الدرس في قصة موسى عليه السلام في القرآن 13، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث عن معجزة انفلاق البحر بقيادة موسى عليه السلام بأمر الله، حيث انشق البحر إلى اثني عشر طريقًا يبسًا. يشرح تفاصيل هذه المعجزة والفوائد المستنبطة منها.
يتناول تفاصيل عبور موسى ومن معه البحر، وإغراق فرعون ومن معه، ويشرح الحكمة من ذلك. يبين أن فرعون آمن عند معاينة الموت ولكن لم ينفعه إيمانه.
يستعرض إهلاك الله لفرعون ورفض قبول توبته، ويتناول تفاصيل الحدث وتاريخه في يوم عاشوراء. يناقش مسألة بقاء جثة فرعون وآراء العلماء حولها.
يشير إلى أن قصة موسى تمتد لتشمل مرحلة أخرى مع بني إسرائيل بعد مصر. يؤكد على أهمية هذه المراحل ويختتم بالتضرع إلى الله والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، من المقرر أن يكون في هذا اليوم، يوم الأحد، على ما اعتدنا عليه استكمالًا لسلسلة التبيان في شرح فضاء الرمضان، لكنني أعتذر عن هذا الدرس وأواصل الحديث حول قصة موسى عليه السلام من خلال نصوص السنة والقرآن. والسبب في ذلك أنه بقي الشيء الكثير في قصة موسى، لا كما يظنه الكثير من الناس، يظن أننا وصلنا إلى الختام، لا، ما وصلنا إلى الختام، بل بقي الشيء الكثير من أمر موسى عليه السلام. ولهذا نستغل ما بقي من أيام في محاولة أن ننتهي من أهم مراحل حياة موسى عليه السلام مع بني إسرائيل. ذكرنا إخواني في الله في الدرس الأخير من هذه السلسلة ما يتعلق بتلكم الآيات العظام التي أرسلها الله تباعًا لبني إسرائيل: الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والرس، ونقص في الثمرات، والجدد، والقحط، إلا أنها لم تجد معهم نفعًا. فحينها أوحى الله عز وجل إلى موسى أن أسر بعبادي فأخرجهم من بلاد مصر ليلًا حتى أوصلهم إلى البحر، وهنا كانت المفاجأة لبني إسرائيل: أين النجاة؟ أين المفر؟ فأمامنا البحر الخضم، ومن خلفنا جيش فرعون العرم، رم الهلاك، إنا لمدركون. إلا أن موسى عليه السلام، الواثق بوعد ربه، قال: كلا، إن معي ربي سيهدين. هنا أمر الله عز وجل موسى أن يضرب بعصاه البحر، فوقعت آية من الآيات العظام، وأمر لا يخطر على بال أحد من الأنام. ما الذي صار؟ الذي صار أن البحر انفلق، انشق، واضرب لهم طريقًا في البحر يبسًا، لا تخافوا دركًا ولا تخشوا. هذا المجلس، بإذن الله، سنتحدث عن هذه الآية العظيمة وما تبعتها من مسائل وأحكام، وهي كثيرة. بدءًا من هذه المسائل، المسألة الأولى: ما جاء ذكرها في هذه الآية أن الله عز وجل أمر موسى بأن يضرب بعصاه البحر ليكون لهم طريقًا يبسًا، ثم قال: لا تخافوا دركًا ولا تخشوا. أمنه الله عز وجل من أمرين اثنين: أمنه أنك لن تدرك من قبل فرعون، وأنك لن تغرق من قبل البحر. هذا أمان، لا تظن يا موسى ومن معك بأن فرعون سيلحق بك أو يلقي القبض عليك، لا، لا تخافوا دركًا، لن يدركك. وأيضًا نفس الحال، لا تخشى من ماذا؟ من أن البحر يغشاك أو يغرغك، فلن يمسك بسوء. الوقفة الثانية في قول ربنا عز وجل: يبسًا، واضرب لهم طريقًا في البحر يبسًا. هذه آية، آية من آيات الله. تخيل البحر، وما منا من أحد إلا وقد خاض البحر، وهو البحر بجانبنا، تجد أن من لامس قاع البحر يجده ماذا؟ لا شك أنه مبلول بمائه. لكن تخيل أن قاع البحر يكون يابسًا مثل الأرض الصلبة، يابس، من خاض فيه لا تغبر أو تبتل قدما. وهذه من آيات الله جل وعلا. نعم، ذهب جماعة من المفسرين أن الله أرسل ريحًا في التو حتى تيبس الأرض لموسى ومن معه، فجعل الله عز وجل هذه الأرض يباسًا لكي يسير ومن معه، فليس فيه بخل أو طحلة أو وحل، لا، وإنما يبس، بحيث لا يتعثر أحد في أثناء مشيه. الفائدة الثالثة في قوله تعالى: واضرب لهم طريقًا في البحر. طريقًا، هنا مسألة: كم عدد الطرق التي فتحت لموسى؟ النص القرآني لم يذكر لنا عدد، لكن جاءت إشارات محتملة. وحينا إلى موسى أن أضرب بعصاك البحر فانفلق، فكان كل فرق كالطود العظيم. فكان كل فرق، هذه الآية تحتمل: كل فرق، هل هو طريق واحد أم عدد طرق؟ الآية محتملة. لكن لو رجعنا إلى قول المفسرين، تجد أن أكثر المفسرين يذهبون إلى أن البحر قد انشق لموسى إلى اثني عشر طريقًا، ليس طريق واحد: واحد، اثنين، ثلاثة، أربعة، خمس، احسب: اثني عشر طريقًا. اثني عشر طريقًا يا عبد الله، هذا الذي فتح أمام موسى عليه السلام. سيأتي معنى أن هذا العدد له سر، وسيأتي معنى بكثرة هذا العدد في حياة موسى عليه السلام. وهذا الترجيح، وهذا القول، قد ذهب إليه حبر الأمة ابن عباس فيما صح عنه رضي الله تعالى عنه. وممن ذهب إلى هذا القول الإمام الطبري، شيخ المفسرين، فقد ذكر في تفسيره أن البحر قد انفلق لموسى إلى اثني عشر طريقًا. وسدل كذلكم الإمام الطبري رحمه الله تعالى بآية، وهي في قوله تعالى: ﴿وَفَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾، فرقنا، فسرها الطبري بقوله: فرقنا، أي: فصلنا بكم البحر. فالبحر فصل لكم يا بني إسرائيل أثناء مروركم عليه. فالحاصل أن البحر لما انشق، على القول الصحيح، ليس طريق واحد وإنما عدة طرق. وهنا وإن سار بنو إسرائيل خلال هذه الطرقات التي فتحت أمامهم، وهي أرض يابسة، فدخلوا في خلالها. وأشار ابن كثير رحمه الله تعالى، وهم من يؤيد موضوع التعدد الطرق، ذكر رحمه الله تعالى فائدة على أن هذه الطرق لما خاض فيها بنو إسرائيل، كانت الحواجز بين كل فريق، وهي حواجز بحرية، وصفها ربنا كالطود العظيم، طود، أي: كالجبل العظيم، مرتفع جدًا. أنت هنا تمشي، والجبل في البحر في الأعلى كالجبل، هذه الحواجز البحرية كان فيها ما يسمى بالطاقات أو ما يعبر عنه بالشبابيك. يدخل هذا الفوج في هذا الطريق، هنا عن يمين وعن يسار الحواجز، هناك نوافذ، هذا يطل على القسم الثاني، وهذا يطل على القسم الثاني، وكل واحد يرى الثاني حتى يطمئنه، حتى يطمئنه أن الكل يمشي، ما هناك أحد ضاع أو أحد فقد. فكانوا يتراؤون فيما بينهم وهم يمشون في هذه الطرقات. هذا هو الذي ذهب إليه جماهير العلماء من المفسرين على أن الطرق كانت بهذا العدد، ليس عبارة عن طريق واحد. الفائدة الرابعة في مسألة قضية البحر: بعض الناس لا زال يظن أن البحر لما انفلق أنه صعد وارتفع إلى الأعلى، لا، ما ارتفع البحر إلى الأعلى، البحر لا زال على مستوى البحر. انظر لبحر، هذا مستوى، هو مستوى. طب، ما الذي صار؟ الذي صار، انتبه، طبعًا انفلق البحر اثني عشر طريقًا، لكن دخول موسى ومن معه كان عن انحدار، نزول، نزول، ينزلون إلى الأسفل، ينحدرون، لأن البحار عبارة عن أخاديد عظيمة مثل الوديان السحيقة. نحن في البحر عندما نتمشي، ماذا ترى؟ ترى تغوص، كيف تغوص؟ تنزل مباشرة، تصل إلى، تجد البحر أول ما يبدأ معك إلى الركبة، ثم إلى البطن، ثم إلى الرأس، ثم يغميك. هل معنى ذلك أن البحر صعد عليه؟ لا، أنت دخلت إلى داخله. وهكذا في قضية موسى عليه السلام، الذي صار أن موسى انحدر، انحدر، فدخلوا إلى الداخل، داخل، وكلما دخلوا استوطنوا بطن البحر، فهو في وادي سحيق. ولهذا البحر بقي على مستواه، لكنهم لما انفلق أصبح واقف، فهم يدخلون، يدخلون، يدخلون، والبحر ماذا يرتفع بالنسبة إليهم؟ هو مرتفع، لكن يبقى، لكن أن ينحدرون يكون ماذا؟ مرتفع جدًا، يحسون أن البحر أصبح مرتفع جدًا بالنسبة إليهم حين نزولهم. فهذا الذي يفهم، فلا تظن يا عبد الله أن البحر صعد إلى الأعلى، ما صعد، هو في مستوى، لكن هم الذين نزلوا إلى بطن الوادي. الفائدة الخامسة في مسألة البحر: كم المسافة التي تقدر؟ بعض العلماء العصريين يذكرون أن المسافة طويلة، الذي وقفوا على البحر الذي خاضه موسى عليه السلام، حتى أن بعضهم قدره بعشر كيلو، عشر كيلو، ثمانية كيلو. هذه المسافة من الشاطئ إلى الشاطئ، إلى الضفة الثانية، إلى الضفة الثانية. فالبحر انفلق قطع، قطع، قطع، ثم ساروا، ساروا مسافة بهذا المقدار. والله تعالى أعلم. وأنت تخيل أن موسى يجري بمن يمشي معه، بمن يمشي، بشعب قد قدرنا على أن أصح الأقوال: إن قدرناها بمليون نسمة، مليون، يعني يتخلل هذا العدد الصغار، الكبار، النساء، أصحاب الأعذار، كل هؤلاء انسابوا ومشوا، انسابوا خلف موسى عليه السلام، وهم يجروا. فهذا الشعب أكمله هو نفسه يحتاج إلى كم كيلو؟ هذا الشعب نفسه، ثم ساروا هذه المسافة، وموسى يسير بهم رويدًا حتى يوصلهم إلى الشق الآخر. هنا قال ربنا عز وجل واصفًا هذه المسألة، وهذه الصورة، قال سبحانه: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثُمَّ الْآخَرِينَ﴾، أزلفنا، قربنا، من الذي قربه ربنا عز وجل؟ قرب فرعون. طبعًا لما وقعت آية البحر، فرعون لا زال قادم، ما وصل. لما ترى الجمعان رأوهم من بعيد قادم، فجاءت الآية، فدخلوا في بطن البحر. هنا من حكمة الله جل وعلا أن الله سبحانه وتعالى أذن لفرعون أن يدنوا وأن يقرب. وأزلفنا قربنا، قربنا، وأزلفنا ثم الآخرين، أي: فرعون ومن معه. لماذا قربه ربنا عز وجل؟ حتى يقف بنفسه على هذه الآية، يرى هذا البحر وقد تقطع، وكيف أن موسى عليه السلام ومن معه يمشون في هذه الأراضي التي قطعت في عقر البحر. فهذه آية من آيات الله. المسألة السادسة من مسائل انفلاق البحر: علمنا أن موسى عليه السلام خرج ببني إسرائيل بكلهم بأجمعهم، لكن هنا وقفة: من من الرسل والأنبياء الذين كانوا مع موسى في هذا المرور؟ في هذا المرور الذي أذكرهم: موسى عليه السلام، هارون عليه السلام، يوشع بن نون، ستأتي معنى الأخبار أن الله أوحى إليه بعد موسى، وهو نبي من أنبياء بني إسرائيل. ويوسف عليه السلام، قد يستغرب البعض، يقول: من أين جئت بيوسف؟ الذي معنا في الدرس الأخير، من أين جئنا بيوسف في قصة العجوز من بني إسرائيل عندما أخبرتهم بجثة يوسف عليه السلام، فأخرجوها. وقد مر معنا الحديث: جثة يوسف عليه السلام بقيت، رسول خامس، وهو من جبريل، جبريل عليه السلام كان مع موسى في هذه الرحلة، بل كان يقودهم. وجاءت الآثار المؤكدة على أن جبريل عليه السلام قد جاء بنفسه، قد ركب فرسًا ويمشي، يمشي مع هذه الجموع، مع موسى، ومع بقية الأنبياء والرسل، مع بني إسرائيل، ويقودهم إلى بر الأمان. ومن أراد أن يستزيد لهذه المسألة فليراجع تفسير قول الله عز وجل، فيما يحكيه ربنا عز وجل عن السامري، حين قال: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾، من الرسول الذي يعنيه السامري؟ سيأتي معنا أنه أراد أثر جبريل عليه السلام، إذ أن جبريل قد حضر في هذا المقام. هذه المسألة السادسة، أو قل: الخامسة أو السادسة، وهي عدد الأنبياء. المسألة السابعة، وهي في قوله تعالى: ﴿وَأْتَرَكْ بِحَرْفَيَوْمَ﴾، لما خاض موسى عليه السلام ببني إسرائيل، وهم بهذا العدد، في هذه الطرقات، حتى أوصلهم إلى الشط الآخر، إلى الضفة الأخرى، وصلوا إلى بر الأمان. ما الذي أراد موسى؟ أراد موسى أن يستعجل بعصاه فيضرب البحر، كان فكرته عليه السلام أن يعيد البحر إلى ما كان عليه، بحيث يفصل بينه وبين فرعون، لأن فرعون لا زال، فرعون لا زال في الضفة الأخرى، ينظر، ينظر لهول ما يرى: بحر تشقق، والناس يمشون ويمشون، وينظر. فلما وصل موسى عليه السلام إلى الضفة الأخرى، أراد أن يضرب بعصاه على البحر حتى يعود البحر إلى ما كان عليه، فيكون البحر حاجزًا بينه وبين فرعون. لكن الله له حكمة أخرى، قال سبحانه: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾، إنهم جند مغرقون. واترك البحر رهوا، قالوا: العلماء، رهوا، أي: اترك البحر على حالته يا موسى، لا تحرك شيء، دع البحر على هذا، مقطع، مفصل، اترك، لا تفعل شيء. وكان من حكمة الله عز وجل من ذلك الإغراء لفرعون أن يدخل، لأن فرعون نعم توجس، خاف، ما أراد أن يخاطر بجيشه الكبير الضخم يدخل في أمر مستغرب. إيش هذا؟ بحر ينشق، كيف؟ ولم؟ هل هناك أمر دبر؟ هل هذا من أثر السحر؟ هل هذا هناك خديعة؟ ففرعون تأنى، تأخر، طبعًا جاءت الآثار: ما الذي بعد ذلك حرك فرعون إلى الخوض؟ ما أخوض في هذا، الآثار تحتاج إلى نظر. لكن قبل هذا وذاك هو تقدير الله، والله أراد بهذا رجل شيئًا. وكذلك الغطرسة والحمق التي في فرعون هي التي أودت به أن يجازف بنفسه وبمن معه، فدخلوا. فلما دخلوا، حينها، لما تكامل موسى ومن معه خارجين، وفرعون ومن معه داخلين، وأصبحوا في داخل البحر، حينها أذن الله لك موسى أن يضرب بعصاه البحر، فضرب. فاضطرب البحر، بعضه على بعض، قال ربنا: ﴿فَأْغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾، فغشيهم من اليم ما غشيهم، فاضطرب البحر عليهم جميعًا، فماذا؟ فأهلكهم عن بكرة أبيهم. الفائدة الثامنة في قصة البحر، وهي أن فرعون أثناء غرقه وعاين الموت، بل عاين الحقيقة، وعلم أنه في غرور، وأنه في جحود، وأنه كان في استكبار، وأن النبوة كانت أمامه، حينها أراد أن يذعن لله، فقال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾، أذعن بالوحدانية لله، وأنه مؤمن بالإله الذي آمنت به بنو إسرائيل. لكن هيهات، هل ينفعه ذلك؟ الجواب: لا، الآن وقد عصيت. لأن التوبة طالما التوبة، مقامها مفتوح لكل أحد، ولو كان من أعتى العتاة، لكن لشرط، وقيل: لا يكون ذلك عند معاينة الموت أو عند الغرغرة ووصول الروح إلى الحلقوم، هذا خلاص، لأنه قد رأى حقائق الأمور، فانكشف له الغيب، فما ينفع الإيمان حينها. فلم تقبل توبة فرعون، بل جاء مما يذكر من أحاديث السنة ما رواه الإمام الترمذي رحمه الله تعالى في سننه، من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه، قال: قال عليه الصلاة والسلام: "إن الله حين أغرق فرعون قال جبريل: يا محمد، لو رأيتني وأنا أنا أخذ من حال البحر، حال البحر، أي: من طين البحر، وأنا أخذ بحال البحر أدسه في فم فرعون، حين قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، قال: خشية أن تدركه الرحمة". سبحان الله، جبريل خشي أن هذه الكلمات تتنزل من أجلها رحمة الله على هذا الرجل، فيمن عليه بالتوبة. فما أراد جبريل من الأمثال هؤلاء؟ قال: ورأيتني يا محمد وأنا آخذ بحال البحر، حال البحر، أي: طين البحر، وأدسه في فم فرعون، حتى لا تدركه الرحمة، فقتل هذا الرجل شر قتلة، أخزاه الله، وهو ماذا؟ من أشد الناس عذابًا، النار يعرضون عليها غدوا وعشيًا، ويوم القيامة أدخل آل فرعون أشد العذاب. هذه مسألة الثامنة. ننتقل بعد ذلكم إلى المسألة التاسعة. المسألة التاسعة في قضية البحر، إخواني في الله، هذا الحدث، حدث عظيم، أن الله عز وجل أهلك هذا الطاغية الذي استبد في الأرض. السؤال والجواب إليكم: متى كان هذا؟ متى كان إهلاك فرعون؟ عند من؟ ها، يوم عاشورة، أحسنت أخي محمد، كان هذا في اليوم العاشر من محرم، بين قوسين: في يوم عاشورة. ولعلكم تعلمون بالحديث، لكن لم تتفطن الاستدلال به. الحديث الصحيح دائمًا نذكره، ويذكر في المساجد والمجالس: في يوم عاشورة، أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المدينة، فوجد اليهود يصومون، فسأل عن سر صومهم، قالوا: هذا يوم، وكان يوم عاشورة، قال: "هذا يوم نجَّى الله موسى وأهلك الله فرعون، فنصومه شكرًا لله". فكان هذا اليوم أرغ ثابت، ونبي أقرهم، قال: "نحن أولى بموسى منكم"، فصامه وأمر بصيامه. وها نحن نصوم عاشورة تخليدًا لهذه الذكرى، وتطبيقًا للسنة النبوية، وتخليدًا كذلك لهذه الذكرى. فلما نصوم عاشورة، نستحضر هذا الحادث، وهذا الحدث العظيم، وهو ما كان من إنشقاق البحر لموسى، وما كان من مرورهم، وأن الله أنجاهم، وكيف أن الله أهلك فرعون ومن معه. المسألة العاشرة والأخيرة، أختم بها هذا المجلس، وهي: أهلك الله عز وجل فرعون، هذا لا شك فيه ولا ريب، لكن في تلك اللحظة نتحدث عن بني إسرائيل الذين عاشوا في ظل هذا الرجل الذي كان يملي عليهم: أنا ربكم الأعلى، أنا ربكم الأعلى، ما لكم إله غيري، أنا ربكم، أنا إلهكم. فكانوا يخافون منه خوفًا عظيمًا. فلما جاءت الأخبار لأن الله أهلك فرعون، بعضهم الأزل ممستوعب الفكرة: يموت فرعون، يموت كما يقول بعض: هذا سبعة أرواح، كيف يموت هذا؟ ما يموت هذا، يدعي الألوهية، عنده سحرة، عنده أشياء. فظنوا أنه سينسل أو أنه نجى من الغرق أو أنه ذهب إلى الضفة الأخرى. وهذا قد أشار إليه ابن كثير في تفسيره، ونقله عن ابن عباس، فأوحى الله عز وجل للبحر أن أقذف بجثة فرعون إلى الضفة الأخرى، ليس الضفة التي جاءوا منها، الضفة الأخرى، ستأتي الحوادث في جهة سيناء، في جهة سيناء. فقذف البحر بجثة فرعون إلى الضفة الأخرى، حيث يوجد بنو إسرائيل، كما قال ربنا: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾، آية لهم أولًا، حتى ينظروا. فذكر ابن عباس رضي الله تعالى عنه بأن الله رمى بجثته إلى مكان مرتفع، ألقى بجثته، عبارة عن جسد بلا روح، قد قبض الله روحه، وعليه درعه التي يعرفها بنو إسرائيل عنه. فتعلموا أن هذا الرجل قد هلك، وأنه قد مات، فكانت هذه آية من آيات الله، في أن الله جعله جثة أمام هؤلاء. هنا تأتي مسألة، والشيء بشيء يذكر: هذه الآية: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾، يذكر بعض الآن أن هذه جثة فرعون هي لزال باقية، أنها باقية، ولزال موجودة في المتحف. في من ذهب إلى أرض مصر وذهب هناك وسأل عن فرعون، قال: هذا فرعون، ويدل عليه، والكثير يستدل بهذه الآية: ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾، نجاتك، وننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية، خلفك، لمن سيأتي من الأمم والشعوب، آية من آيات الله، في أن الناس يعتبر بهذا الذي بالأمس ادعى الألوهية والربوبية. ها هو جثة هامدة. هل هذا الكلام صحيح أم ليس بصحيح؟ هل يمكن أن نقول بأن هذه الجثة الموجودة في المتحف هي جثة فرعون، هو بنفسه؟ طبعًا وقع الخلاف في هذه المسألة. فمن أهل العلم من ينكر هذا، من يمنع هذا منعًا باتًا، وأن هذا ما ينبغي، وأن هذا لا يكون، وأن الآية ليست بهذا المفهوم، وإنما الآية التي أرادها الله إنما للحاضرين لبني إسرائيل، حتى يقتنعوا، يقتنعوا بأن فرعون حي، أرم الله بجثته من بين الجثث، رماه بين أظهرهم لكي يروه حي، جثة كاملة، حتى يعلم أنه هو، هو بنفسه. قالوا: أما أنه يعني ترك كما يقول الشيخ العثيمين، قال: إن بنو إسرائيل لو علموا، لو كان أمر بأيديهم لقد طعوه، ويقوم بتحنيطه وحفظه ورعايته، لقد طعوه إربًا إربًا، كما قال الشيخ العثيمين رحمه الله: أن لهذا الرجل أن يحنط، وأن يحافظ على جثته. وهكذا مثله الشيخ الفوزان رحمه الله، حفظه الله، على المنع، وأن لا نقول أن هذا فرعون، بل هذا بعيد كل البعد. هذا قول، قول آخر من أهل العلم، نعم، من ذهب إلى أن هذا هي جثة فرعون، وأن هذه آية من آيات الله، وأدخلها في الإعجاز العلمي، كما ذكر ذلك بن عاشور رحمه الله في تفسيره. وطائفة ثالثة توقفوا، قال: الله أعلم، نحن لا نستطيع أن نجزم، لا نقول أنه يحتمل، نعم، من حيث التاريخ، الحوادث التاريخية، أنه رمسيس الثاني، نعم يمكنه، لكن أما الجزم فما نستطيع أن نجزم، فالله تعالى أعلم. فهذه إخواني في الله خلاصة عشر مسائل أذكرها في قضية البحر. طبعًا بعد هذه مسألة أستذكرها الآن، وهي نهاية البحر: ما شأن أهل مصر؟ أهل مصر ما يدرون بشيء، لأن كل من خرج ما عاد منهم أحد، الذي خرج بنو إسرائيل عن بكرة أبيهم، هل رجع منهم أحد؟ ما رجع، لأنهم تحولوا إلى الضفة الثانية، إلى الضفة الثانية، إلى جهة سيناء، كلهم. طب، فرعون خرج بجنده، بحاشيته، هل رجع منهم أحد؟ ما رجع منهم أحد، لأن الله قال: ﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، أجمعين، ما رجع أحد. إذن بقي أهل مصر، إن قطعت الأخبار عنهم إلى أن ماذا؟ إلى أن جاء البحر وقذف بالجثث، قذف بالجثث، علمت مصر بعد ذلك، والأخبار، والذي صار، وأن الله قد أهلك فرعون ومن معه. هنا إن شاء الله إخواني في الله، من يوم غد، ستبدأ معنا مرحلة جديدة من حياة موسى عليه السلام. فلا تظن أن موسى قصته تكمن في مصر، نعم، قصة مصر انتهينا منها، لكن تأتي مرحلة أخرى من حياة موسى مع بني إسرائيل فيما بعد مصر، وفي حال سيناء، إلى آخر حياته. نسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.