الدرس في قصة عجوز بني إسرائيل - ١، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يُشدد على أهمية طلب المعالي والأمور العظيمة في الإسلام، ويحث على عدم الرضا بالدنية. يُبين أن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها.
يُظهر من خلال القصص النبوية أهمية الهمة العالية في طلب الآخرة، مثل قصة الرجل الذي سأل النبي أن يدعو له لمرافقته في الجنة وتحويل الأنصار طلبهم من الدنيا إلى الآخرة.
يفسر الحديث النبوي قصة يوسف عليه السلام مع بني إسرائيل وعهد نقله معهم عند خروجهم من مصر، ويوضح أهمية تنفيذ هذا العهد.
يختتم الشيخ الدرس ويعد بتتمة الحديث حول همة المرأة العجوز التي دلت نبي الله موسى على قبر يوسف، ويطلب من الله أن ينفعهم بما قاله.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فمما يذكر إخواني في الله من القصص النبوي الذي ذكره نبينا صلوات ربي وسلامه عليه، وخاصة مما يتعلق بالأمم السابقة والأمم السالفة، ما رواه الإمام الحاكم في مستدركه من حديث أبي موسى رضي الله تعالى عنه قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل بأعرابي فأكرمه، فإذا بهذا الأعرابي أدى ما ينبغي عليه من إكرام رسول الله عليه الصلاة والسلام، فأكرمه، فقال عليه الصلاة والسلام: «يا أعرابي سل حاجتك، سل حاجتك، أطلب، أطلب الذي تريد». وهذا إخواني في الله من مكارم الأخلاق أنك إذا عملت يا عبد الله بمعاملة فيها من الكرم، فيها من الحفاوة، بل هو أعظم من ذلك، فيها إعانة ومعونة لك، فينبغي أن تقابل هذه المعاملة بالجزاء إن استطعت بمال، إن استطعت بعطاء، ولو لم تستطع حتى بالدعاء، تثني عليه من أزدى إليكم معروفًا فكافئوا من أزدى إليكم معروفًا، هذا من أخلاق المسلمين؛ لأنك تكرم يا عبد الله ثم بعد ذلك تولي مدبرًا لا تعير اهتمامًا لمن اعتنى بك. فقال نبينا صلوات ربي وسلام عليه: «سل حاجتك، سل، هل من حاجة لديك؟» ومن الذي يخاطب؟ نبينا والذي هم مجاب الدعوة عليه الصلاة والسلام، فقال أعرابي: «يا رسول الله، ناقتي برحلها، وأعنز يحلبها أهلي». قال الراوي: قالها مرتين فقط، هذا الذي أريد يا رسول الله، ناقتي يعني أركبها، وعنز وعنز تتخذ عندي تكون للحلب تكون للحلب. فقال عليه الصلاة والسلام: «أعجزت أن تكون مثل عجوز بني إسرائيل؟» فقال أصحابه: «يا رسول الله وما عجوز بني إسرائيل؟» سيأتي معنا قصة هذه المرأة، عجوز من بني إسرائيل، سيأتي أن من أمرها، من أمرها الهمة العالية، الهمة العظيمة، والذي تبادر إلى ذهن رسول الله عليه الصلاة والسلام عندما سمع طلب هذا الأعرابي، يعني فرصة فرصة سلحت لك سلحاجتك، فإذا بهذا الرجل يطلب شيء زهيد من عرض الدنيا، وكأن نبينا ذكر له قصة هذه المرأة التي كانت ترنو إلى مقامات عظيمة جدًا. وهذا الذي يسعى عليه الإسلام إلى أن المسلم إخواني في الله يكون له نظرة عالية، يكون عنده طول أفق، إذا سأل سأل بالأمر العظيم، إذا طلب طلب الأمر العظيم، إذا سعى سعى لأمر عظيم. قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها»، إن الله يحب معالي الأمور. أنت يا عبد الله إذا كنت ستدعو أدعو الله عز وجل بما ينفعك وبما هو أعظم، بما هو أعظم لك في الدنيا والآخرة. بعض الناس إخواني في الله ربما يبلغ من يعني ضحالة فكره أنه لو ربما إذا طلب أمر حتى في أمور الآخرة، لو ربما طلب الشيء اليسير، وإذا طلب المنازل طلب الأمر القليل، هذا فضلًا إذا لم يحط من قدر نفسه، إذا جلس مع الأخيار يقول: ما لي وللأخيار؟ أين أنا من الأخيار؟ حسب أن أكون في الشارع، فلا زال بنفسه يثبتها حتى يكون في الشارع، وإلا كان بإمكانه أن يكون من خيار الناس. رجل ربما آتاه الله فكرًا، آتاه الله حفظًا، ربما بإمكانه أن يكون من طلاب العلم النجباء، لكنه رضي بالدنية، رضي بالدنية، فلا يطلب إلا الأمر اليسير، يرضى بواقع وبحاله. لا يا عبد الله، إن الله يحب معالي الأمور. وهكذا الصحابة لله درهم، كلما سنحت لهم فرصة وخاصة في أمور الآخرة تهافتوا إليها. ذاك رجل عندما كان يقرب الوضوء لرسول الله، قال له نبينا: «أدعو، أدعو بماذا تريد أن أدعو؟» قال: «يا رسول الله إني أسأل الله مرافقتك في الجنة»، همه عالية، هذا أمر بعيد، لكن اجعلنا يا عبد الله من الذين يدعون الله أن يجعلنا رفيقك في الجنة. ذاك الحديث عندما ذكر في نبينا السبعين ألف الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، كان في المجلس عكاشة رضي الله تعالى عنه، قال: «يا رسول الله، ادع الله أن أكون منهم»، قال: «أنت منهم»، همه يا عبد الله، الشخص يطلب في هذه الدنيا إخواني في الله ما هو أعظم ما ينفعه في دينه ودنياه وأخراه، يحاول خاصة في أبواب الآخرة إخواني في الله أن يكون على مطمع. لله در الأنصار، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أنس بن مالك أن الأنصار اجتمعوا فيما بينهم، فقالوا: «إلى متى ننزع من هذه الآبار؟» هم أصحاب زرع، ودائمًا شغلهم على الزراعة، فيحتاجون إلى الآبار، وكان البلاد قاحلة، الماء عندهم شديد وعسير وعسيس، يحتاج النزع نزعًا فأتعبهم، فقالوا: «إلى متى ننزع من هذه الآبار؟» قالوا: «فلو أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا الله لنا أن يفجر لنا من هذه الجبال عيونًا»، عيون تخيل جبلًا تنبثق منه عين فيسيل الماء فتمتلئ الأرض، لا نزع ولا حمل ولا شيء، من نفسه فقد تحول الماء فتسقى الأرض. قال: «فلو أتينا رسول الله فسألنا الله لنا بأن يفجر لنا من هذه الجبال عيونًا»، فأتوه فاجتمعوا، فأتوا إلى رسول الله، فلما رآهم قال: «أهلًا، ما جاء بكم إلا حاجة، ما جاء بكم إلا حاجة»، قالوا: «إيه يا رسول الله، إيه والله ما جئنا إلا لحاجة»، فقال: «إنكم لا تسألوني شيئًا اليوم إلا أوتيتموه، ولا سألت الله شيئًا إلا أعطانيه»، بشرى، إيه اللي تريدون؟ انظر ماذا كانت نيتهم، دخلوا على عيون تفجر من الأرض، ونبينا أعطاهم فرصة كما إن صح التعبير هي الفرصة التي لا تعوض اليوم، «ما سألت الله شيئًا إلا أعطانيه، وما سألتموني شيئًا إلا أوتيتموه»، مباشرة فلما سمعوا بهذه البشرى نظر بعضهم إلى بعض، قالوا: «أهل الدنيا تريدون؟» قالوا: «لا بل الآخرة»، قالوا: «يا رسول الله ادع الله أن يغفر لنا»، تركوا الدنيا كلها، فقال: «اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار ولأبناء أبناء الأنصار»، قالوا: «يا رسول الله أولادنا من غيرنا؟» قالوا: «أولاد الأنصار»، قالوا: «وموالي الأنصار»، وانظر يا عبد الله العلو والهمة، هم ما جاءوا إلا لدنيا آبار وعيون، لكن الهمة يا عبد الله تكون عالية. وهكذا فلنكن، ولهذا نبينا صلوات ربي وسلامه عليه لما قال لهذا الأعرابي: «سل حاجتك»، كان فرصة أن يسأل الله الجنة، أن يسأله شيء من حفظ الآخر، لكن أراد ناقة وأراد ماذا؟ أراد تلكم العنز التي يحلبها، فقال: «أعجزت أن تكون مثل عجوز بني إسرائيل؟» فقال الصحابة: «يا رسول الله وما عجوز بني إسرائيل؟» قال عليه الصلاة والسلام: «إن موسى أراد أن يسير ببني إسرائيل»، يسير سيرًا الخروج من أرض مصر إلى البيت المقدس إلى البلاد المقدسة، خرج ببني إسرائيل، إن موسى أراد أن يسير ببني إسرائيل فأضل عن الطريق، ضل الطريق، ضاع ما علم أين هو، وكان هذا محل استعجاب واستغراب، محل تعجب واستغراب، حتى قال: «ما هذا؟ كيف بوعنا؟» يعني مثل حال رجل يعرف الطريق ثم يتيه، يعني كيف يعني وبلغ مكان ما يعرفه، فقال المستغرب: «ما هذا؟» يعني ما الذي أوصل إلى هذا حد التيه والضياع. فقال عليه الصلاة والسلام: «فإن علماء بني إسرائيل كان هناك علماء وأحبار من بني إسرائيل كانوا في قافلته»، فقالوا: «نحن نحدثك، هذا ما صار إلا لأمر مخالفة وقعت، مخالفة هم سكتوا عنها، فكان من أثر المخالفة أن أوصلهم الله إلى هذا الأمر إلى الضياع»، فقال: «نحن نحدثك»، قال: «إن يوسف أخذ علينا مواثيق الله أن لا نخرج من مصر حتى ننقل عظامه معنا»، هذه مواثيق قد وجدت في يوسف عليه السلام، وكان من أنبياء بني إسرائيل في مصر، وكان من عزمي ومواثيق يوسف عليه السلام على بني إسرائيل أن إذا خرجوا من مصر فعليهم أن يأخذوا عظامه معهم، تخرج من مصر وتذهب معهم، هم علموا بهذا لكن سكتوا وما نفذوا، فكانت هذه مخالفة، مخالفة عظيمة، فكان من جراء هذه المخالفة أنهم ضلوا الطريق، وكان موسى عليه السلام معهم. فحين علم موسى بهذا وفي ذلك استفاد العلماء على أن يجوز للنبي والرسول والصالح أنه يأخذ المواثيق والعهود والوصية على أهله لما فيه مصلحته، لما فيه مصلحته، فكان يوسف عليه السلام كان هذا من العهود والمواثيق الذي أخذها على بني إسرائيل، مع طول الزمن لكن الذمة تبقى ذمة، فهذا كان في ذمتهم. قال عليه الصلاة والسلام: «نحن نحدثك إن يوسف أخذ علينا مواثيق الله أن لا نخرج من مصر حتى ننقل عظامه معنا». طبعًا هم خرجوا وتركوا العظام، بقي مسألة مسألة العظام هنا، هذا قد يشكل عند من يسمع هذا الحديث، يقول: وهل يبقى من الرسل عظام؟ أم أن الأحاديث قد دلت على أن الله عز وجل قد حرم على الأرض أن تأكل أجساد بني آدم، أجساد الأنبياء أعني أجساد الأنبياء، النبي ما تأكله الأرض، يبقى تبقى جثته على ما هي عليه، كرامة آية من الله عز وجل لهذه الطائفة من أنبياء الله ورسله، فالأنبياء لا تأكلهم الأرض. لكن هنا عندي عظام «أن لا نخرج حتى نأخذ عظامه معنا»، على ماذا يحمل هذا الأمر؟ كذلك الشيخ الألباني رحمه الله قد استشكله، قال: ما نظرت في هذا، قال: استشكلت أمر العظام كيف عظام والأرض لا تأكل أجساد الأنبياء؟ قال: حتى وقع عندي في سنن أبي داود عندما قال الصحابة قالوا لرسول الله: «يا رسول الله نصلع لك من بر يحملك أو يحمل عظامك؟ يحملك أو يحمل عظامك؟» فقال الشيخ الألباني: «فعلمت أن أحيانًا العظام تطلق على ماذا؟ على البدن تطلق على البدن وعلى الجسد؛ لأن ما معنى المنمر؟ يأخذ عظامك يحمل عظامك؟ عظام خالية؟ لا عظام بجسمه بجسمه والجسده»، فقال الشيخ الألباني: «وذلك من باب إطلاق الجزء ويراد به الكل، من باب إطلاق الجزء ويراد به الكل»، فإذن فالوصية من يوسف عليه السلام أنهم يأخذوا عظامه بمعنى أن يأخذوا جثته، يأخذوا جثته. قال لهذا الشيخ الألباني: «لما رأيت هذا الإشكال قد زال، قال: وضعته»، ولهذا الحديث سيأتينا أنه في الصحيحة، ذكره الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في الصحيحة. إذن هذا معنى الحديث، قال: «ونحن نحدثك إن يوسف أخذ علينا مواثيق الله أن لا نخرج من مصر حتى ننقل عظامه معنا»، قال: «وأيكم يدري أين قبر يوسف؟» إذا عنينا الحل في الهداية إلى الطريق، وحتى نستبصر الطريق إلى الأرض المقدسة، إذا نحتاج إلى نأخذ معنا عظام يوسف، بمعنى جثة يوسف عليه السلام، بقي السؤال آخر وهو من الذي يعرف قبر يوسف أين هو؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «فإنهم ما يدري أين قبر يوسف إلا عجوز بني إسرائيل»، قالوا: «ما أحد يعرف قبر يوسف عليه السلام إلا امرأة وهي عجوز من بني إسرائيل»، كان من علمها أنها علمت بالقبر والمحل والمكان الذي دفن فيه يوسف عليه السلام. ونجعل البقية إخواني في الله تتمة الحديث في درس غد حتى نرى ونعلم الهمة التي أشار إليها نبينا في حال هذه المرأة العجوز، والتي ضربت أروع الأمثلة في علو همتها، عندما جاء النبي نبي الله موسى إليها وطلب منها أن تدله على قبر يوسف، كان من طلبها الأمر العظيم، والذي سيأتي بيانه بإذن الله في درس غد. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.