الدرس في قصة عجوز بني إسرائيل - ٢، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يروي الحديث قصة موسى عليه السلام مع عجوز من بني إسرائيل وضلاله الطريق معهم، وكيف أرشدتهم العجوز إلى قبر يوسف عليه السلام. يُظهر ذلك صلاح بعض أفراد بني إسرائيل وتعلقهم بالآخرة.
يشدد النبي صلى الله عليه وسلم على أهمية طلب معالي الأمور واغتنام الفرص للدعاء بما ينفع في الدين والدنيا والآخرة، ويضرب مثالاً على ذلك بامرأة عرفت مكان قبر يوسف. يُظهر أهمية إصلاح النية وطلب الجنة.
ينبغي على المسلم مراجعة حساباته مع الله وإصلاح علاقته به ليصلح الله ما بينه وبين الناس، مع التأكيد على أهمية الدعاء بأن ينفعنا الله بما علمنا ويصلح شأننا. يُظهر ذلك أهمية التوجه إلى الله.
إن الحمد لله أن أحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازلنا إخواني في الله في هذا الحديث العظيم، والذي رواه الإمام الحاكم في مستدركه من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، في أمره عليه الصلاة والسلام عندما نزل ضيفًا عند بعض الأعراب، فأكرمه واحتفى بنبينا عليه الصلاة والسلام، فطلب منه نبينا أن يسل حاجته، فقال له: «سل حاجتك»، فطلب هذا الرجل مطلبًا يسيرًا من إبل ومن شيء من الشياه يجعلها لأهل بيته يحتلبها، فحينها قاله نبينا عليه الصلاة والسلام: «أعاجزت أن تكون كعجوز بني إسرائيل». فقال الصحابة ممن حضر: «يا رسول الله، وما عجوز بني إسرائيل؟» فحينها أخبرهم نبينا بقصة هذه المرأة، فأخبر عليه الصلاة والسلام بأن موسى عليه السلام عندما سار ببني إسرائيل خروجًا من مصر وذهابًا إلى البيت المقدس، وهي البلاد المقدسة، إذ به أضل عن الطريق عليه السلام، فإذا بمن كان معه من علماء بني إسرائيل علموا المغزى وعلموا ما هو السبب الذي أوصلهم إلى التيه والضياع وهم بصحبة هذا النبي الكريم. فأخبروه بأن يوسف عليه السلام قد أخذ عليهم العهود والمواثيق أنهم متى ما خرجوا من بلاد مصر لابد أن يأخذوا جثمانه معهم، كما قال: «أن تنقلوا عظامي»، بمعنى جثماني، كما حمل ذلك الشراح هذا الحديث. ثم فقال لهم موسى عليه السلام: إذا كان الحل في معرفة الطريق هو استحضار جثمان يوسف، فكيف الوصول إلى قبره؟ فحينها أخبر نبينا عليه الصلاة والسلام أن علماء بني إسرائيل ممن كانوا مع موسى قالوا له: «ما تدري أين قبر يوسف إلا عجوز بني إسرائيل»، دلوه على امرأة كبيرة في السن عندها معرفة وعندها اطلاع بمكاني قبر يوسف عليه السلام. قال: فأرسل إليها، استدعاها، فقال لها: «دليني على قبر يوسف»، فقالت: «لا والله، لا والله ما أدلك»، قالت: «لا والله لا أفعل حتى أكون معك في الجنة»، إذن هي ستفعل لكن بشرط، هي ستدله لكن بطلب، وهو أنه يجعلها معه في صحبته يدخل الجنة، قال: «والله لا أفعل، ما سأدلك أبدًا على قبر يوسف حتى أكون معك». وهذا الشاهد من هذا الحديث كله أن النبي صلوات ربي والسلام عليه أن يعلم ذاك الرجل الذي نزل في ضيافته ويعلم أصحابه أن الواحد منكم لو سنحت له فرصة أنه يطلب معالي الأمور، يطلب معالي الأمور، فرصة أن توفقته عبد الله أن تلاقي نبيًا كريمًا، فحين ينبغي أن تسأله بما ينفعك في دينك ودنياك وأخراك، تسأل الله الجنة، تسأل الله المغفرة. كما مر معنا في حال الأنصار عندما هموا على طلب الدنيا، فلما سنحت لهم الفرصة، فاليوم أعطيكم ما تريدون، عطلوا الدنيا، رموها خلف ظهورهم وطلبوا الآخرة، أدعو الله لنا يا رسول الله، فدع الله لهم، وأنت كذلك يا عبد قد توفق مثلًا إلى ساعة الاستجابة، قد توفق تشعر بأماكن الإجابة، ساعة الاستجابة تشعر بشيء أن هذا وقت قد يجيب الله فيه الدعاء، حينها أخلص النية واجعل أمرك إلى معالي الأمور. على أن أقول لك: لا تسأل الله الدنيا، الدنيا تسأل لأن الله يعافيك، وأن الله يشفيك، وأن الله يمدك بالصحة فيك وفي أهلك وعيالك، هذا شيء، لكن هناك أمر مقدم على هذا كله، اجعل الدنيا تبعًا واجعل الآخرة هي المقدمة. فقالت هذه المرأة: «كلا والله لا أفعل حتى أكون معك في الجنة»، قال نبي: «فكره رسول الله ما قالت»، فأوحى الله إليه: «اعطيها حكمها»، أي اعطيها ما أرادت. قال: فأعطاها حكمها، هذا لكي إن دلتيني على قبر يوسف فلك الجنة معي، قال: فأتت بحيرة، بحيرة بمعنى مستنقع من الماء، فأتت بحيرة، فقالت: «انضبوا هذا الماء»، انضبوا اخرجوا هذا الماء في مكان محدد فيه ماء، أمرت بإخراجه بنضبه بنزعه بإخراجه من هذا المحل. قال: فنضبوا، قالت: «احفروا هاهنا»، فلما حفروا إذا عظام يوسف في محل ما تعرف إلا هذه العجوز عرفت المحل في بحيرة ماء، وتم الحفر في هذا المحل، فلما حفروا إذا بعظام يوسف عليه السلام، أي كما قلنا في الرواية الثانية تحمل على جثته وعلى جثمانه عليه السلام. قال: إذا عظام يوسف، فلما أقلوها من الأرض، أي أخرجوها، أخرجوا الجثمان من الأرض، قال: فإذا الطريق مثل ضوء النهار، إذا الطريق مثل ضوء النهار، أي كأنه في ظلام وفي ليل، فلما أخرجوا هذا إذا الطريق أصبح ما هو ضوء نور يوصلهم إلى المكان الذي أرادوا. فهذا إخواني في الله ختام هذا الحديث، فقال نبينا: «فإذا الطريق مثل ضوء النهار»، وفي هذا الحديث عدة فوائد زيادة على ما ذكر، فيه أن نعلم أن في بني إسرائيل من كان من أهل الصلاح كحالة هذه المرأة، بل التي حث نبينا أن نكون كأمثالها ممن تطالب بمعالي الأمور. وفيه كذلك ما كان من إخباره عليه الصلاة والسلام بدقائق الأمور، هذه أشياء خفية عن بني إسرائيل، قصة عظام يوسف وقصة أخذهم، هذه أشياء ما يعرفها إلا القلة، وهذه القصة ذكر بعض الكتاب أنها موجودة إلى الآن في التوراة، هذه القصة موجودة في التوراة، وهذا موجودة كما يسمى في سفر الخروج، سفر هذه عبارة عن أجزاء في القرآن، مثلًا نقول جزء ثلاثين، جزء عشرين، جزء مجادلة، جزء كذا، فهناك عندهم من التوراة أسفار، سفر كذا، سفر التكوين، سفر الإصحاح، سفر الخروج، في السفر من الأسفار سفر الخروج، فيه ذكر قصة عظام يوسف عليه السلام. وفيها هذا عندهم في التوراة، قال: «وَأَخَذَ مُوسَى عِظَامَ يُوسُفَ مَعَهُ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَحْلَفَ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلًا إِنَّ اللَّهَ سَيُنْقِذُكُمْ فَتَصْعَدُونَ عِظَامِي مِنْ هُنَا مَعَكُمْ»، هذا في التوراة بهذا النص، إن وأخذ موسى عظام يوسف كما في القصة، موسى أخذ عظام يوسف معه لأنه قد استحلف بني إسرائيل، قد مر لأن يوسف كما صرح العلماء بني إسرائيل أن يوسف أخذ العهود والمواثيق عليهم أن يخرجوا بعظامه من مصر. قال: «أنه قد استحلف بني إسرائيل قائلًا إن الله سينقذكم»، كما أنخذهم من حال الضياع والتيه الذي كانوا فيه، فبخروج عظامه أضاء لهم الطريق فمشوا، قال: «إن الله سينقذكم فتصعدون عظامي من هنا معكم»، أي ستخرجون بجثماني معكم، هذا موجود في التوراة. وهاه نبينا صلوات ربي والسلام يبين جلاء هذه القصة، وهذا إن دل دل كذلك على بعثته وعلى نبوته، وأن الله قد أوحى إليه، وفيه كذلك فائدة على أن العبد لربما لا يوفق في أموره إذا أدى ما يكون فيه مخالف لشرع الله، فهؤلاء من بني إسرائيل تاهوا وما وفقوا في طريقهم، وذلك لما خالفوا الذم وخالفوا العهد. وأنت كذلك يا عبد الله قد تجد هذا في نفسك أنك غير موفق في أمورك، لو ربما تضطرب في حياتك العلمية، في حياتك الدراسية، في حياتك المهنية، إلى غير ذلك، تجد الطراب واضح ما تستقريك طريق، ولا ويقفل في بابك في وجهك، لربما إنما كان ذلك ابتلاء وبلاء من الله عز وجل لأمر ما قد فعلته، لأمر ما قد فعلته، فحين ينبغي أن تراجح حساباتك يا عبد الله مع الله سبحانه وتعالى، فأصلح ما بينك وبين الله يصلح الله ما بينك وبين الناس. وهكذا إخواني في الله فوائد عزيزة قد ذكرت في هذه القصة، فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.