قصة المرأة التي دخلت النار في هرة

قصة المرأة التي دخلت النار في هرة

الدرس في قصة المرأة التي دخلت النار في هرة، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تحريم تعذيب الحيوانات وأثره

يتناول الحديث النبوي تحريم تعذيب الحيوانات ويبين أن هذا الفعل يعتبر من كبائر الذنوب، حيث دخلت امرأة النار بسبب تعذيبها لهرة. هذا يدل على شدة العقوبة المترتبة على هذا الفعل.

حقوق الحيوان في الإسلام ووجوب العناية به

يُبرز الحديث أهمية حقوق الحيوان في الإسلام، حيث يحث على العناية بالحيوانات وإطعامها وعدم تعذيبها أو إيذائها. الإسلام كان من أوائل الأديان التي نادت بحقوق الحيوان.

عقوبة تعذيب الحيوان والإنسان

يستفاد من الحديث أن تعذيب الحيوانات والإنسان له عقوبة شديدة عند الله. من يعذب حيوانًا أو إنسانًا بغير وجه حق سيعاقب على فعله، وقد يؤدي إلى دخول النار.

  • 12 جمادى الأولى 1438هـ - 08/02/2017مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فمما أُثِر عن نبينا عليه الصلاة والسلام ما جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «دخلت امرأة النار في هرة، فلم تُطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض». قوله عليه الصلاة والسلام: «دخلت امرأة النار في هرة»، معنى «في هرة» أي بسبب هرة. وقوله عليه الصلاة والسلام: «فلم تُطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض»، فُسِّر الخشاش بأنه الدواب والهوام والحشرات، ومنهم من ذكر من العلماء قال: الخشاش هو ما يكون من صغار الحيوان ممن يستتر في الشقوق كالفأرة ونحوه، الصغار من الحيوان ممن يدخل في الشقوق كالفئران ونحوه. هذا الحديث، إخواني في الله، بجملته فيه إخبار من نبينا عليه الصلاة والسلام عن امرأة بلغت من شجتها ورعونتها وقسوتها أنها تسلطت على هرة، على قطة، إذ أنها لم تُطعمها، لم تُعطيها الطعام الذي ينبغي أن تأكله لكي تعيش، وبالمقابل لا هي أرسلتها، لم تُطلقها حتى تأكل من ها هنا وها هنا، لا هي أطعمتها ولم تجعلها تأكل حتى ماتت، حتى ماتت. هذا الحديث، إخواني في الله، في فوائد عظيمة، من أعظم فوائد أن نعلم، إخواني في الله، أن دين الله يقوم على الرحمة، والأدلة متكاثرة جدًا على هذه البنية، أن دين الله بنيانه قائم على الرحمة، والرحمة دين شملت كل أحد، الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والحيوان والإنسان، ما من مخلوق إلا ويجد الرحمة في شريعة الله، حتى الحيوانات تُرحم. وقد حث الشرع على رحمة الحيوان، كما قال عليه الصلاة والسلام: «من رحم ولو ذبيحة عصفور رحمه الله». من رحم ولو ذبيحة عصفور، انظر إلى هذا الكائن الحي، عصفور صغير تتغشاك منه رحمة يجازيك الله جل وعلا بها رحمة من عنده سبحانه وتعالى. وذاك الصحابي الذي قال لنبينا عليه الصلاة والسلام: «الشاة يا رسول الله أذبحها وأنا لها رحم»، أي أرحمها عند ذبحها، فقال عليه الصلاة والسلام: «الشاة إن رحمتها رحمك الله». هذه، إخواني في الله، فضاء عظيم في حق من؟ في حق الرحمة في الحيوان، تتنزل عليك رحمة الله سبحانه وتعالى إذا كنت بهذه المثابة. من فوائد هذا الحديث أيضًا، إخواني في الله، فيه بيان على أن هذا الفعل، وهو تعذيب الهرة، يعتبر من المنهيات، يعتبر من المحرمات التي لا يسوغ لأي أحد مننا أن يتجاوز هذا الأمر. بعض الناس يتعذر بأن هذا الكائن حيوان فحسب، فحسبك أنه حيوان وماذا بعد ذلك؟ بعد ذلك نفعل به ما نشاء، ضرب، تنكيل، غرق، تحريق، تعذيب، هكذا يكون فعلك بالحيوان. قال الإمام الهيثمي رحمه الله تعالى في فتاويه: قال: وهذا الحديث دليل على أن تعذيب الهرة كبيرة من كبائر الذنوب، كبيرة. أنت لا تظن، يا عبد الله، أن الكبائر إنما تصل إليك إذا وقعت في الأمور العظام كالزنى والربى والخنى والفجور، لا، وكذلك هذا الفعل الذي استهاون فيه الكثير من الناس، أنهم يعذبون الحيوانات بحجة أنها حيوانات، قتلاً وإحراقًا وتعذيبًا وتنكيلاً، هذا الفعل كبير من كبائر الذنوب. تأتي المسألة الثالثة، وأن جراء هذه الكبيرة أن صاحبها معرض لعقوبة ربه، بل في هذا الحديث إشارة إلى أن معذب الحيوان يعذبه ربنا بالنيران. قال عليه الصلاة والسلام: «دخلت امرأة النار في هرة». انظر، يا عبد الله، نار أعدها ربنا عز وجل للعتاة والعصاة، ومن هؤلاء العتاة هذا الفعل الذي سوّت له نفسه أن يعذب الحيوان. امرأة دخلت النار بماذا؟ بعض الناس يرى أن النار إنما يدخلها الذي فعل الأمور العظام الكبيرة الجسيمة، لا، حتى هذا الفعل هذا فعل كبيرة، فكونك تعذب هرة، تعذب حيوان، كائن من كان، فإن الله يعذبك، يا عبد الله، بالنار إن لم تتب إلى الله سبحانه وتعالى. كذلك في هذا الحديث بيان على أن للحيوان حقوق، الحيوان له حقوق على صاحبه، ليس فقط نحن ندعي حقوق الإنسان، بل حتى الحيوان له حقوق. كم نسمع في هذه الأزمان من جمعيات تسمى بجمعيات الرفق بالحيوان، والتي تطالب بحقوق الحيوان، وهي ما درت إلى أن الإسلام أول من نادى بهذه الحقوق، الشريعة الغراء دعمت حقوق الحيوان وأصلت الأحاديث الكثيرة الدالة على أن الحيوان له حقوق على صاحبه. ومن أعظم الحقوق حقوق الحيوان على صاحبه وعلى أهله المراعاة والعناية بمطعمه والعناية بمشربه. فهذه المرأة الظالمة قطعت هذا الحق، فلم تطعمها، وبالمقابل لم ترسلها، لا هذا ولا ذاك، فمنعتها أعظم حق يؤدي إلى وجودها، وهو حق الطعام والغذاء، فمنعتها فكان أمرها إلى النار، فدل على أن أعظم حقوق الحيوان لمن امتلك حيوانًا ما أنك تعتني، يا عبد الله، بأكله وشربه، من بقر، من غنم، من إبل، من هرة، وما كان ذلك في حق من يربي بعض الكائنات والحيوانات كالأرانب والدجاج، كل كائن حي تحت سلطتك فأنت ينبغي أن تراعي إطعامه. وقد جاء عند أبي داوود من حديث سهل بن الحنظلية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على بعير قد التحق ظهره ببطنه، التحق ظهره ببطنه دلالة على ماذا؟ دلالة على الضمور، ضمور، أصبح البطن والظهر ارتسقا ضعفًا، فلما رآه نبينا قال: «اتقوا الله في هذه البهائم»، اتقوا الله في هذه البهائم، فاركبوها صالحة وكلوها صالحة، اتقوا الله في هذه البهائم. اتق الله، يا عبد الله، في هذه البهيمة وفي غيرها من الدواب، على أنك تعتني بحسن مطعمها وبحسن سقياها. وهكذا من حق الحيوان عليك أن لا تعذبه، وأن لا تنكله، ولا تؤذيه لغير حاجة. وكما الأحاديث الكثيرة عن نبينا عليه الصلاة والسلام الدالة على تحريم التعذيب. مر ابن عمر رضي الله تعالى عنه على نفر من الناس وقد اتخذوا حيوانًا يترامون به، يصطادون به معلقًا ويرمونه لهوًا وعبثًا ولعبًا به بحياته، فلما رأوا ابن عمر قدم عليهم تفرقوا، فلما رأى ابن عمر هذا قال: «من فعل هذا؟ لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من فعل هذا». لعن في حق من يتخذ حيوانًا ما غرضًا تجعله أمامك ثم تصطاد هكذا، لعبه، عبث، تخويفه، ترعبه حتى يموت، هذا ملعون. وجاء كذلك من حديث أنس رضي الله تعالى عنه قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تصبر البهائم». نهى تصبر، تحبس، قيل تحبس أن توضع في مكان ويغفل عليها أسابيع حتى تموت، هذا ما يجوز، أو أن تتخذ للرمي تحبس لكي ترمى. نهى رسول الله أن تصبر البهائم. وجاء كذلك في مسلم من حديث ابن عباس أن نبينا عليه الصلاة والسلام مر على حمار قد وسم في وجهه، والوسم يكون بالنار، أي أراد علامة، لكن ما وجد إلا الوجه. مر نبينا على حمار وقد وسم في وجهه، فقال عليه الصلاة والسلام: «لعن الله من وسمه». لعن الله من وسمه، أي من فعل هذه العلامة النيرانية في وجهه، في وجه حمار، ومع ذلك فهو العون لما في ذلك من أذية وتعذيب وتنكيل بهذه البهيمة العجماء البكماء. فإخواني في الله، الأحاديث كثيرة جدًا تدل على عدم جواز العبث بالحيوان. وأيضًا قلنا من نرى إلى حال كثير من الناس ما يبالي بهذا، تجد بعض الحيوانات الأذية فيها واضحة، تجد قط مقطوع الزنب، الزيل قطع عبثًا، أو حيوان مفقوء العين، كيف؟ قيل ربط ثم أصبح يضرب بحيوان حتى أصابوا عينه ثم هرب، ومصاب العين هذا تعذيب، أو يؤتى بحيوان حي ثم يرمى في النار في التنور أو في الماء ثم يتلهى بتعذيبه حتى يموت وهو في الغرق أو في النار والحرق، هذا كله تنكيل كبير من كبائر الذنوب، صاحبها يعذب إن لم يتب إلى الله سبحانه وتعالى من فعله. فاتقوا الله، يا عباد الله، في هذه المخلوقات وهذه الكائنات، فإنها خلق من خلق الله. وأيضًا، إخوانًا في الله، في هذا الحديث فائدة، فإن مفهوم الحديث يدل على أنه هل يجوز لرجل مننا أن يربي حيوانًا فيجعله في قفص فيربيه؟ مسألة ذكر فيها الخلاف، منه من كره ذلك، ومنه من منع ذلك. وصحيح في هذا الباب أنه جائز، جائز لإنسان أن يربي حيوانًا، يربي قط، يربي دجاج، أو يربي كذلك حيوان طير كما يفعل الآن تربى طيور فتجعل في أقفاص وتعلق، هل هذا يجوز؟ الصحيح الجواز، والدليل هو هذا الحديث الذي بين أيدينا. فإن الذي أنكر على المرأة أنها حبستها ولم تطعمها، فاستفاد العلماء على أن لو حبستها وأطعمتها ما في شيء، ما في شيء، إذ أنها حبستها في قفص أو في مكان، إذ أنها حبستها ولكن مع الإطعام ما في إشكال، لكن الإشكال أنها حبستها ولم تطعمها، هنا كان العذاب وهنا كان العقاب. وبهذا استفاد العلماء، وهذا فتوى الكثير من المعاصرين، اللجنة الدائمة، وهذا سماحة الشيخ بن باز رحمه الله تعالى. واستفاد العلماء كذلك ابن حجر عندما ذكر هذا الحديث استفاد على أن تربية الحيوان كالطيور لا شيء فيه. ويستفاد كذلك من حديث قوله عليه الصلاة والسلام: «يا أبا عمير ما فعل النغير؟» والنغر نوع من أنواع الطيور، نوع من أنواع الطيور، كان هذا الصحابي الصغير كان عنده طير، طير، فكان نبينا إذا مر على هذا الصحابي الصغير يقول: «يا أبا عمير ما فعل النغير؟» فدل ذلك على أن ذلك مما يشرع أنك تربي حيوانًا تربيه ولو كان في قفص، لكن بشرط أنك تقوم بحقه، أنك تقوم بحقه. وإذا ما كان عُدّة وعندك قدرة على حقه فلا تأتي به. وهذا مما يقع، إخواني، فإن نذكر به أنفسنا، أحيانًا تأتي تلك الموجة من هذه الطيور الصغيرة المسمى بالصوص، يأتي منها الأزرق ويأتي منها الأصفر ويأتي منها الأحمر، فيسأل بعض: هل يجوز أن نشتريها وأن نقتنيها؟ ما في شيء، تشتريها ولو حتى لتعيينك، أصرّح العلماء بهذا، تجعل العيال يتلهون بها، لكن بقيام بحقها، بإطعامها، بإشرابها، بالعناية بها، بعدم تعذيبها، إذا كان هذا ما في شيء. لكن إذا علم أن أصحابها يتركونها حتى تموت ثم يأتون بالثاني يعذب حتى يموت ثم يأتي بالثالث، هذا ما يجوز، ولا يمكن الصبي من هذه الحيوانات ولا من أمثالها، فمن شرط العناية واستخدام والتلهي بالحيوان كالطيور ونحوه أن يكون ماذا؟ أن تكون قد قمت بحقهم، وإلا فتركه، يا عبد الله، إما تطعم وإما أن تطلق، أطلقها تعيش لوحدها ولا تموت ماذا على يديك؟ وهكذا، إخوانًا في الله، مما يستفاد من هذا الحديث أنه من عذب حيوانًا فإنه يعذب به. جاء في صحيح البخاري من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رأى من عذاب أهل النار رأى امرأة تخدشها هرة، تخدشها هرة، فسأل نبينا عن هذه، فقال: «هي امرأة حبستها، لا هي أطعمتها». أي هذه المرأة التي حبست الهرة حتى ماتت، فإن يوم القيامة ينعكس الأمر، فإن الله عز وجل يجعل القصاص بينهما، بين الهرة وبين المرأة، بين الحيوان وبين صاحبه الذي عذبه. فإن الله عز وجل جعل لهذه الهرة مخالب تخدش به المرأة، لكن خج مما يلأم يوم القيامة عذاب، تتعذب المرأة بالهرة كما أن المرأة عذبت الهرة سواء بسواء. وهكذا من عذب حيوانًا في هذه الدار فإن الله سيعذب به يوم القيامة. وهكذا، إخواني في الله، يستفاد في هذا الحديث، إذا كان هذا العقوبة أن امرأة دخلت النار بسبب هرة حبستها، فما ظنك، يا عبد الله، بمن عذب آدمي، بمن حبس آدمي، عذبه ونكل به، فكيف عقوبته عند ربه؟ إذا امرأة منعت من الجنة ودخلت النار بسبب قطة، حيوان، فما ظنك بظلم إنسان، بتعذيبه والتنكيل به وأذيته بغير وجه حق، فإن هذا، إخواني في الله، مما يكون عذابه أشد وأنكى. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.