الدرس في قصة صاحب الحديقة، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يروي الحديث قصة رجل صالح سمع صوت ملائكة تسقي حديقته، مما يدل على بركة عمله وإكرام الله له. كان الرجل يقسم محصول حديقته إلى ثلاثة أثلاث: للصدقة، ولأهله، ولإعادة الاستثمار.
الصدقة وإنفاق المال في سبيل الله سبب لتوسيع الرزق وزيادة البركة فيه، حيث يخلف الله على المنفق ويجعل في ماله نماء. النفقة على العيال والصدقة على الأهل من الأعمال الصالحة التي يُثاب عليها المسلم.
الجزاء من جنس العمل، فالصدقة تجلب البركة والزيادة في المال، بينما يتلف مال الممسك البخيل. يُشير الحديث إلى أهمية الصدقة على الأهل والعيال كعمل صالح يُثاب عليه المسلم.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: بينما رجل بفلاة من الأرض -أي بفضاء من الأرض- فسمع صوتًا في سحابة: اسقي حديقة فلان. وهذا الصوت الصادر من السحاب إنما هو صوت ملائكي؛ لأن السحاب يتحرك بتوجيه من الملائكة التي كلفها ربنا عز وجل بأن تسخر لها السحاب، فجريان السحاب يمنة ويسرة، اجتماعًا وافتراقًا، ليس من باب العشوائية كما يظن الكثير من الخلق، وإنما هي بتدبير مدبر، بتدبير المولى جل في علاه، عن طريق ملائكة مسخرة على السحاب، فهي تتحرك بأمر الله عز وجل. والملائكة تنتشر بهيئة منتشرة بيننا في بيوتنا، في مساجدنا، في أسواقنا، في طرقاتنا، ولو حتى في خلواتنا، فالملائكة تتواجد ولها كلام تتكلم مع بعضها بعضًا، لكن من حكمة الله أن الله أخفى عنا أصواتها، فلا نسمع لها حديثًا، لكن في هذه القصة خروجًا عن الأصل، أسمع الله عز وجل هذا الرجل خطاب السحاب، هو في الحقيقة خطاب ملك إلى ملك يخاطبه في جري السحاب، وهذا الخطاب فيه الأمر بهذه السحابة أن تتوجه إلى حديقة فلان: اسق حديقة فلان. حديقة: قطعة من النخيل. فكان هذا الحكمة، ولماذا أسمع الله عز وجل هذا الرجل حديث الملائكة؟ أسمعه ربنا عز وجل لإظهار البركة والخير في تمامها، وكيف أن الله عز وجل يجعل لبعض عباده المقامة والمفازة في الدنيا قبل الآخرة، لأعماله الصالحة. قال: فسمع صوتًا في سحابة: اسقي حديقة فلان، فتنحى ذلك السحاب، فأفرغ ماءه في حرة. وهذه السحابة سمعت بالأمر بأن تسقي حديقة فلان، فتنحت، مالت وقصدت وتعمدت إلى مكان، فأخرجت ماءها، فأفرغت ماءها، وهذا بقدرة الله سبحانه وتعالى. لا يدعيه مدعي يقول: هناك سحابة سالب وسحابة موجب في ذلتكة سحابتان أخرجتا الماء، هذا عند علماء الفلك، لكن بقدرة الله عز وجل لا سالب ولا موجب، مما أراد الله من الماء أن ينزل نزل، وانهمر على من أراد الله سبحانه وتعالى أن ينهمر عليه. فهذه السحابة ذهبت فأفرغت ماءها، قال: في حرة. والحرة هي المنطقة والأرض التي يكثر فيها الحجارة السوداء، لعل منكم من ذهب إلى بعض النواحي في بلاد الشرق، فيمشي فيجد أراضي شاسعة فيها حجارة سوداء كأنها أرض سوداء، هي عبارة عن حجارة متراكمة تسمى هذه في اللغة حرة. فالسحابة ذهبت إلى أرض حرة فأفرغت ماءها، تصاقط الماء على هذه الأرض. قال الراوي: قال أبو هريرة من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأفرغ ماءه في حرة، فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله. ما هي الشرجة؟ الشرجة التي نسميها نحن في لغة: ميسيال، ميسيال، هذه المسائيل الصغيرة التي يجتمع فيها الماء ويجري. فالرجل هذا من باب الفضول، عندما سمع حديث السحابة: اسقي حديقة فلان، فمشت ومشى معها، رأى أن الماء ينهمر في حرة، وهذا الماء متصاقط على الحرة تجمع في مسائيل، فتجتمع في ميسيال ويجري. هذا الرجل جاءه الفضول وأخذ يجري مع مجرى الماء، يجري مع مجرى الماء يرى إلى أين تنتهي هذه المياه. قال: فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله، فتتبع الماء، فإذا رجل قائم في حديقته يحول الماء بمسحاته. إذن رأى هذا الرجل أن الماء ينتهي إلى حديقة، تجتمع هذه المياه الأمطار إلى شرجة، وهذا المجرى ينتهي إلى حديقة، في الحديقة رجل من بني آدم، يرى أن الماء اجتمع عنده، فعنده مسحة، والمسحة معروفة عندنا تستخدم في استصلاح الأراضي، وهي هذه الآلة. فإذ به ماذا يفعل بالمسحة؟ يحول الماء، أرض واسعة، فيرى أن الماء يذهب هنا ويذهب هنا، وتلك القطعة وتلك البقعة، يوزع الماء هنا وهنا، يوزع بمسحاته. إذن علم الرجل أن هذا الماء الذي سقط هنا إلى هنا إلى هنا وصل إلى تلك الأرض هنا. أراد أن يستثبت من قصة هذا الرجل، ما علاقة الرجل بهذا الماء النازل من السماء؟ وكيف أن الماء ما نزل إلا له، فأراد أن يستثبت من أمره، فقال عليه الصلاة والسلام: فقال له: يا عبد الله، ما اسمك؟ أراد أن يتعرف عليه، فقال: فلان. قال: للإسم الذي سمع في السحابة، سبحانه، هو سمع في نداء الملائكة للسحابة: اسقي حديقة فلان، سمع اسم فلان في السماء: اسقي حديقة فلان، فهذا الإسم أصبح مرسومًا في ذهنه وفي قلبه. فلما جاء عند صاحب الحديقة، أول ما سأله عن اسمه: ما اسمك؟ قال: فلان، إذ به نفس الإسم الذي سمعه في السحابة، فقال: فلان للإسم الذي سمعه في سحابة. فقال الرجل: لماذا تسألني عن اسمي؟ يعني أرى أن هذا فضول، تأتي وأنا ما أعرفك وأنت لا تعرفني، تسأل عن اسمي، ما الذي تريد؟ ما الذي تريد من اسمي؟ فقام هذا الرجل المتتبع فقال: إني سمعت صوتًا في سحابة -الذي هذا ماؤه الذي أنت الآن تستغل هذا الماء- سمعت صوتًا في سحابة يقول: اسقي حديقة فلان لإسمك، فما تصنع فيه؟ ما الذي تصنع؟ ما هذه المنزلة التي بلغتها لدرجة أن السماء أنزل ماءها لأجلك؟ من أنت؟ ما الذي تصنع؟ فقال هذا الرجل: أما إذ قلت هذا، أما أنك قد بينت وأنك سمعت اسمي في السماء، وأن الماء المتصاقط إذ وصل لحديقة، سأعطيك من نبأي. فقال: فإني أنظر إلى ما يخرج منها، فأتصدق بثلث، وأكل أنا وعيالي ثلث، وأرد فيه ثلث. انتهى الحديث، وهذا الذي إخواني في الله كان من شأن هذا الرجل، يأتي هذا الماء إلى حديقته فيستغل الماء في الناتج الذي تنتجه الزراعة، يقسمه إلى ثلاثة أثلاث، ثلث صدقة، وثلث لنفسه ولعياله، وثلث يرده للحديقة، استصلاح الحديقة، توسعة الحديقة، اشتراء آلات، اشتراء مضخات، اشتراء أي شيء يعود منفعة للحديقة. هذا الحديث إخواني في الله إن كان من دلالة تستدل به عليه في هذا المقام، نعلم إخواني في الله أن من أسباب المعيشة، من أسباب التكسب، وأن الله عز وجل يغدق عليك من خير الدنيا، ليس فقط إخواني في الله الانهماك في الدنيا، تجد أن بعض الناس من المسلمين إذا أراد البحبوحة من الدنيا سرعان ما أعمل ذهنه وقوته على أعمال الدنيوية. يقول: هذا الميدان يا حميدان، لابد أن أقوم ليل نهار، كد وشغل واجتهاد، عل وعسى أن أتحصل على رزق حتى أوسع على نفسي وعلى أهلي، ونسي أو تناسى أن الله عز وجل بالأعمال الصالحة لربما يوسع عليك في الدنيا بالأعمال الصالحة. وهذا الذي فات الكثير من عباد الله. قال ربنا جل وعلا: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾، حياة طيبة رغد، بماذا يا عبد الله؟ بالعمل الصالح، الأعمال الصالحة مردها عظيم، ليس فقط أعمال صالحة أجرها عند الله برفع الدرجات ودخول الجنات، بل أثر الأعمال الصالحة حتى في الدنيا يعطيك ربه بمقابلها حياة طيبة. ومن هذه الحياة الطيبة أن الله عز وجل يوسع لك في الأرزاق، يوسع عليك في الأرزاق، يعطيك من الأرزاق من حسن المعيشة، من أن الله عز وجل يبسط عليك الأرزاق، النعم، المكاسب، تجد بحبوحة في الدنيا، أموال تغدق عليك، ليس من شيء إلا من عمل صالح. كهذا الحديث، انظر للأعمال التي عملها الرجل، من أعظم أعمال الصدقة، يتصدق بماله، ثلث المال جعله صدقة للفقراء، جاء في رواية مسلم: جعلها للفقراء والمساكين والأيتام والأرامل، الطبقات الكادحة، طبقات كادحة تحتاج إلى معونة. فإذ بهذا الرجل ينفق على قدر حاجته وطاقته، ينفق ثلث المال، والنفقة والصدقة يا عبد الله من أعظم الأسباب التي يرزق الله بها العباد، وهذا أمر محير إلا على المتقين؛ لأن الصدقة ما هو بالحقيقة هو إخراج مال أصلا أنت عندك مئة ألف تخرج عشرة آلاف، تجد أن المال ينقص، ينقص هذا في الميزان البشر نقصان، لكن في علم الله هذا نماء وبركة، سيزيد عليك بالزيادة. وما أنفقت من شيء فهو يخلفه، سيجعل له وعلاك ربنا به خلف، يخلف عليك ربنا بخير. وقد جاء في البخاري قال عليه الصلاة والسلام: «يا ابن آدم أنفق أنفق عليك»، أنفق أنفق عليك، على قدر ما تنفق من الخير والمال فإن الله عز وجل سينفق عليك مالاً كثيرًا، مالاً كثيرًا. وقد جاء في البخاري أيضًا قال عليه الصلاة والسلام: «ما من يوم يصبح فيه العباد إلا ملكان ينزلان، يقول أحدهما: اللهم اعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم اعط ممسكًا تلفًا». انظر لدعاء الملائكة، ومن المعروف والمعلوم أن دعاء الملائكة مستجاب، دعاء الملائكة مستجاب. تدعو الملائكة تقول: «اللهم اعط منفقًا خلفًا»، أي تدعو لكل من أنفق أي شيء لوجه الله أن الله يخلف عليك بخير. والملك الآخر يعدل على العكس: «اللهم اعط ممسكًا تلفًا»، ممسك، بخيل، شحيح، التي لربما أعطاه الله من نعم الدنيا ويجد أن هناك مطالب، بل تصل لحد الوجوب، من مساكين ومحتاجين ومن مرضى ومن زمنة ومن عوائل فقيرة، ونحن في مجتمعاتنا، وهذا المجتمع الغالب من يعيش تحت خط الفقر، هذا معروف. فالناس يحتاجون إلى من يعين، ومن يتكفل بهم، وواحد من الناس لربما عنده سعة يستطيع أن ينفق، لكن حساب الدنيا يقول: سينقص مالي، أنا سأعطي من وأخلي من، وإذا أعطيت فلان وأعطيت فلان نقص هذا من مالي. فيقول الآخر: «اللهم اعط ممسكًا تلفًا»، ممسك، بخيل، يعطيك ربنا تلفًا، أن يتلف عليك المال ويذهب عليك سدى. فهذا الحديث إخواني في الله فيه فضل عظيم، هذا الرجل أغدق بماله، يتصدق بثلث ماله، لكن هل ذهب ماله؟ لا يزداد، وأما هي الزيادة أعظم من أن الله يجري سحابة سحابة خاصة باسمه، سحابة خاصة باسمه: اسق حديقة فلان، بماذا امتاز؟ ما امتاز علينا يا عبد الله؟ بجاه ولا بمال ولا بحسب ولا بنسب، ما امتاز علينا إلا بسخاء النفس وبذل اليد والصدقة للمحتاجين والمساكين، فكان الجزاء من جنس العمل. وإني والله أعلم أناسًا في هذه المجتمعات، كم جاءتني الأخبار، وأظن الكثير منكم لا يخفى مثل هذه الأخبار، عن أناس بارك الله في أموالهم. وأعرف رجلاً ممن فتح الله عليه بالأموال الكثيرة، فتح سلسلة من المشاريع والفروع لشركته، فإذا بالأخبار يتناقلها الناس أن هذا الرجل كان من شيمته في أول تجارته أن كان يخصص مالاً لصدقة، يخصص مال لصدقة. فكان يكبر وتكبر النفقة والصدقة على الآخرين، يكبر وتكبر، فكان الله قد جعل البركة في أمواله، فزادها الله نماء وثراء وكثرة. وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء، هذا فضل الله يؤتيه من يشاء. «يا ابن آدم أنفق أنفق عليه». وأيضًا كذلك في هذا الحديث فضيلة لعمل صالح آخر يفعله الرجل، وهو أنه كان يجعل الثلث الآخر لنفسه ولعياله، الصدق على الأهل، النفقة على العيال، يا عبد الله من الأعمال المشروعة، بل هي في سبيل الله، كما رواه البزار بالحديث أبي هريرة قال: «كنا في مجلس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ طلع علينا شاب من الثنية»، قال أبو هريرة: «فرميناه بأبصارنا، فقلنا: لو أن هذا الشاب جعل شبابه ونشاطه وقوته في سبيل الله»، أي تحسرًا. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.