الدرس في قصة موسى عليه السلام في القرآن 14، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
نجا بنو إسرائيل من فرعون وقسمهم موسى إلى مجموعات قبلية لسهولة القيادة. اختار موسى نقيبًا لكل مجموعة ليكون حلقة وصل بينه وبين الشعب.
أنجى الله بني إسرائيل من فرعون وأنزل عليهم المن والسلوى وظلل عليهم الغمام. خلال مسيرهم، طلبوا من موسى أن يجعل لهم إلهًا مثل آلهة المشركين.
طلب المشركون من النبي أن يجعل لهم ذات أنواط مثل ما لهم، فحذرهم النبي من مشابهة المشركين مستدلًا بطلب بني إسرائيل من موسى. النبي أراد تحذيرهم من تقليد المشركين في معتقداتهم.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، على خلاف ما جرت به العادة، كان استكمالنا لقصة موسى عليه السلام، وذكرنا أهم الأحداث المتعلقة بانشقاق البحر لموسى عليه السلام، من حين أن ضربه موسى بأمر من ربه عز وجل، فانفلق على القول الصحيح إلى عدة فرق، وإلى عدة طرق، إلى اثني عشر طريقًا، وأنه مر بمن معه، ليس هذا فحسب، بل كذلك بصحبة الأنبياء، وذكرنا عدتهم، وعلى رأسهم جبريل عليه السلام، كما صحت بذلكم الآثار. وكيف أن موسى، حين انخرج إلى الضفة الأخرى، أمره ربه بالانتظار وترك البحر رهوى، لماذا؟ حتى يكون في ذلك استدراج لفرعون أن يدخل إلى عباب البحر، ويكون في وسط الوادي، فلما صار ذلكم، أمره ربنا أن يضرب العصى بالبحر مرة أخرى، فغشيهم من اليم ما غشيهم. وأشرنا كذلكم إلى أن فرعون حاول أن يؤمن، لكن هيهات، وهو في هذا الوقت الضائع الذي أغلقت فيه باب التوبة، وذكرنا أن هذه الحادثة العظيمة والآية الجليلة هي مؤرخة في تاريخنا الشرعي، قد وقعت في العاشر من محرم، في يوم عاشوراء، كما صح بذلك الخبر عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. ثم قطعًا للتردد الذي قد يتبادر إلى بني إسرائيل حول حقيقة مقتل فرعون، أخرج الله جثته إلى الخارج، حتى يراه الناس بأعينهم، وأنتم تنظرون إلى مهلك هذا الطاغية. بهذا، إخواني في الله، ستبدأ مرحلة جديدة مع بني إسرائيل، بالأمس كانوا تحت وصاية فرعون، الذي أذاقهم سوء العذاب، جعلهم في حالة من الامتهان لا يعلم بها إلا الله، قتل وذبح واستحي النساء. والآن هم تحت وصاية موسى عليه السلام، هو الذي سيقود زمام هذا الشعب بنفسه، بل وسيحرص على أن يجعل هذه الأمة هي من خيرة الأمم، ومن أفضل الأمم في أزمانهم، كما قال ربنا: ﴿وفضلناكم على العالمين﴾، تفضيل ما بعده تفضيل. وليس فقط أفضليتهم تكمن في النوعية، بل حتى العددية، فلا يزال موسى يربي بأتباعه حتى يجعلهم من أكثر الناس عددًا، يدل على ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «فرفع لي سواد عظيم، فضننت أنهم أمتي، فقيل لي: لا، هذا موسى وقومه، موسى وقومه، سواد عظيم»، أي لكثرة من معه. فموسى سيخرج بهذا الشعب إلى ما فيه الخيرية لهم في دينهم ودنياهم، من حيث الكم والعدد والنوع، طبعًا، لكن هذا الانتقال والنقلة من حال الهون إلى حال الظفر والفوز، ستكون هناك مراحل، ستأتي الحوادث الكثيرة والابتلاءات العظيمة، والتي سيقع في بعضها السقوط لبعضهم. فنبدأ أول ما نبدأ من هذه المرحلة الجديدة، أولًا: كيف سيسوس موسى عليه السلام هذا الشعب بأكمله؟ خرجوا إلى العراء، تخيل خرجوا من البحر إلى العراء، وهم بهذا العدد، مئات الألوف، قد ملأت بهم الأفق والساحات. فكان في أول مهام موسى عليه السلام: كيف سيسيس هذا الشعب؟ فجاءت فكرة أن يقطعهم إلى أقسام، وإلى مجموعات، ويجعلهم أممًا وأسباطًا، فقسمهم إلى اثنتي عشرة مجموعة، قل: جماعة، قل: فرقة. وهنا يأتي هذا العدد، ما سر هذا العدد؟ اثنا عشر، مرة معنا، عندما ذكرنا انفلاق البحر، ذكرنا اثني عشر، والآن قسم موسى قومه إلى اثني عشر، ما سر هذا العدد؟ هذا العدد، إخواني في الله، له دلالة، ما دلالته؟ دلالته أن هذا العدد هو في الحقيقة أصول بني إسرائيل، أصولهم ترجع إلى اثنتي عشرة قبيلة، يعقوب عليه السلام، وهو الجد الأكبر لبني إسرائيل، ترك اثني عشر ولدًا، وهو يوسف وإخوته، هؤلاء هم ذرية يعقوب عليه السلام، اثنا عشر، وهؤلاء منهم جاءت الأبناء والذرية والأحفاد والسلالات، حتى أصبح هذا الشعب بني إسرائيل، فهم يرجعون إلى هذه الأصول. ولهذا كان مما يسهل على أمر موسى عليه السلام أن يرجعهم إلى أصولهم، فأنت من هم؟ من بني يوسف، جماعة يوسف، هناك شمعون، يا بني شمعون، أنتم هنا، يا بني يهوذا، أنتم هناك، يا بني بنيامين، هناك، قسمهم، طبعًا من باب الفائدة، يرجع موسى إلى لاوي، أصله يعود إلى لاوي، هم اثنا عشر أسباطًا، هؤلاء هم الذين قسمهم موسى عليه السلام، أرجع كل واحد إلى أصله. وهذا فقط من باب ترتيب الأمور وتنظيم هذه الأمة، بعدما قسمهم، اختار على كل مجموعة ما يسمى بالنقيب، النقباء، أنت مسؤول عن هذه، وأنت مسؤول عن هؤلاء، وأنت مسؤول عن هؤلاء، ووظيفة هؤلاء هم سيكونون همزة وصل، سيكون عنده اثنا عشر نقيبًا، هؤلاء هم همزة وصل بين موسى وبين الشعب. لأن ما يستطيع موسى على كل صغير أو كبير، سيجمع مئات الألوف، ستأتي الأشياء، ستأتي إما أشياء شرعية وحي، أو أشياء دنيوية من التحرك والسير، فموسى لن يحتاج لأن يجمع هؤلاء جميعًا، وإنما يأتي بالنقباء، يجمعهم، يكون بجواره دائمًا، فإذا جاء شيء، أمر ديني شرعي دنيوي، كوني استدعى هؤلاء وأعطاهم، وهؤلاء هم بدورهم يرجعون إلى من خلفهم، ويعطونهم ما سمعوه من موسى عليه السلام. وبهذا كان هذا في حل لهذه المعضلة في كيفية تسييس هذا الشعب الذي سيسير معه، لكن هذه المعضلة ليست المعضلة الوحيدة، ستأتي عدة معضلات، وهم في هذه الحالة، شعب خرج من البحر، ليس لهم مأوى. فكان مما طلبوه من موسى، وخاصة حين أن أصابهم الضمأ، أرادوا ماء، هو في الصحاري، ما عندهم إلا البحر، البحر لا يشرب، فأرادوا ماء، فطلبوا من موسى عليه السلام ماء، وأن يسأل ربه عز وجل أن يسقيهم. ﴿وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا﴾، وهذه آية من آيات الله، أن موسى يأتي بحجر، ويأتي بعصاه، فيضرب بعصاه الحجر، فإذا بهذا الحجر تنفجر منه عيون، منابع ماء، كم عدد هذه العيون؟ اثنتا عشرة. الآن ستعلمون ما هو السر في هذا العدد، دائمًا سيأتي معنا اثنا عشر، اثنا عشر، لأن هؤلاء قسموا على هذه الهيئات، انفلاق البحر اثنا عشر، قسم موسى قومه إلى اثنا عشر، الحجر نبعت منه اثنتا عشرة عينًا، كل ذلك لأنه سيعود إلى كل سبط وحده. فالحاصل أن موسى عليه السلام أتى بهذا الحجر، عندما سأل ربه السقية، فأمره ربنا جل وعلا أن يضرب بعصاه الحجر، فإذا بهذا الحجر بالضربة تنفجر منه العيون، تخرج منه عيون ماء تنبعث من هذه الصخرة الصماء، آية من آيات الله، آية من آيات الله، قد لا يعقلها العقل البشري، لكن هذا بإرادة الله سبحانه وتعالى. قد علم كل أناس مشربهم، كل أناس، أي كل فرقة، كل قبيلة، قبيلة يهوذا، هذا مكانك، احفظوا، وقبيلة فرعون، هذا مكانك، يحفظ، وشمعون هنا، ويوسف، قبيلة يوسف، من هنا، وهكذا، لاوي، وكل قبيلة قد علم كل أناس، كل واحد علم أين مصدر مائه الذي سيشرب ويستسقي منه. طبعًا تنوعت عبارات العلماء في ما هي هذا الحجر، وكيفية هذا الحجر، شكله وطوله، منهم من ذهب إلى أنه مربع، مربع، أربع جهات، وفي كل جهة تخرج ثلاثة عيون، حتى تكون اثنتي عشرة، مسألة تقريبية، والله تعالى أعلم. وليس هذا فحسب، ليس الأعجوبة تكمن فيه هذا، وإن كان هذه أعجوبة بحد ذاتها، لكن تكمن العجوبة الأخرى أن هذا الحجر، ماذا إذا انتهوا منه وسقوا جميعًا؟ أخذ هذا الحجر وطرح مع المتاع، وأخذوه معه، يأخذونه معه، يصطحبونه إلى أن تأتي مرحلة، وأرادوا السقية، أنزلوا هذا الحجر، يا موسى، يضرب عصا، فتنفجر منه العيون مرة أخرى. فيكون هذا الحجر عبارة عن ماء يتحرك معهم، آية من آيات الله، يسير معهم حيث ساروا، يأخذونه معهم، ويستسقون منه صباحًا مساء، متى ما أرادوا، وهذا كما قلنا، إذا ذكرنا أنه عبارة عن حجر خاص، ومن أهل العلم من يرى أنه ليس بحجر خاص، وأن كلمة حجر هنا اسم جنس، بمعنى أي حجر، أي حجر معك، عصاك يا موسى، مرت بمكان قومك، أرادوا سقيا، اضرب بعصاك أي حجر أمامك، اضرب فتنشق منه العيون، قيل هذا، نعم. فالعلماء على قولين في معرفة حقيقة هذا الحجر، هل هو حجر مخصوص أم أنه أي حجر يضرب؟ قيل هذا، وقيل هذا، والعلم عند الله. إذن انتهينا من المعضلة الثانية، وهي قضية الشرب، لكن تأتي باقي المعضلة الثالثة، وهو الطعام، الزاد، خرجوا الآن من البحر، ما عندهم ما يأكلون، ومن خرج منهم على وعسى بزاد، سينتهي وينفذ، سينفذ، فشعروا بالجوع، وطلبوا من موسى أنه يوفر لهم ما فيه لقمة العيش حتى يعيشوا. فحينها أنزل الله عز وجل عليهم المن والسلوى، المن والسلوى، ﴿أنزلنا عليكم المن والسلوى﴾، هذا فيه تغطية لمسألة الجوع الذي أصابهم، وما المن والسلوى؟ خلاصة الكلام من أقوال المفسرين والمؤرخين في حقيقة هاتين المادتين. أما المن، أكثر العلماء على أنها مادة عسلية، منهم من قال هو عسل، لكن, بعضهم يقول هي مادة عسلية لزجة، لزجة، هذه المادة العسلية يجدونها في الصباح أمامهم، موجودة في الأشجار، تخرج مع الطل، فيأخذون هذه المادة ويأكلونها، وتكفيهم وتكفيهم. وأكثر العلماء على أن هذه المادة تظهر أمامهم من بعد الفجر إلى طلوع الشمس، هذا وقتها، من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، هذا وقتها، ثم بعد ذلك تذهب، فكانوا في هذه الفترة، على قول كثير من المفسرين، أن المادة يأخذونها، يعرفون، يعرفون موعدها، فيأخذونها ويتزودون منها، ويأكلون منها، وتكفيهم. هذا الذي يقول أكثر العلماء على أنها مادة عسلية، ومنهم من يقول هو عسل، ومنهم من أتى بعبارات ثانية في حقيقة المن، حتى بعض الفقهاء أو المفسرين، كالإمام ابن كثير، وكذلك الإمام السعدي، يرون أن كلمة من أوسع، وكل ما يمنه الله عليهم من غير تعب، كل ما يمنه الله عليهم من غير تعب، يقومون يجدون الطعام أمامهم. فأدخلوا هذه المادة، وغير ذلك، فالله تعالى أعلم، لكن أكثر العلماء على أن المن هو عبارة عن مادة عسلية يجدونها أمامهم في هذه الأوقات. وأما السلوى، فمنهم من نقل الاتفاق على هذا، وإن كان فيه خلاف، لكن أكثر العلماء، جمهور المفسرين، على أن السلوى طائر، على أنه طائر، طائر لذيذ الطعم، حتى بعض يقول هو السماني، ومن يقول هو الصفاري، ويعرفونه أهل الحجاز، قال: وهو طائر أصفر لذيذ الطعم، السلوى هو طائر، أنزله الله عز وجل عليهم. ما فائدة هذا الطائر؟ يأخذونه ويذبحونه ويأكلونه، وهذا الطائر كما قال العلماء لا يحتاج إلى استياد، لماذا؟ لأنه الذي يأتي عندهم، يمشي بينهم، فقط الواحد يتناوله تناولا، يأخذه، لا تقول: يفر أو يهرب، لا، الله هو الذي أرسله إليهم طعامًا لهم، زادًا يتزودون به، فلا يفر. فكان هذا المن والسلوى الذي أعطاهم الله إياه، إذا انتهينا من مسألة الطعام والشراب، بقي كذلكم من المعضلات التي واجهت بني إسرائيل في مسألة خروجهم من البحر، ما يتعلق بمسألة الشمس المحرقة، يمشون يمشون في صحاري طويلة، والشمس من فوقهم، ما عندهم ملاجأ، ما عندهم بيوت، ما عندهم خيام. إن وجدوا إن وجدوا أشجارًا، ما الذي عسى الأشجار أن تكفي هذا الشعب بأكمله؟ مئات الألوف، فكانت الشمس محرقة في النهار، فطلبوا من موسى أن يرسل إليهم شيء يعينهم في هذا الأمر، فقال ربنا: ﴿وظللنا عليكم الغمام﴾، والغمام يقول العلماء هو السحاب الأبيض، السحاب الأبيض الذي يحول دون أشعة الشمس، تظلهم وهم يسيرون، وهذا الغمام من فوقهم. وقال علماء: أن هذا الغمام من أمره أنه بارد، بارد، ليس فقط وقاية من الشمس، وكذلك تلطيف للجو، آية من آيات الله لهذا الشعب، وظل لربنا عز وجل عليهم الغمام. من أهل العلم من يرى أن الغمام أوسع من هذا، أوسع، يعني يقول: أنتم جعلتم الغمام في الأعلى، يكون فوق الرؤوس، يحول بين الشمس، ولعل هذا الشعب إنما أراد ما هو أوسع من التستر من أعين الشمس، بل ربما أرادوا التستر من أعين بعضهم لبعض. لأنهم شعب يسير مع بعض، مخلوط، وما هناك حاجز، شخص ما أراد مع أهله، أراد مع نفسه، أراد يريد أن ينكشف، يتستر، ما يستطيع، الكل مكشوف، فذهب الضباب الأبيض يسير معهم، بحيث ماذا؟ يتستر الواحد عن الآخر، يتستر الواحد عن الآخر، بإمكان أن ينكشف أو يسمع عليه دون الثاني أن يرى، قيل هذا، والله تعالى أعلى. وإلا فإن أكثر المفسرين على أن الغمام هو الذي يحول بينهم وبين حرارة الشمس، بهذه الأمور، إخواني في الله، تم ترتيب وتنظيم سير بني إسرائيل، في مسألة ترتيب الناحية السياسية، والتلقي الأوامر من موسى، بتقسيمهم، الشراب معهم، الحجر، الطعام معهم، المن والسلوى، والستر من حرارة الشمس، وهو بمعنى المأوى الكبير، الظل، معهم. طيب هذا الذي تم تجهيزه، لماذا؟ لأن الله عز وجل أمر موسى أن يسير بهذا إلى أين؟ يسيرون الآن، انتقلنا، خرجوا من بلاد مصر، ودخلوا البحر، فوافقوا الشط الثاني، وهي بلاد سيناء، الآن دخلوا في بلاد سيناء، يسيرون إلى أين؟ يسيرون، أمر الله عز وجل موسى أن يسير بقومه إلى جانب الطور، إلى جانب الطور. ﴿يا بني إسرائيل إذ أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور الأيمن أنجيناكم من فرعون وواعدناكم﴾، في قراءة: ﴿وواعدتكم﴾، هذا موعدكم، موعدكم أن تأتون إلى ذاك المحل، فتحرك موسى عليه السلام بهذا، يقدر كما في المقاييس العصرية، من خروجهم من البحر الشاطئ إلى هذا المكان، ما يقدر بثلاثمائة وخمسين كيلو، ثلاثمائة وخمسين كيلو، سيسير بهم موسى. وليس على عجلة، وليس على خبب، لأن معهم الكبار، معهم الصغار، معهم النساء، فكان السير ماذا؟ ثقيلًا، بطيئًا، يسير بهم حتى يراعي الجميع، لكن بالمقابل معهم الزاد، معهم الطعام، ومعهم الغمام، خلال هذا المسير، وقعت حوادث. وحسب أن أشير في هذا المقام إلى حادثة، وبعد ذلك نستكمل في دروس قادمة بإذن الله، من هذه الحادثة: أنهم عندما يسيرون مروا على بلاد، على قرية، على قوم، لكن كان من شأن هذه البلاد أنهم عبد للأصنام، وجاوزن ببني إسرائيل البحر، فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم. بعدما جاوزهم الله البحر، وجدوا بلدة، من أول ما صاد بلاد، لكنها تعبد الأصنام، تعبد الأوثان، قيل: أن هؤلاء كانوا من بني كنعان، كانوا عاكفين من عباد الأصنام والأوثان، يعبدون الأصنام، وقيل: أن أصنامهم كانت مجسمة مصورة على أشكال، بعض المفسرين قالوا: ومن هنا ومن هذه المسألة انقدحت شبهة عبادة العجل، ستأتي معنا بإذن الله، شبهة عبادة العجل، انقدحت في أذهان بعضهم من بني إسرائيل. فلما مروا هؤلاء على قوم يعكفون على أصنام لهم، قالوا: يا موسى، اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة، كما أخبرناكم، موسى سيتعب مع هؤلاء، موسى سيتعب كثيرًا مع هؤلاء، تخيل، أول طلب يطلبونه، بعدما حقق الله عز وجل لهم مطالب الدنيا، أرادوا أن يجعل لهم إلهًا، اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة. غضب موسى، قال: ﴿إنكم قوم تجهلون﴾، شمعتم جهلًا، فأخذ يذكرهم بإنعام الله عليهم، بأنعام الله عليهم، وأن الله أنجاهم من فرعون، وقد كنتم في ذلة، وقد كنتم في مهانة، الآن تطلبون هذا، تطلبون عبادة غير الله عز وجل. ﴿إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون﴾، متبر، أي: هلاك، هذا هو الهلاك بعينه، الذي يتوجه إلى غير الله، عبادة وطاعة، هذا قد هلك نفسه، ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾، وغضب موسى عليه السلام. وكما قلنا: الموسى سيحاول، لأن هؤلاء عاشوا في فترة من الذل والهوان والخضوع والخنوع، فسيبدأ معهم في تربيتهم، لكن سيدوم وفتناك فتنة، كما قال ربنا عز وجل، وكما قال نبينا: «لقد أوذي موسى أكثر من هذا فصبر»، عليه السلام. فكان هذا من طلبهم، فحينها عاتبهم ووبخهم، وأخبرهم أن هذا باطل، أن يلتجئ إلى غير الله، وهذه الحادثة قد أشار إليها نبينا صلى الله عليه وسلم، عندما خرج إلى غزوة حنين، وكان معه جيش عظيم، عهد بإسلامهم، ولما تحرك بجيشه عليه الصلاة والسلام، مروا على قرية كذلك، وكان هؤلاء ينوطون أسلحتهم عندهم شجرة، يعتقدون فيها النفع والضر. وكان المشركون هؤلاء يعلقون أسلحتهم في هذه الشجرة، يعتقدون أن الشجرة تعطي القوة وتمدهم بالمنع، فلما رأى هؤلاء الحدوثة، ما رأوا، قالوا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال عليه الصلاة والسلام: «قلتم كما قالت بني إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة». فالشاهد: النبي ذكر هذه الحالة عن بني إسرائيل، وهي قصة قد جاء ذكرها في كتاب الله عز وجل، فهذا، إخواني في الله، مما أذكر في هذا المقام، ستأتي معنا بإذن الله كذلك، بقية الحوادث التي سارت تباعًا مع موسى، وهو يسير بقومه إلى الموعد الذي ضربه الله لهم. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.