الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 221، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو عند نزول المطر بالمطر النافع، ويستحب الدعاء بالمطر النافع وكشف شيء من الثياب ليصيبه المطر. الدعاء عند نزول المطر يدل على خوف النبي من أن يكون عذابا واستعاذته بالله من الضرر.
نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن تمني الموت عند نزول المصائب الدنيوية، ويُحرم تمني الموت لأنه قد ينقطع عمل الإنسان ويفوت فرصة التوبة أو اكتساب الحسنات. يستثنى حالة الضرورة بشرط الدعاء بقول "اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي".
لا ينبغي للمسلم أن يسأل الله الموت أو يدعو به، بل عليه أن يسأل الله التوفيق لما فيه خير له في الدنيا والآخرة. الدعاء بالموت قد يفتح على الإنسان أبواب الدنيا التي قد تكون شرا له.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه «الأدب المفرد»، باب الدعاء عند الغيث والمطر، قال: حدثنا خلاد بن يحيى، قال: حدثنا سفيان، عن المقدام بن شريح بن هانئ، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى ناشئا في أفق من آفاق السماء ترك عمله، وإن كان في صلاة، ثم أقبل عليه، فإن كشفه الله حمد الله، وإن مطرت، قال: اللهم صيبا نافعا. الحديث صحيح، صححه شيخ الألباني رحمه الله. وآخر هذا الحديث وهو الدعاء عند نزول المطر، وأخرجه الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه. ومعنى قولها رضي الله تعالى عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى ناشئا، يعني سحابا متفرقا، ابتداء مجيء السحاب، متفرق لم يجتمع بعد، ترك عمله، وإن كان في صلاة، يعني لم ينشغل بشيء، وأقبل على هذا السحاب ينظر إليه، وإن كان في صلاة، والمقصود أنه وإن كان في صلاة خفف هذه الصلاة، ثم ينظر إلى السماء، وليس المراد أنه يبطل صلاته، وإنما يخففها حتى يخرج منها، وذلك لما يقع في قلبه عليه الصلاة والسلام من الخوف، كما جاء في صحيح الإمام مسلم: أنه كان عليه الصلاة والسلام إذا رأى السحب أو الريح تغير وجهه، ودخل وخرج، يعني يتغير حاله عليه الصلاة والسلام، ويظهر أثر ذلك في وجهه. وذكرت أنه قال: «إن قوما رأوا ذلك، يعني قوم عاد، فقالوا: هذا عارض ممطرنا، فكان فيه عذابهم وهلاكهم، بل هو ما استعجلتم به، ريح فيها عذاب أليم»، فلذلك كان يخاف عليه الصلاة والسلام إذا جاءت السحب. قال: ثم أقبل عليه، يعني أقبل على هذا الناشئ وهذه السحب ينظر إليها. قال: فإن كشفه الله حمد الله، يعني إذا تفرقت وذهبت حمد الله سبحانه وتعالى أنه لم يكن عذابا. قال: وإن مطرت، قال: اللهم صيبا نافعا، إذا تجمعت السحب ونزل المطر دعا عليه الصلاة والسلام بهذا الدعاء: اللهم صيبا نافعا. والصيب هو المطر، أو ما سال من المطر، كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله عز وجل: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾، قال: الصيب المطر. وقوله: نافعا، يعني يحصل به النفع من شرب الأرض، وإنبات النبات، وانتفاع الناس بهذا المطر في الزراعة وغير ذلك من منافع. ومعنى ذلك أنه لا يكون مطر عذاب، وفيه ضرر، كتدمير المنازل، أو إهلاك العباد، أو غير ذلك مما يقع بالأمطار. فالمطر قد ينزل رحمة، وقد ينزل عذابا، كما حصل ذلك لأمم قد مضت، وهكذا حصل في هذه الأزمنة كذلك. فلذلك كان من هديه عليه الصلاة والسلام أنه إذا أمطرت أن يدعو بهذا الدعاء: اللهم صيبا نافعا، إذا نزل المطر، فيدعو المسلم بهذا الدعاء: اللهم صيبا نافعا، أي مطر نافع يحصل به النفع، ولا يحصل به الضرر. وما إعراب: صيبا، اللهم صيبا نافعا؟ إعراب صيبا: مفعول به، والفعل محذوف، تقديره: اجعله، نعم، اللهم اجعله صيبا نافعا. فهذا الدعاء يستحب عند نزول المطر. وهكذا أيضا مما يستحب عند نزول المطر: الكشف عن شيء من الثياب حتى يصيبه المطر، كما ثبت ذلك كذلك من فعله عليه الصلاة والسلام، كما جاء في صحيح الحديث: أن أنسا، أنه أمطرت، فكشف النبي عليه الصلاة والسلام، أو حسر عن ثوبه، وقال: «إنه حديث عهد بربه، إنه حديث عهد بربه». وهكذا أيضا أن ينسب الإنسان المطر إلى الله سبحانه وتعالى، فيقول: مطرنا بفضل الله ورحمته، مطرنا بفضل الله ورحمته. قال: باب الدعاء عند الموت، قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا يحيى، ومن سعيد القطان، عن إسماعيل، ومن أبي عوانة، قال: حدثني قيس، ومن أبي حازم، قال: أتيت خبابا، وقد اكتوى سبعا، وقال: لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا أن ندعو بالموت، لدعوت به. وهذا الحديث كذلك صحيح، هو في الصحيحين. أن قيسا، من أبي حازم، أتى خبابا، من الأرة، الصحابي الجليل رضي الله تعالى عنه، وقد اكتوى سبعا، يعني سبع كيات، وهو القائل: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكي، فاكتوينا، فما أفلحنا، جاء يعوده، فقال: لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا أن ندعو بالموت، لدعوت به. وقال ذلك رضي الله تعالى عنه، خوفا مما فتح عليهم من الدنيا. ولهذا جاء في صحيح البخاري أنه قال قبل ذلك: «إن أصحابنا الذين سلفوا مضوا، ولم تنقصوا من الدنيا شيئا، وإن أصبنا من الدنيا ما لا نجد له موضعا إلا التراب، ولولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا أن ندعو بالموت، لدعوت به». وهذا هو الشاهد من ذكر هذا الحديث في هذا الباب، وهو نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن الدعاء بالموت، أن يدعو، أن يدعو المسلم بالموت. قال: لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا أن ندعو بالموت، لدعوت به، فأخبر رضي الله تعالى عنه بنهي النبي عليه الصلاة والسلام عن الدعاء بالموت. وجاء في الصحيح، من حديث أنس، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا يتمنى أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لابد فاعلا، فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني ما كانت الوفاة خيرا لي». لا يتمنى أحدكم الموت لضر نزل به، يعني لمصيبة أصيب بها، أو ضرر تضرر به، فلا يدعو بالموت، ولا يتمنى الموت. وبعض العلماء حمل ذلك ما إذا كان ذلك مما يتعلق بأمور الدنيا، مما يتعلق بأمور الدنيا، إذا نزلت به مصيبة من أمور الدنيا، فلا يدعو بالموت. وأما إذا كانت المصيبة التي يصاب بها مما يتعلق بالآخرة، كفتنة من الفتن التي تنزل بالعباد، مما يضر بدينهم، فإنه لا بأس أن يتمنى الموت، واستدل بعض العلماء بما روي عن بعض السلف من تمنيهم للموت مثل ذلك. وقال: فإن كان لابد فاعلا، أي قائلا، فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني ما كانت الوفاة خيرا لي، يعني إذا كان لابد وأن يدعو، فيأتي بهذا الدعاء، لا يأتي بالدعاء المطلق بالموت، لأن فيه اعتراضا على قدر الله سبحانه وتعالى، لكن يقول: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني ما كانت الوفاة خيرا لي، فيعلق هذا الأمر بقضاء الله عز وجل وقدره. فإن كان في حياته خير له، فيسأل من الله عز وجل أن يحييه ويبقيه، وإن كان في وفاته خير له، فيسأل من الله عز وجل أن يتوفاه، فيرجع الأمر إلى الله سبحانه وتعالى في بقائه وفي وفاته. وهذا بخلاف تمني الموت والدعاء به، فإن فيه اعتراضا على قدر الله سبحانه وتعالى، والأجل ذلك نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام. وكذلك أيضا أن المسلم إذا مات انقطع عمله، انقطع عمله، وربما هو بحاجة إلى حسنات يتزود بها في الدنيا، أو كذلك عنده سيئات يحتاج أن يتوب منها، فإذا مات انقطع عمله من فعل الحسنات، أو من التوبة من السيئات. فلأجل ذلك نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن تمني الموت. وقد جاء معنى ذلك في بعض الأحاديث، فإن المؤمن ليزداد بعمله خيرا، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. وجاء بعض الروايات أنه قال: «إما محسن فلعله يزداد، وإما مسيء فلعله يستعتب»، يعني إما يكون المسلم الذي يتمنى الموت على إحسان، على طاعة واستقامة وعلى خير، فإنه يزداد، يزداد إذا عاش إحسانا، وزيادة في الخير. وإما أن يكون مسيء، فإنه يستعتب، يتوب، ويرجع إلى الله سبحانه وتعالى. وهذا لا شك أنه لا يمكن إلا إذا كان حيا، أما إذا مات وانقطع عمله، فإنه يلقى الله عز وجل بما عمله من أعمال. فلأجل ذلك لا يسأل المسلم ربه جل وعلا الموت، ولا يدعو به، لكن يسأل من الله سبحانه وتعالى أن يوفقه لما فيه له الخير والصلاح في الدنيا والآخرة.