الخطبة بعنوان حقوق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر25 ربيع الأخر 1439هـ ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
تستعرض الخطبة مكانة النبي محمد صلى الله عليه وسلم كرحمة للعالمين، وتؤكد أن من حقوقه الواجبة الإيمان به تصديقاً وطاعةً واتباعاً ومحبةً. وتستدل بآيات قرآنية تأمر بطاعته في أكثر من ثلاثين موضعاً، محذرة من عاقبة من سمع به ولم يؤمن، ومبينة أن الفلاح لا يتحقق إلا باتباعه.
يؤكد المقطع أن محبة النبي صلى الله عليه وسلم فرض واجب تتحقق بتقديم طاعته على الهوى، ويقسم الناس في محبته إلى ثلاثة أصناف: غالون ألهوه، وجافون أهملوا سنته، وقوم وسط اتبعوا هديه والتزموا أمره ونهيه. ويبين أن المحبين الحقيقيين هم أهل الوسطية والاتباع.
يبيّن الخطيب حقوقاً إضافية للنبي صلى الله عليه وسلم تتمثل في تعزيره وتوقيره بعدم رفع الصوت عليه ولا التقدم بين يديه. ويؤكد فضيلة الصلاة عليه التي تمحو السيئات وترفع الدرجات وتفرج الهموم، داعياً المسلمين إلى الإكثار منها في كل حال.
يبدأ المقطع بترديد تكبيرات الأذان والشهادتين معلناً دخول وقت الصلاة، ويشكل دعوة عملية للمسلمين لأداء الفريضة بعد الانتهاء من الخطبة.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، وقال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. عباد الله، إن الآيات التي ذكرت في كتاب الله عز وجل في الثناء على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومعرفة شمائله، ومعرفة منزلته، وأن الله سبحانه وتعالى أرسله رحمة للعالمين، وأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم، وأن دعوته للناس أجمعين، إنها لآيات كثيرة في كتاب الله عز وجل لا يتسع المقام لذكرها كلها، ولكن حسبنا ما ذكرنا من الآيات. أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم له حقوق فرضها الله عز وجل على عباده، فمنها ما جاء في كتاب الله عز وجل، ومنها ما جاء في سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فمن هذه الحقوق الواجب على الناس أجمعين: أن الله عز وجل أمر بالإيمان به، سواء كان ذلك الخطاب للمؤمنين خاصة أو للناس عامة. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾. ففي هاتين الآيتين الكريمتين يبين الله سبحانه وتعالى ويأمر الناس أجمعين وعباده المؤمنين بالإيمان برسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والإيمان ليس مجرد التصديق بأن تصدق بأنه رسول الله عليه الصلاة والسلام وأنه نبي الله صلى الله عليه وسلم، بل يشمل طاعته، ويشمل اتباعه، ويشمل كذلك معرفته صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فالآيات الدالة على الإيمان بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم اقترنت كذلك باتباعه عليه الصلاة والسلام، واقترنت بطاعته عليه الصلاة والسلام. فلا يكون المسلم مسلما، ولا المؤمن مؤمنا، حتى يتبع الرسول صلى الله عليه وسلم، وحتى يطيع الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وحتى ينقاد للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وحتى يحب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. جاء في صحيح الإمام مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ» -أي أُمَّةُ الدَّعْوَةِ- «لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِي إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ». نعم عباد الله، من لم يؤمن بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولو آمن بكافة الرسل، ولو آمن بوجود الله سبحانه وتعالى، لا ينفعه ذلك، وكان من أصحاب النار، حتى يؤمن بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيصدقه، ويتبعه، ويطيع أمره عليه الصلاة والسلام. والآيات التي جاءت في كتاب الله عز وجل على طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام كثيرة جدا. قال الإمام أحمد رحمه الله: «نظرت في المصحف فرأيت طاعة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في ثلاثة وثلاثين موضعا». وهكذا قال الإمام الآجري رحمه الله: «إن الله عز وجل فرض على عباده طاعته عليه الصلاة والسلام، وذلك في نيف وثلاثين موضعا من كتاب الله تعالى». يقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾، ويقول الله عز وجل: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، ويقول الله عز وجل: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾. الآيات في الأمر بطاعة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما قال الإمام أحمد، أكثر من ثلاثين موضعا في كتاب الله، ليُبَيِّن الله سبحانه وتعالى عظمة هذا الرسول، ليُبَيِّن الله سبحانه وتعالى منزلة وشرف هذا الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأنه لا سعادة للناس أجمعين إلا باتباعه عليه الصلاة والسلام. ولهذا قال الإمام ابن القيم رحمه الله، كما في زاد المعاد في هدي خير العباد: «ومن هاهنا تعلم فريضة اتباع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأنه لا سعادة ولا فلاح في الدنيا والآخرة إلا على أيدي الرسل». نعم يا عباد الله، لا سعادة لنا ولا فلاح لنا في الدنيا والآخرة إلا باتباع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى، قَالُوا: وَمَنْ يَأْبَى يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى». رواه الإمام البخاري من حديث أبي هريرة. وفي المتفق عليه أيضا من حديثه رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ». فيا أيها المؤمن، يا من آمنت برسول الله صلى الله عليه وسلم، اعلم أن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي طاعة لله، وأن معصية النبي صلى الله عليه وسلم هي معصية لله. ومن حقوقه عليه الصلاة والسلام التي أمرنا الله عز وجل بها: محبته عليه الصلاة والسلام. محبة النبي صلى الله عليه وسلم فرض واجب على كل مؤمن، أن يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، تحبه أكثر من نفسك، وتحبه كذلك أكثر من والديك، وتحبه عليه الصلاة والسلام أكثر من أولادك، وتحبه كذلك عليه الصلاة والسلام أكثر من الناس أجمعين. يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في المتفق عليه من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ». حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين. وهو في البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه دون قوله: «والناس أجمعين». وهكذا قال عمر، قال عمر ابن الخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «والله يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا، والذي نفسي بين يديه، حتى أكون أحب إليك من نفسك». فقال عمر حينها: «والله يا رسول الله، لأنت أحب إلي من نفسي». فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الآن يا عمر، الآن يا عمر». نعم يا عباد الله، لا يستكمل أحد الإيمان حتى يحب النبي صلى الله عليه وسلم، ويكون حبه عليه الصلاة والسلام أفضل من نفسك التي تحبها وتقدم شهواتها وأهوائها. فإذا تعارض يا عبد الله هواك وشهوتك مع أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فحينها يكون الاختبار، حينها يكون الامتحان من الله عز وجل: أأنت صادق في محبته أم أنك مدعٍ؟ هل تقدم قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ هل تطيعه فيما أمرك به؟ هل تنتهي عما نهاك عنه؟ فتكون بذلك محبا له صلى الله عليه وعلى آله وسلم. إن المحب لمن يحب مطيع. ادعى قوم أنهم يحبون الله عز وجل، فابتلاهم الله تعالى بهذه الآية: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾. إن كنت تحب الله فاتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم. إن كنت تحب رسول الله صلى الله عليه وسلم حقا فتتبعه عليه الصلاة والسلام، وتقدمه على شهوات نفسك، وتقدمه على هواها. ولهذا قال أهل العلم: الناس افترقوا في محبة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى ثلاثة أقسام: طرفان ووسط. فأما الطرف الأول: فقوم غلوا فيه حتى ألهوه، وجعلوا له من المقامات مقام الرب عز وجل. فهذا يقول: «يا أكرم الخلق، ما لي من ألوذ به سواك عند حدوث الحادث العظيم، إن لم تكن يوم المعاد آخذاً بيدي، وإلا فقل يا زلة القدم». حتى قال: «فإن من جودك الدنيا وآخرة، ومن علومك علم اللوح والقلم». إطراء وغلو في شخص النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حتى أعطوه ما هو من خصائص الله، وما هو من خصائص الرب سبحانه وتعالى. وأما القوم الآخرون: فقوم جفوه عليه الصلاة والسلام، فلم يتبعوا سنته، ولم يطيعوه، ولم يتعلموا أحواله، ولم يعرفوها، فأعرضوا عن ذلك، عياذا بالله، واشتغلوا بالملهيات، واشتغلوا بالدنيا، عياذا بالله. فلا هم يتعلمون أحوال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا يتعلمون سيرته، ولا يعرفون اسمه عليه الصلاة والسلام إلا «محمد»، ما يعرفون شيئا من حياته عليه الصلاة والسلام. لا يعرفون هديه في وضوئه، ولا يعرفون هديه في صلاته، ولا يعرفون هديه في صيامه، ولا يعرفون هديه في زكاته، ولا يعرفون هديه في حجه وعمرته، ولا في نكاحه عليه الصلاة والسلام، ولا في معاملاته مع الناس. أعرضوا عن سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هؤلاء الجفاة. وأما الطرف الوسط: هم الذين عرفوا للنبي صلى الله عليه وسلم مكانته، وعرفوا له مقامه، فإنه عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. علموا أن الله عز وجل أوجب طاعته فأطاعوه، وأن الله عز وجل أوجب اتباعه فاتبعوه، وأن الله سبحانه وتعالى أمر بامتثال أمره فامتثلوه، وأن الله عز وجل كذلك نهى أن يعصوه فانتهوا. هكذا القوم الوسط: تعلموا سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فأقبلوا على حلق العلم، وأقبلوا على بيوت الله، واستمعوا لحديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهؤلاء القوم هم المحبون حقا للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يذكرونه دائما حينما يدرسون العلم، فيقولون: «قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم» في الأحاديث النبوية الشريفة، في الخطب، في المحاضرات، وكذلك في المجالس العامة والخاصة، يكون حديث النبي صلى الله عليه وسلم نصب أعينهم. فهؤلاء من أحب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يحب ويرضى. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، عباد الله، ومن حقوق المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم التي أوجبها الله على عباده وأمر بها في كتابه: تعزيره وتوقيره. قال سبحانه وتعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾. والخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أي الضمير في الآية عائدٌ على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا قال سبحانه: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾. فالله عز وجل أمر بتعزيره عليه الصلاة والسلام، ومعنى التعزير: اسمٌ جامعٌ لكل ما فيه نصرةٌ للنبي صلى الله عليه وسلم، ورفع الأذى عنه بقول أو فعل. فأنت أيها المسلم مأمورٌ من الله سبحانه وتعالى أن تنصر نبيك صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فالصحابة نصروه بالجهاد معه، ورفع الأذى عنه، فلا أحد يمسه عليه الصلاة والسلام بسوء حال حياتهم. كانوا رضوان الله عليهم يدافعون عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويفدونه بأرواحهم وآبائهم وأمهاتهم وأولادهم وجميع ما لديهم. اسمع إلى قول عروة ابن مسعود الثقفي رضي الله عنه قبل إسلامه في صلح الحديبية، عندما بعثوه ليفاوض النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ماذا قال حينما رجع؟ قال لأصحابه: «ما تنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة فوقعت في كف أحدهم إلا دلك بها وجهه وجسمه، وما يحد أحدهم النظر إليه تعظيما له، وإذا أمر بأمر ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه عليه الصلاة والسلام». تعظيم للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿لِتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾. التوقير هو الإجلال، والتوقير هو الاحترام، والتوقير هو الإعظام. ولهذا ربنا سبحانه وتعالى نهى عباده المؤمنين أن يرفعوا أصواتهم فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾. فمن الأدب معه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يخاطب باسم الرسالة، ويخاطب باسم النبوة. فقال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾. وهكذا المؤمنون إذا خاطبوه فإنهم يخاطبونه باسم الرسالة، فيقولون: «يا أيها الرسول»، و«يا أيها النبي». وإذا ذكر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإنك يا عبد الله لا تقول: «محمد»، بل قل: «رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم». قال الله عز وجل: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾، أي كما يدعو بعضكم بعضا: «يا فلان»، و«يا فلان». لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا. ونهى الله عز وجل عن التقدم بين يديه بقول أو فعل حتى يأمر وينهى عليه الصلاة والسلام. قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. فنهى الله سبحانه وتعالى عن التقدم بين يديه بقول أو فعل. فلا تقدم يا عبد الله رأي فلان أو علان على قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا من حقوقه حق واجب أكيد في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وله أجر وثواب عظيم عند الله تبارك وتعالى: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. فاللهم صلي وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد صلى الله عليه وسلم، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد. علمنا النبي صلى الله عليه وسلم كيف نصلي عليه، وأن الصلاة عليه الصلاة والسلام لها مزية عند الله. فقال كما في صحيح مسلم حديث أبي هريرة: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا». فحينما تصلي على رسولك في مسجدك، وفي بيتك، وفي صلاتك، وعند دخول مسجدك، وهكذا في دعائك، في مواطن كثيرة ومواضع كثيرة أخبر بها النبي عليه الصلاة والسلام أن نصلي عليه. ذكرها أهل العلم كابن القيم في جلاء الأفهام، والقاضي عياض في الشفاء. ذكروا ما للنبي صلى الله عليه وسلم من خصائص وفضائل، ومنها: الصلاة عليه يحط الله عز وجل عنك خطايا، يحط الله عز وجل عنك سيئات، ويرفع لك درجات، ويعطيك حسنات، ويفرج الله عز وجل همك بفضل ماذا يا عباد الله؟ بفضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فحقه عليه الصلاة والسلام أن نصلي عليه في صلواتنا، وأن نصلي عليه في خلواتنا. فهذا مما أمر الله عز وجل به، وأمر به رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أكثر من حديث. فالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم تدخل في حياة المسلم، لما للنبي عليه الصلاة والسلام من حق أكيد على المسلمين وعلى المؤمنين. فنسأل الله سبحانه وتعالى بمنه وكرمه وإحسانه أن يوفقنا وإياكم لطاعته، وأن يوفقنا الله وإياكم لاتباعه عليه الصلاة والسلام، وأن يجعلنا من أهل سنته، وأن يحشرنا يوم القيامة في زمرته، وأن يجعلنا من أتباعه الذين اتبعوه في هذه الحياة الدنيا، والذين حبوه في هذه الحياة الدنيا. كما نسأله سبحانه وتعالى أن يعز الإسلام والمسلمين، وأن ينصر الإسلام والمسلمين. ونسأله سبحانه وتعالى أن يدمر أعداء الدين. ونسأله سبحانه وتعالى أن يولي علينا خيارنا، وأن يصرف عنا شرارنا. ونسأله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يميتنا مسلمين على سنة سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم. والحمد لله رب العالمين. الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله.