من حوارات القرآن والسنة 6

الدرس في من حوارات القرآن والسنة 6، الدرس السادس: ( الحوار الذي دار بين إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام وأبيه آزر ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

بر الأنبياء بآبائهم وأمهاتهم: نماذج قرآنية نبوية

يستعرض المحور حوار إبراهيم عليه السلام مع أبيه آزر داعياً إياه بالرفق واللين رغم التهديد، مبيناً استمرار بره به، ويسرد أمثلة من بر الأنبياء كنوح وسليمان ويوسف ويحيى وعيسى وإسماعيل بوالديهم، ويختم بقصة أبي هريرة رضي الله عنه مع أمه التي أسلمت بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم.

نماذج السلف الصالح في بر الوالدين وتقديم طاعتهما

يسلط المحور الضوء على مواقف الصحابة والعلماء كعبد الله بن عمر وأويس القرني وعبد الله بن المبارك وأبي حنيفة وابن عساكر، الذين آثروا بر أمهاتهم وطاعتهن على طلب العلم وحضور حلقات الذكر، مستندين إلى قرن الله الإحسان للوالدين بعبادته.

مكانة بر الوالدين وفضائله العظيمة في الشرع

يبرز المحور مكانة البر حيث قرنه الله بالتوحيد وجعله من أفضل الأعمال بعد الصلاة، مستعرضاً فضائله من رضا الله ودخول الجنة والنجاة من الكرب وإجابة دعوة الوالدين، مع التحذير من العقوق وجعله من أكبر الكبائر بعد الشرك.

خطر عقوق الوالدين وعجز الابن عن الوفاء بحقه

يستعرض المحور خطورة العقوق بوصفه من أكبر الكبائر المانعة من الجنة والمستوجبة لغضب الله ودعاء الملائكة، مبيناً أنه يجلب الفتنة في الدنيا، ويضرب أمثلة من عمر بن الخطاب وابن عمر رضي الله عنهما لعجز الابن عن جزاء حق أمه حتى لو حملها وطاف بها.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فمن حوارات القرآن الحوار الذي دار بين إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام وأبيه آذر. قال ربنا عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا * قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا * قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا ﴾. حوار عظيم، فيه دعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام لأبيه إلى دين الله جل وعلا، وإلى الخير، وإلى الجنة. تلطف أيما تلطف، ورفق أيما ترفق بأبيه، وذلك من أعظم البر: «يا أبتي، يا أبتي، يا أبتي». ومع هذا لاقى كلامًا شديدًا، ولاقى تهديدًا، ولاقى توعدًا بالرجم والهجر: «قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم، لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليًا». ماذا بعد هذا؟ وماذا قال إبراهيم؟ وبماذا رد على هذا القول؟ «سلام عليك، سأستغفر لك ربي، إنه كان بي حفيًا». بر عظيم، لم ينقطع هذا البر في الدنيا من إبراهيم مع أبيه، بل حتى يوم القيامة لا زال البر، في قوله جل وعلا في دعاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ﴿ وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ﴾. ثبت في البخاري أن إبراهيم يلقى أباه يوم القيامة، آذر، ويجد على وجهه غبرة وقترة، فيقول إبراهيم لأبيه: «يا أبت، ألم أقل لك لا تعصيني؟» أي في الدنيا. فقال آذر لإبراهيم: «اليوم لا أعصيك، اليوم لا أعصيك». فقال إبراهيم: «يا رب، إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، وأي خزي أخزى من هذا الخزي، وهذا أبي الأبعد؟» أي أنه ممن يكون من أهل النار. فيجاب إبراهيم عليه الصلاة والسلام: «إني حرمت الجنة على الكافرين». ثم يقال: «يا إبراهيم، انظر تحت قدميك». فينظر إبراهيم، فإذا والده بذيخ متلطخ، ثم يأخذ بقوائمه إلى النار. ألبر إلى يوم القيامة! لا زال إبراهيم عليه الصلاة والسلام بارًا بأبيه. وهاهم أنبياء الله كانوا بارين بوالديهم. فهذا نوح عليه الصلاة والسلام يشرك والديه في دعائه: ﴿ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا ﴾. وهذا سليمان عليه السلام حين سمع قول النملة وهي تقول لأخواتها من النمل: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾، فتبسم ضاحكًا من قولها، وقال: ﴿ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ﴾. وهذا يوسف عليه السلام أكرم والديه غاية الإكرام، فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال: ﴿ ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ ﴾، ورفع أبويه على العرش، وخروا له سجدًا، وقال: ﴿ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ﴾. إكرام غاية الإكرام، حتى ذكروا أن يوسف عليه السلام خرج يستقبل والديه خارج البلاد، وقيل كذلك خرج معه الملك، وآواهم إلى العرش. وهذا من البر، وهذا من الإكرام. وهكذا يحيى عليه السلام، قال عنه ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا ﴾. وهكذا عيسى عليه السلام، قال عنه ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا ﴾. وهكذا إسماعيل عليه السلام، أمره أبوه إبراهيم بما أمره الله جل وعلا به من ذبحه: ﴿ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴾. استجابة، بر بأبيه. ما قال: كيف تذبحني؟ قال: «افعل ما تؤمر». يقول: أمرت بذبحك، فيقول له: «افعل ما تؤمر، ستجدني إن شاء الله من الصابرين». وهكذا كان أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد ضربوا أروع الأمثلة في البر بوالديهم. فهذا أبو هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وقصته ثابتة في مسلم رحمه الله، مع أمه التي كان بارًا بها غاية البر. كان يدعوها إلى الإسلام، كما قال رضي الله تعالى عنه: «كنت أدعو أمي إلى الإسلام، وكانت مشركة، فأتيتها يومًا ودعوتها إلى الإسلام، فأسمعتني في رسول الله عليه الصلاة والسلام ما أكره»، أي قالت له في رسول الله عليه الصلاة والسلام كلامًا سيئًا يكره. ماذا فعل أبو هريرة؟ هل قال: «الكلام بينك وبيني حرام، منذ هذه اللحظة إلى يوم القيامة لا أكلمك، تتكلمين في رسول الله، تسبين رسول الله، أبدًا»؟ ذهب يبكي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقال: «يا رسول الله، إني أدعو أمي إلى الإسلام، ودعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، ادعُ الله يا رسول الله أن يهدي أم أبي هريرة». طالب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يدعو ربه جل وعلا أن يهدي أمه. فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام: «اللهم اهدِ أم أبي هريرة». قال أبو هريرة: «فرجعت مستبشرًا بدعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى جئت إلى البيت، قال: فسمعت أمي خشف نعلي، وسمعت خضخضة الماء، كانت تتوضأ أو كانت تغتسل، كانت تغتسل، قالت: فقالت: مكانك يا أبا هريرة، قال: فلبست ثيابها واستعجلت عن خمارها، ثم فتحت الباب، قد وجده أبو هريرة مغلقًا، قالت: يا أبا هريرة، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله». قال: «فرجعت إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام أبكي من الفرح، فقلت: يا رسول الله، أبشر، قد استجاب الله جل وعلا لدعائك، فهدى أم أبي هريرة». فحمد النبي وسلم ربه جل وعلا، وأثنى خيرًا. ثم قال أبو هريرة: «يا رسول الله، ادعُ الله جل وعلا أن يحببني إلى عباده المؤمنين، وأن يحبب أمي إلى عباده المؤمنين، وأن يحبب عباده المؤمنين إلينا». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «اللهم حبب عبيدك هذا وأمه إلى عبادك المؤمنين، وحبب عبادك المؤمنين إليهما». قال أبو هريرة: «فوالله ما ولد أحد إلا وهو يحب أبا هريرة، ونحن نشهد، نشهد الله جل وعلا أننا نحب أبا هريرة وأم أبي هريرة، وأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام جميعًا، آل البيت وغيرهم، خلافًا للرافضة وغيرهم ممن يطعن في أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام». الشاهد: انظروا كيف كان البر من أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مع أمه، مع ما سمع، ما رد قولها بشيء. اليوم نسأل الله العافية والسلامة، بعض الناس ربما تأخذ أمه عليه شيئًا من حطام الدنيا، ماذا أخذت؟ والله لو أخذت عليك قصرًا عظيمًا لا يقابل إذا تكلمت على رسول الله عليه الصلاة والسلام. إذا أتيتها وقلت لها: «يا أمه، اتقي الله»، قالت مثلًا: «اذهب أنت ورسلك»، هذا مثل على سبيل المثال. نعم، ومع هذا تجد كثيرًا من الناس بمجرد كلمة من والدته أو تصرف - سلمنا أنه خطأ، سلمنا أنه عظيم - ما هو الحد الذي يبلغ هذه الكلمة وهذا الخطأ؟ لا شيء. ومع هذا يحصل العقوق والعياذ بالله، لأجل دنيا، لأجل مال، لأجل كذا. سبحان الله! هذا عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، كما في صحيح مسلم، كان إذا خرج إلى مكة، وملّ ركوب الراحلة، كان يخرج في راحلته ومعه حمار، إذا ملّ ركوب الراحلة ركب على ذلك الحمار. فلقيه أعرابي على الطريق، فسلم على عبد الله بن عمر، فسأل ذاك الأعرابي عبد الله بن عمر: «أليست أنت ولد عمر؟» فعلم عبد الله أن هذا والده كان صديقًا، كان صديقًا لعمر، فأعطاه الحمار، وقال: «اركب على هذا الحمار». وكان على عبد الله بن عمر عمامة شد بها رأسه، فأعطاه العمامة، وقال: «شد بها رأسك». فقال من كان مع عبد الله بن عمر: «يرحمك الله، هؤلاء الأعراب يرضون باليسير». قال: «هذا والد هذا، كان صديقًا لعمر، وإن النبي عليه الصلاة والسلام قال: من أبر البر أن يود الرجل ود أهل أبيه». فكان البر من عبد الله بن عمر بعد موت عمر. لماذا؟ حفظ البر لوالده. وهذا كان كذلك الصحابة. هذا حارث بن النعمان، دخل النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح، فسمع فيها قراءة، فقال: «من هذا؟» قالوا: حارث بن النعمان. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «كذلكم البر، كذلكم البر، كذلكم البر». كان بارًا بأمه، سمع النبي عليه الصلاة والسلام قراءته في الجنة، كان بارًا بأمه. وهذا أويس القرني، من مراد، من قرن، من أهل اليمن، ضرب أروع الأمثلة في بر الوالدين، وفي بره بأمه. النبي عليه الصلاة والسلام أخبر عمر أنه يأتيه أمداد أهل اليمن، قال: «فاسألوهم: هل فيكم أويس بن عامر من مراد، ثم من قرن؟ كان به برص فشفاه الله منه إلا موضع درهم، كان بارًا بأمه». فقال عمر: «إذا لقيته فاطلب منه أن يستغفر لك». فكان عمر رضي الله تعالى عنه يسأل أمداد اليمن، أهل اليمن، يقدمون، يسألهم: «هل فيكم أويس بن عامر؟» حتى لقيه ذات مرة، قالوا: «هذا أويس بن عامر». قال: «أنت أويس بن عامر؟» قال: «نعم». قال: «من مراد، ثم من قرن؟» قال: «نعم». قال: «كان بك برص فشفاك الله منه إلا موضع درهم؟» قال: «نعم». قال: «أخبرني رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه يأتي مع أمداد أهل اليمن أويس بن عامر، من قرن، من مراد، ثم من قرن، كان به موضع برص وشفاه الله منه إلا موضع درهم، كان له أم بارًا بها، واطلب أن يستغفر لك، فادعُ الله أن يغفر لي». فدعا له، ثم تتابع الناس عليه، حتى أنه هرب منهم رحمه الله تعالى، تواضعًا وفرارًا. وهكذا كذلك عبد الله بن المبارك رحمه الله، لما ماتت أمه جلس يبكي، قيل له: «يا ابن المبارك، ما يبكيك؟» قال: «كان لي باب مفتوح إلى الجنة فأغلق، كان لي باب مفتوح إلى الجنة فأغلق». يعني هذا الباب أمه التي كان بارًا بها، هو قد أبر بها، لكن قال: «أغلق»، يعني ماتت. وهكذا أبو حنيفة رحمه الله، أمه نذرت على نفسها أن لا تفعل أمرًا ففعلته، فجاءت لولدها أبي حنيفة تعلم أنه عنده علم، فقالت: «بعضته كذا، وما علي؟» فأمرها أن تكفر عن يمينها، فقالت: «لا، اذهب بي إلى زرعة القاص». كان منها العلم كذلك في عهد أبي حنيفة، لكن ليس مثل أبي حنيفة في العلم، أبو حنيفة إمام أهل الكوفة. فقال لها أبو حنيفة: «قومي»، وأركبها على الحمار، وذهب بها إلى زرعة القاص، قال: «لا أسأله». فسألته، فاستحى زرعة القاص، قال: «أفتيني ومعك إمام أهل الكوفة، ابنك إمام أهل الكوفة، كيف لا تسأله؟» قال: «أفتها». فسكت، قال: «قل لها كذا وكذا». فقال لها كذا وكذا، ورجع بها، ما قال لها: «لا». وهكذا الإمام الذهبي رحمه الله، ذكر ترجمة لأحد أئمة الإسكندرية، قال: «فتلهفت للقائه، لما علم ما ذكر عنه، تلهف للقاء هذا الإمام، قال: لكن الوالد كان يمنعني، الوالد كان يمنعني، ما ذهب». قال الوالد: «لا تذهب». وهذا من العلم المستحب، ليس من العلم واجب. وهكذا كذلك الحافظ بن عساكر رحمه الله، مؤرخ الإسلام، سئل عن سبب تأخره إلى بلاده، أصبهان، وأخذ العلم من علماء تلك البلاد، قال: «كانت أمي تمنعني، لم تأذن لي، فترك». هذا بر عظيم من هؤلاء العلماء والأئمة. حيوة بن شريح رحمه الله تعالى، ربما يلقي الدرس لتلاميذه، فتأتي أمه وتقول له: «يا حيوة، قم، ألقي الشعير للدجاج، قم، أعطِ الدجاج الشعير». وفي حلقة علم! هاي شي يقول له: «الدجاج، ولا الغنم، ولا الآن موقع الدجاج، ولا غنم أبدًا». يقوم من الحلقة، ويذهب إلى الدجاج، ويعطي الدجاج الشعير، يترك حلقة العلم، امتثالًا لطلب أمه وأمر أمه. لا تستغربوا منهم هذه النماذج، ولا تستغربوا منهم هذه الأمثلة الرائعة في برهم بوالديهم، في برهم بوالديهم. لماذا؟ لأنهم علموا عظم هذا الحق للوالدين. فالله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾. وقال جل وعلا: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾. وقال جل وعلا: ﴿ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾. ويقول جل وعلا: ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ﴾. وهذه الآيات كثيرة. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ۚ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ۖ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾. وقال في آية أخرى: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ۖ وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ﴾. قرن الله جل وعلا الأمر بالتوحيد ببر الوالدين، وقرن النهي عن الشرك بالنهي عن عقوق الوالدين، وذلك بعظيم هذا الحق، حتى ذكره بعد حقه جل وعلا، ألا وهو التوحيد. وهكذا أيضًا في حديث سنة النبي عليه الصلاة والسلام. في حديث أبي هريرة في الصحيحين: جاء رجل إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: «يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟» فقال: «أمك». قال: «ثم من؟» قال: «أمك». قال: «ثم من؟» قال: «أمك». قال: «ثم من؟» قال: «أبوك». في الصحيحين: جاء رجل إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: «يا رسول الله، أبايعك على الهجرة والجهاد، أبتغي الأجر من الله». فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «أحي والداك؟» قال: «كلاهما». قال: «تبتغي الأجر من الله؟» قال: «نعم». قال: «فارجع فأحسن صحبتهما». وفي لفظ: «ففيهما فجاهد». في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: سألت رسول الله عليه الصلاة والسلام: «يا رسول الله، أي الأعمال أفضل؟» قال: «الصلاة على وقتها». قلت: «ثم أي؟» قال: «بر الوالدين». قلت: «ثم أي؟» قال: «الجهاد في سبيل الله». وهكذا النبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث أبي هريرة عند الإمام مسلم رحمه الله، قال: «لا يجزي ولد والدًا إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه». في الصحيحة للألباني رحمه الله من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أو غيرها: قال مر النبي عليه الصلاة والسلام بي عبد الله بن أبي سلول، فقال عبد الله بن أبي سلول: «غبر علينا ابن أبي كبشة». فقال عبد الله بن عبد الله بن أبي سلول، ولد عبد الله بن أبي: «يا رسول الله، والذي أكرمك وبعثك بالحق، هل تريد رأسه؟» فقال النبي عليه السلام: «لا، بر أباك». في الصحيحة من حديث أسماء رضي الله تعالى عنها قالت: «جاءت أمي راغبة وكانت مشركة، فاستفتيت رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقلت له: يا رسول الله، إن أمي جاءتني راغبة، يعني تحتاج شيئًا منها وتأتي عندها، أفأصل أمي؟» قال النبي عليه الصلاة والسلام: «صلي أمك، صلي أمك». والأحاديث كثيرة في الأمر ببر الوالدين، والفضائل كثيرة، والنهي عن عقوق الوالدين كثيرة. النبي عليه الصلاة والسلام، نذكر النهي عن عقوق الوالدين، ثم نذكر فضائل بر الوالدين، ثم نذكر خطورة عقوق الوالدين. جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي عليه الصلاة والسلام، أو في صحيح البخاري كذلك، في الصحيحين قال النبي عليه السلام: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟» قالوا: «بلى يا رسول الله». قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين». قال: «وكان متكئًا فجلس، قال: ألا وقول الزور». فما زال يكررها حتى قلنا: «ليته سكت». في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أكبر الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس». في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر أيضًا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه». فقالوا: «يا رسول الله، أيلعن الرجل والديه؟» قال: «نعم، يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه». في الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه وأرضاه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات». الحديث: فضائل بر الوالدين كثيرة. من أعظم الفضائل: تحصيل رضا رب العالمين جل وعلا. إنما يرضى الله عن العبد الذي رضي عنه والده، فإذا سخط عليه والده سخط الله جل وعلا عليه. أترضى يا عبد الله أن يسخط الله عليك؟ النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «رضى الرب في رضى الوالد، وسخطه في سخط الوالد». والحديث يصححه العلامة الألباني رحمه الله. والرضى من أعظم النعيم، ورضوان من الله أكبر. وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري يرضى الله عنه: «أن الله جل وعلا أهل الجنة فيقول: هل أزيدكم؟ فيقولون: هل زيادة على هذا؟ فيقول: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدًا». فهذا فيه عظيم هذا الفضل، وثمرة هذا الخلق في الدنيا والآخرة. وهكذا أيضًا دخول الجنة من أعظم فضائل بر الوالدين. دخول الجنة. هذا أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه وأرضاه، والحديث عند الترمذي وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى، أتاه رجل وقال له: «يا أبا الدرداء، إن لي زوجة، وكانت أمي تأمرني أن أطلقها». فقال أبو الدرداء: «سمعت رسول الله عليه الصلاة والسلام يقول: الوالد أوسط أبواب الجنة، فإن شئت فأضعه أو احفظه». الوالد، أوسط أبواب الجنة، والمراد الأب أو الأم. عمر رضي الله عنه أمر ابنه أن يطلق امرأته، فذهب إلى أبي الدرداء، فقال له: «المسلم يطلقها، طلاق بحق، ما هو طلاق بغير حق، طلاق بحق، ففيه البر، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق». الشاهد: البر. وهكذا كذلك من فضائل بر الوالدين: النجاة عند الشدائد. كم تحصل لبعض الناس شدة، وما يدرى يكون سبب الفرج منها بر الوالدين. حديث الثلاثة في الصحيحين وغيرهما عن جماعة من الصحابة، في قصة أصحاب الغار الثلاثة، أحدهم كان بارًا بوالديه، لا يقدم على والديه أهلًا ولا مالًا، بل حتى ذات يوم صار الصبية يصيحون ويريدون اللبن، لكنه لا يقدم على والديه أحدًا، فدعا الله جل وعلا توسلًا إليه بهذا العمل الصالح، ففرج الله عنه. وهكذا الآخرون في أعمالهم الصالحة التي عملوها. ففيه النجاة من الشدائد، وعند الشدائد. وأيضًا الدعوة، دعوة الوالدين المستجابة. فأنت إذا بررت والديك دعا لك والداك، فهذا من الخير العظيم. وكانت أم أبي هريرة تدعو لأبي هريرة، لما كان سببًا في هدايتها، كان كلما إذا خرج - لما خلفه مروان في المدينة، كان ثم في بيت، كان إذا أراد أن يدخل يقول: «السلام عليكم ورحمة الله»، فتقول أمه: «وعليكم السلام ورحمة الله»، فيقول أبو هريرة: «رحمك الله كما ربيتيني صغيرًا»، فتقول: «وأنت رحمك الله كما بررتني كبيرًا». وهكذا الفضائل الكثيرة. وبر الوالدين في سبيل الله. بر الوالدين في سبيل الله. في حديث أبي هريرة عند النسائي للسنة، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى، قال أبو هريرة: «كنا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فمر رجل أو شاب قوي عليه قوة، فقلنا: لو أن هذا الشاب جعل قوته وشبابه في سبيل الله، يعني في الجهاد في سبيل الله». فسمع النبي صلى الله عليه وسلم مقالتنا، فقال: «أليس في سبيل الله؟ إلا إذا سعى لوالديه فهو في سبيل الله، من سعى على والديه فهو في سبيل الله، ومن سعى على عياله فهو في سبيل الله، ومن سعى على نفسه ليعفها فهو في سبيل الله». فالقيام بالوالدين والسعي لهما وتحصيل حاجاتهما في سبيل الله، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. العقوق خطير، وعواقب وخيمة. يكفيهم كما سمعتم أنه أكبر الكبائر، العياذ بالله. العقوق سبب لحرمان الجنة والخسارة في الدنيا والآخرة. النبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث جبير بن مطعم في الصحيحين، قال: «لا يدخل الجنة قاطع». لا يدخل الجنة قاطع، قاطع رحم. ومن هم أعظم الرحم؟ أعظم الرحم الوالدان. لا يدخل الجنة قاطع. وفي حديث آخر هو عند النسائي، صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى، قال عليه الصلاة والسلام: «ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يكلمهم»، وذكر منهم عليه الصلاة والسلام، وذكر منهم: «العاق، العاق لوالديه». وفي حديث: «لا يدخلون الجنة»، وذكر منهم: «العاق لوالديه، والمنان، ومدمن الخمر». قرنهم بهؤلاء، فهذا فيه خطر العقوق. من خطر العقوق: الافتتان في الدنيا قبل الآخرة. ربما تفتن يا عبد الله في دنياك، في عملك، بسبب عدم برك لوالديك، أبيك وأمك. تعلمون قصة جريج العابد في الصحيحين، لما جاءت أمه، أمه تقول له: «يا جريج»، ويقول: «ربي، أمي وصلاتي». في صلاة، في صلاة، ما هو يلعب، ما هو يجلس يتكلم هكذا، في صلاة، في طاعة مستحبة، ومع هذا لما لم يجب، دعت عليه: «اللهم لا تمتّه حتى تريه وجوه المومسات»، يعني الزواني. افتتن، صارت فتنة، نجاه الله جل وعلا منها. تخيل يا عبد الله، أنت الآن إذا عققت أمك، ودعت عليك بدعوة: «اللهم لا توفقه فقط»، إذا قال: «اللهم لا توفقه»، من أين يأتيك التوفيق في عملك، في تجارتك؟ لو قال لهم: «لا توفقه»، ودعاء الوالدين مستجاب، وهي مظلومة، ودعت عليك وهي مظلومة، ولو فعلت ما فعلت بك، لو دعت عليك دعوة يا عبد الله، وتفتش في نفسك لعلك تجد هذا. والله بعض الناس والله يحسون هذا في أنفسهم، أن تحصل أمور، سبحان الله، أمور معاكسة، ربما ما هو موفق، والمسكين ما يدري أنه بسبب هذا العقوق، ويظهر أنه بسبب شيء آخر، وهو من هذا الباب، أوتي من هذا الباب. فاعلن، سارع قبل أن يخسر النبع. سلم، يقول كما في مسلم من حديث أبي هريرة: «رغم أنف امرئ، رغم أنف امرئ، رغم أنف امرئ»، ثلاث مرات. ورغم أنف، يعني ألصق أنفه بالتراب، كناية عن الخسارة الحاصلة لهذا. من أدرك أبويه، أحدهما أو كلاهما، فلم يدخلاه الجنة. وخارج الصحيح: دعا النبي عليه الصلاة والسلام، وأمن دعا جبريل، وأمن النبي عليه الصلاة والسلام. صعد المنبر، قال: «آمين»، درجة ثانية، قال: «آمين»، درجة ثالثة، قال: «آمين». قالوا: «على ما أمنت يا رسول الله؟» قال: «جاءني جبريل وقال لي: يا محمد، رغم أنف امرئ دخل عليه شهر رمضان ثم خرج ولم يغفر له، قل: آمين، قال: قلت: آمين. رغم أنف امرئ أدرك أبويه، أحدهما أو كلاهما، فلم يدخلاه الجنة، قل: آمين، قال: فقلت: آمين. رغم أنف امرئ ذكرت عنده ولم يصلي عليه، قل: آمين، قال: فقلت: آمين». وفي لفظ: «أبعده الله». انظروا، دعا من؟ من جبريل عليه السلام، ومن الذي أمن؟ أشرف الخلق عليه الصلاة والسلام. وأنك خاسر، خاسر وأنت في رمضان. نفس الناس، ذكر هذا مع رمضان، لما ذكر رمضان، الخسارة الحاصلة فيه، ذكر خسارة الوالدين. بعض الناس ربما يصوم، مسكين يصوم النهار، ويقوم مع الناس يصلي، وربما يبدل ويبدل ويبدل، لكن خسر من الباب الآخر، خسر من الباب الآخر، كان عاقًا بأمه، والعياذ بالله، خسر. فدعا عليه جبريل، وأمن النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا كله من خطر العقوق، والعياذ بالله. ومن عجيب ما ذكر في خطر العقوق، ما ذكره ابن أبي الدنيا رحمه الله، ونقله الإمام ابن القيم رحمة الله تعالى عليه في كتابه «الروح»، وذكره المنذري في «الترغيب» بلفظ مقارب، عن أبي قزعة قال: «خرجنا حين نريد البصرة، ومررنا ببلاد البصرة، قال: فسمعنا نهيق حمار من أحد القبور، سمعوا نهيقًا من أحد القبور، نهيق حمار، فسألوا عن خبر هذا النهيق، قالوا: هذا الرجل كان إذا كلم أمه يقول: لا، إنهقي، ما يبالبهم، يقول: إنهقي، قالوا: فكان هذا الصوت نسمعه، يسمع هذا الصوت من قبره». هذا من عجائب ما ذكر في خطر العقوق. فلذلك، عباد الله، أمر بر الوالدين عظيم، مهما ذكر فيه من نصوص، ومهما ذكرت فيه من آثار، ومن أقوال، لا تساوي شيء. ولذلك كان الصحابة يفتون بهذا، ما يقول لأحد: «والله ما شاء الله، قد قمت بالواجب»، لا، يبين له أنه مهما فعل لم يأتِ بشيء. هذا عمر رضي الله تعالى عنه، يأتيه رجل يقول له: «يا أمير المؤمنين، إن لي أمًا قد بلغت من الكبر مبلغًا عظيمًا، لا تساعد أن تقضي حاجتها إلا على ظهري، ظهري مطي لها، وأوضيها، وأوضي حاجتها، وأصرف وجهي عنها، هل سراني قد جازيتها؟» فقال عمر: «لا، لا، قال: ظهري مطي لها، وأوضيها، وأصرف وجهي عنها، قال: قد كانت تفعل بك ذلك وهي تريد بقاءك، وأنت تفعل هذا بها وتريد فراقها». انظروا. وهذا الحق لا نقلب على أنفسنا، الذين يفعلون الآن هذا البر مع آبائهم، ربما يقول: «لو أخذها الله». لكن قال عمر لهذا: «كانت تفعل بك مثل هذا وهي تريد بقاءك، أن تبقى، أما أنت، قد تفعل بها وتريد أن تفارقك، تريد فراقك». ابن عمر، جاءه رجل من خراسان، فقال له: «يا ابن عمر، جئت بأمي من بلاد خراسان إلى مكة، طفت بها على ظهري مناسك الحج، هل تراني قد جزيتها؟» فقال عبد الله بن عمر: «لا، ولا طلقة من طلقاتها، زفرة من زفراتها». يعني هذا الذي فعلته، أتيت بأمك من بلاد خراسان على ظهرك، طفت بها بالمناسك، زفرة من زفرات أمك، ما أتيت بها، ولا زفرة واحدة. سبحان الله! فالوالدان، وخاصة الأم، شأنه عظيم. فعين نبر بوالدينا وأمهاتنا. وكنا في المدرسة، أظنه في الابتداء، أول أو ثاني، كانت عندنا محفوظة طيبة، حفظونا إياها، فيها: «أحب الناس لأمي، فكم بالروح تفديني، فكم من ليلة قامت على مهدي، تغطيني، تخاف علي من برد، ومن حر، فتحميني، فأنا بالروح أفديها، كما بالروح تفديني». أسأل الله جل وعلا أن يجعلنا بارين بوالدينا، وأن يجعلنا في هذا الشهر الفضيل ممن يرضى عنه جل وعلا، ويدخل جنته. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.