جاءت الروايات على أن هذا الملك الذي أرسله الله في طريق الرجل إنما كان على هيئة بشر. وفيه دلالة على أن الملائكة لهم قدرة على التشكل، وأنهم يتشكلون بقدرة الله سبحانه وتعالى. والأحاديث في هذا الباب كثيرة وكثيرة جدًا، ومنها ما سيأتي في قصة الأقرع والأعمى والأبرص: كيف جاءهم ملك على صورة آدمي محتاج؟ فكان ذلك من طبيعة الملائكة القدرة على التشكل. وفيه فائدة كذلك على أن الله عز وجل قد يرسل ملائكة إلى أناس -يرسلهم إلى أناس بصورة الآدميين- لأمر من الأمور: اختبار، امتحان، بشارة، إلى غير ذلك. ولا يعد هذا المرسل نبيًا، ليس هذا شرطًا، يعني هل معنى هذا أن كل من أرسل إليه ملك يكون نبيًا؟ لا. مثل هذا الرجل ذهب، جاءه ملك بصورة آدمي فتكلم معه، هل يكون هذا الرجل نبيًا رسولاً؟ لا. إنما النبوة والرسالة تكون بإرسال النبي بالوحي أو بإرسال الملك بالوحي، لكن هنا لا عندي وحي، وإنما هنا عندي سؤال. فقال هذا الملك الذي بصورة آدمي طرح هذا السؤال على هذا الرجل: قال: «أين تريد؟» فقال: «أريد أخًا لي». كما قلنا: الأخوة الدينية. «أريد أخًا لي في هذه القرية»، هذا همي وهذا شأني. فقال لهذا الملك: «هل لك من نعمة تربها عليه؟» تربها -قال الشراح- بمعنى تصلحها، بمعنى تنهض لها، أي: هل هناك حاجة؟ هل هناك نعمة تريدها من أخيك الذي ارتحلت من هذه القرية إلى القرية الثانية؟ هل لك مصلحة تريدها منه؟ هل لك من نعمة تربها عليه؟ قال: «لا»، ما عندي مصلحة ولا غرض شخصي، غير أني أحببته في الله، غير أني أحببته في الله. فقال هذا الملك: «إني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته». بأن الله قد أحبك كما أحببته. فيه هذا الحديث إخواني في الله -كما سمعتم- من الأحاديث العظيمة التي فيها من العبر والعظات الكثير منها فضيلة هذا العمل، وهو العمل الميسور والذي يحتاج إلى توطين النفس عليها، وهي المحبة في الله. المحبة في الله تعتبر يا عبد الله من أجل الأعمال، يكفيك دليل هذا الحديث أن الله عز وجل أنزل محبته. ومن منا لا يريد أعظم من محبة الله له؟ لأن الله عز وجل إذا أحبك أمدك بنعم الدنيا والدين والآخرة، ويغدق عليك من الخيرات والبركات ما لا يخطر على بال. وكفى من خير الله عز وجل أن يجعلك من أهل الجنة. فمحبة الله عز وجل تنال بمثل هذا العمل. بل كذلك من الفضائل الكثير أن الله أخبر -أو أن الرسول أخبر- أن المتحابين في الله لهم منابر من نور يغبطهم الشهداء والأنبياء. وما هذه الغبطة إلا لقربهم ودنوهم من ربهم سبحانه وتعالى. وأيضًا من الفضائل: قال عليه الصلاة والسلام: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله»، ومنها: «رجلان تحابا في الله». وفي الحديث القدسي قال الله: «المتحابون بجلالي لهم منابر من نور، يوم أظلهم بظلي يوم لا ظل إلا ظلي». جل في علاه سبحانه وتعالى، ميز الله هذا الصنف من البشر بهذه الفضيلة والخصيصة لأجل هذا العمل، وهو أنهم تعاشروا فيما بينهم بالمحبة في الله. وأيضًا إخواني في الله مما يستفاد منه في هذا الحديث: أن العلاقات الشخصية ليست بعيدة عن منظار الشرع. بعض الناس إخواني في الله في هذه الدنيا يرى أن العلاقة بينه وبين الناس أنها راجعة إلى هواه: يبغض هذا ويحب هذا، ويعادي ذاك ويصل هذا، يقول: «أنا حر، أنا حر أفعل ما أشاء، أصاحب من أشاء». لا، لست أنت حر بهذا الباب. العلاقات الشخصية يا عبد الله تعود إلى الله سبحانه وتعالى هو الذي قيدها. فإنك تحب أناسًا، وبالمقابل تبغض أناسًا، أناس يستحقون البغض فتبغضهم، وأناس ينبغي أن تحبهم فتحبهم. أما الأمر يعود إليك وتتحكم فيه. كثير من الناس يهجر أحد جيرانه أو أقاربه، فإذا نصح فيه قال: «يا أخي، أنت لا تحكم فيه، أنت ما عليك فيه شأن، أنا حر، أصل، أقطع، أهاجر، واصل، هذا لي». لا يا عبد الله، هذا لا يجوز. قال عليه الصلاة والسلام: «أوثق عرى الإيمان: الحب في الله والبغض في الله». فهذه مسائل شرعية، مسائل شرعية. البغض في الله والحب في الله عائد إلى الله سبحانه وتعالى. كذلك في هذا الحديث بيان على أن المحبة في الله يا عبد الله تقوم على أسس، تقوم على حقوق، ليست الدعوى مدعاة، لا تقول: «ما أشاء، الله والله، هذا عمل يسير». يشهد الله ويعلم الله أن هذه البنية كلها أني أحببتها في الله. هكذا دعوى، ثم ترى بهذا الإدعاء أنك تتحصل على هذه المنازل العالية. لا يا عبد الله، هذه المسألة تحتاج إلى حقوق. هذا الرجل ما وصل إلى هذه الدرجة إلا ببرهان، ما البرهان؟ زيارة، خرج من قريته إلى القرية الفلانية. والله أعلم كم المسافة، بل ربما كم خسر في هذه الزيارة أو من جهد بذله في هذه الزيارة. فالرجل بذل بذل شيء يدل على ما في قلبه من صدق المحبة في الله. ومن هنا أصدقه الله عز وجل، فأعطاه الله ما تمنى من الأجر. فدل ذلك على أن المحبة في الله ليست دعوى، لا يا عبد الله، فيها حقوق: زيارة، صلة، إعانة، بذل، عطاء، وقوف معه، مساندة، مشاركة في الأحزان، معاونة في الآلام. هذه الحقوق الإيمانية أو الأخوة الإيمانية تحتاج يا عبد الله إلى بذل. أما أنها دعوى الكل يدعي، الكل يدعي بملء الفم أنه قد أحب القرية بأسرها، لكن ليس الأمر دعوى، بل الأمر بذل وعطاء يا عبد الله. وكذلك إخواني في الله في هذا الحديث دلالة على أن الجزاء من جنس العمل. قد مر هذا معنى قريبًا لو تذكرون: فالعبد خلال معاملة مع الناس تكون علاقة الله معك. قد مر هذا، لا تذكرون قريبًا في عبارات السلف كابن القيم رحمه الله تعالى: «أن من أحسن إلى خلق الله أحسن الله إليه، من رحم خلق الله رحمه الله». أنظر لهذا الرجل عندما أحب فلانًا لله أحبه الله، أحبه الله. الجزاء من جنس العمل. فإذا كنت يا عبد الله محبًا للناس، فإن الله عز وجل ينزل عليك محبة. وفي هذا الحديث كذلك فضيلة للإخلاص، فضيلة للإخلاص. فهذا الرجل أحب فلانًا لماذا؟ أحبه لله، لوجه الله سبحانه وتعالى. فالإخلاص كلما وجد في عمل من الأعمال كبَّره، وجعل لك يا عبد الله من الأجر العظيم ما لا يخطر على بال أحد من البشر. إخلاص أن يكون أقوالك وأفعالك واعتقاداتك وأعمالك وأدابك وسلوكياتك كلها لله وفي سبيل الله ومن أجل الله. حتى كونك تعاشر الناس ما تعاشر الناس إلا لله وفي الله. إخلاص العمل إخواني في الله. ومن هنا كان من أعظم الطاعات عند الله عز وجل الإخلاص، أن لا يبقى لك هم في الدنيا إلا لله. ومن يستطيع على هذا إخواني في الله؟ حتى يكون في مطعمك لله، في مشربك لله، نومك لله عز وجل، كل ذلك تحتسب به الأجر وتريد منه الدنو إلى الله عز وجل. في كل شأن من شؤونك القليل إخواني في الله، والقلة من العباد من هم الذين اعتادوا على الإخلاص؟ فهذا الرجل تحل إلى زيارة أخ في الله لماذا؟ هل لمصلحة؟ هل لغرض شخصي؟ هل لمال؟ أو كما يفعل بعض الناس: لو ربما ما يصاحب فلانًا ولا فلانًا إلا من أجل شيء من حظ الدنيا: إما شهرة، وإما سمعة، وإلا أنه ينكت يضحك، أو أنه صفقة يمشي الوقت. ترك هذا كله، ما أحبه إلا لله، هو في الله، الأمر الأخير إخواني في الله. هذا الحديث وما يرشد إليه على أن المحبة في الله من أعظم الأعمال، فيه دلالة على ضرورة مصاحبة الأخيار، ضرورة مصاحبة الأخيار. فبالله عليك يا عبد الله كيف تحب فلانًا في الله؟ أين تجد هذه المحبة؟ تجدها في مجالسة تقول: «يا فلان، أنا أحببتك في الله». على هذا المجلس، ما تجد المحبة في الله في مجالسة الخنى والزنى والربى، وفي أماكن السكر والعهر والشرب الخمور، أو عند قاطعي الأرحام أو تاركي الصلاة. هؤلاء ما يحبون في الله أصلاً، بل هؤلاء يبغضون في الله. المحبة في الله تكون عند الأخيار. تحب فلانًا ما أحببته إلا لأنه من أهل الصلاة، إن شرح قلبك له جعلته أخًا لك. ما الذي بينك وبينه؟ لا نسب، لا صلة، لا رحم، لا قرابة، لا رضاع. ما الذي يربطه؟ تقول: ما ربطني إلا الصلاة. أحببته من أجل صلاته، مقيم الصلاة. محب أحب فلانًا لأنه من أهل السنة، ما أعلم عنه إلا السنة، مدافع منافع مطبق للسنة. أحببته لله، تصافحه، تماشيه، ترافقه. ما العلاقة بينكما إلا السنة. أحببته لله من أجل السنة. وهكذا قصة عبد الله باب الطاعات والعبادات، هذه ما تجدها إلا عند الأخيار. فإذا أردت يا عبد الله أن تصل إلى مسألة المحبة في الله أولاً واصل إلى هذه المرحلة: أن تماشي الأخيار، أهل الصلاة، أهل الصلاح، أهل الاستقامة، أهل الخير. إذا ماشيت هؤلاء، حينئذ ستأتيك المرحلة الخاصة وهي المحبة في الله. فهذا الحديث إخواني فيه من الأحاديث العظيمة التي فيها إخبار عن أحوال من كان من مضى: رجل من قرية إلى قرية، فأرسل الله إليه هذا الملك الذي بشره بمحبة الله له عندما أحب فلانًا، لما أحبه إلا لله وفي الله. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.