وقفات عرفان مع صحابة النبي العدنان 1

الدرس في وقفات عرفان مع صحابة النبي العدنان 1، الدرس الأول:( بعض فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب الله جلا وعلا ). ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

فضائل أصحاب النبي في القرآن الكريم

يتحدث هذا الفصل عن فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما وردت في القرآن الكريم، حيث ذكر الآيات التي ترضي عنهم وتثني عليهم. يُظهر القرآن الكريم رضا الله عنهم وثناء عليههم لما بذلوه في نصرة الدين.

مكانة الصحابة ومكانتهم عند الله تعالى

يُثني الله تعالى على الصحابة في القرآن الكريم، ويصفهم بالصادقين والمفلحين، ويذكر رضاه عنهم وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار. كما يُوصف أصحاب النبي بأنهم أشداء على الكفار ورحماء بينهم.

أهمية موافقة إيمان الصحابة ومخالفتهم

يُظهر القرآن الكريم مكانة أصحاب النبي من خلال العديد من الآيات التي تشترط موافقة إيمانهم لقبول الإيمان، وتتوعد مخالفيهم بجهنم. هذه الآيات تدل على فضلهم ومكانتهم عند الله تعالى.

الدعاء لصحابة النبي ومحبتهم

ينتهي الدرس بدعاء الله أن يحب أصحاب النبي ويجعلنا منهم ويحشرنا في زمرتهم، ويُظهر التأكيد على أهمية صحابة النبي ومحبتهم والدفاع عنهم. يُختتم بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه، بعد ذلك فنحن في دروسنا هذه إن شاء الله تعالى نتذاكر شيئًا من نصوص القرآن والسنة، وأقوال سلف الأمة في ذكر فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وذكر مآثرهم، حملت الشريعة ونقلت هذا الدين، أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله بصحبة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، كما قال عبد الله بن مسعود: «فاعرفوا لهم قدرهم، فإنهم كانوا على الصراط المستقيم»، نذكر فضائل أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام من باب وقفات عرفان لهذا الجيل الصالح، لهؤلاء الذين بدلوا الأموال والتضحيات في سبيل نصرة هذا الدين، منقل هذا الدين حتى وصل إلينا رطبًا طريًا، دفاعًا عنهم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، في وقت كثر فيه الطاعنون -لا كثرهم الله- في أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بين مقل ومستكثر، لعل الله جل وعلا أن يحشرنا في زمرتهم، فإن المرأة مع من أحب يوم القيامة كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. وفي هذا المقام نتذاكر آيات في كتاب الله جل وعلا فيها فضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، من هذه الآيات قوله جل وعلا: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾، هذه الآية ترضي ربنا جل وعلا عن أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم تحت الشجرة صلح الحديبية، جاء في الصحيحين عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: «كنا ألفًا وأربعمائة، كنا ألفًا وأربعمائة»، قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أنتم خير أهل الأرض، أو أنتم خير من في الأرض»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. فهذه الآية تدلنا على هذا الترضي من رب العالمين جل وعلا على هذا الجمع الكبير من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذين بايعوا رسول الله عليه الصلاة والسلام تحت الشجرة، هذه المبايعة التي عدها الله جل وعلا مبايعة له سبحانه وتعالى، كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، مبايعة النبي عليه الصلاة والسلام كانت من الصحابة مبايعة لله جل وعلا؛ لأنها لأجل نصرة دين الله جل وعلا، لأنها لأجل إعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى ونشر هذا الدين، وبذل الأموال والأنفس نصرة لدين الله سبحانه وتعالى. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «ومن أخبر الله جل وعلا أنه قد رضي عنه لا يمكن أن يموت على الكفر، فمن حصل له الرضا من الله جل وعلا فلا يحصل ذلك إلا من علم أنه يموت على الإسلام ويموت على الخير، فإن علم الله جل وعلا سابق بعباده، فلا يمكن أن يترضى ربنا جل وعلا عن قوم تكون خاتمتهم سيئة»، فهذا يدلنا على قبح ما قال الروافض في أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وأنهم إنما ارتدوا، وأن هذه الآيات التي في فضلهم إنما كانت قبل ردتهم وقبل مروقهم، إلى آخر ما قالوا من الطعونات في أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا في الحقيقة طعن في كتاب الله جل وعلا، بل طعن في رب العالمين سبحانه وتعالى، كيف يترضى عن أقوام ثم تكون خاتمتهم هذه الخاتمة التي يذكرها أعداء الله الروافض ومن كان على شاكلتهم. وهكذا قال ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، هذا في غزوة تبوك، خرج الصحابة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لم يبق إلا من كان معذورًا، والثلاثة الذين خلفوا، ثم نزلت توبتهم بعد ذلك، فإذا هي آية عامة في جميع الصحابة، وأن الله جل وعلا قد تاب عليهم سبحانه وتعالى؛ فإنه جل وعلا تاب على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة، من الذي بقي؟ المعذور، فهو حكمه حكم هؤلاء، والفضل لهم فضل له، ولم يبق إلا الثلاثة الذين خلفوا، ونزلت توبتهم بعد ذلك، وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه، ثم تاب عليهم ليتوبوا، إن الله هو التواب الرحيم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾، وهذا ثناء آخر وصفهم بهذا الوصف العظيم بالصدق؛ لأنهم صدقوا ما عاهدوا الله عليه، «منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلًا»، كما أخبر ربنا عز وجل في كتابه الكريم، فهذه الآية فيها الثناء العطر والترضي والأجر العظيم من الله سبحانه وتعالى لأصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وهكذا قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾، ففي هذه الآية أخبر الله جل وعلا أنه رضي عن الصحابة المهاجرين والأنصار، وعد لهم الجنات التي تجري من تحتها الأنهار، قال بعض السلف في هذه الآية: «اشترط الله جل وعلا الرضا لمن اتبع بإحسان، وأطلق ذلك في حق الصحابة المهاجرين والأنصار»، «والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان»، فاشترط الاتباع بإحسان ممن جاء بعد الصحابة بأن يتبع بإحسان حتى ينال هذا الفضل، وهو الرضا من الله جل وعلا، الرضا الذي هو من أعظم النعيم، أعظم نعيم الله جل وعلا الرضوان، كما ثبت في كتاب الله جل وعلا، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾. وفي الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام، «عن أبي سعيد الخدري أن الله جل وعلا يقول لأهل الجنة وهم في الجنة: يا عبادي هل أزيدكم؟ فيقولون: يا رب وماذا أكثر من هذا؟ فيكشف الحجاب، أو يقول الله جل وعلا لهم: أحل عليكم رضواني، أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدًا»، فنعمة الرضا من الله جل وعلا أعظم النعيم، وأول من نال هذا الفضل هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعد النبيين، فالله جل وعلا قد رضي عنهم، وأخبر عنهم في كتابه الكريم أنه قد رضي عنهم جل وعلا. وهكذا قال ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ۞ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ۞ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، ذكر الله جل وعلا في هذه الآية ثلاث منازل، كما قال سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه: «قال الناس على ثلاث منازل: مضت منزلتان وبقيت واحدة»، ثم تلى هذه الآيات قول الله جل وعلا: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾، قال: «هذه منزلة المهاجرين وقد مضت»، ثم تلى قول الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، قال: «هذه منزلة الأنصار وقد مضت»، «فبقيت واحدة فأحسن ما أنتم كائنون عليه أن تكونوا على هذه المنزلة»، ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. وفي صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى، من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «أمروا أن يستغفروا لهم فسبوهم»، «أمروا أن يستغفروا لهم»، أي لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، «فسبوهم»، بدلًا من أن يستغفروا لأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، بدلًا من أن يدعوا لأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، صاروا يسبون أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، بين مقل ومستكثر. وهكذا قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءَ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيُغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾، فهذه الآية أثنى الله جل وعلا فيها على أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ووصفهم بهذه الأوصاف العظيمة، وأنهم ركع لله جل وعلا وسجدًا يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا، سيماهم في وجوههم من أثر السجود، ذكر محاسنهم، ذكر فضائلهم، ذكر شيء من أوصافهم حتى في التوراة والإنجيل. ولذلك جاء عن الإمام مالك رحمه الله تعالى قال: «بلغني -بلغني- أن النصارى يقولون في الصحابة الذين فتحوا بلاد الشام: هؤلاء أفضل من الحواريين»، فيما بلغنا، أي أن النصارى حين رأوا أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام الذين فتحوا بلاد الشام قالوا: «هؤلاء أفضل من الحواريين»، أي أتباع عيسى عليه الصلاة والسلام، فيما بلغنا، أي أنه قد بلغهم في كتبهم أن أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام خير من الحواريين، وذلك يدلنا على فضل أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ومكانتهم ومنزلتهم عند الله جل وعلا. وهكذا من فضائل أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام أن الله جل وعلا اشترط أن يكون إيمان العباد موافقًا لإيمانهم، فلا يقبل الإيمان عند الله جل وعلا إلا إذا كان موافقًا لما كان عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم من الاعتقاد الصحيح في دين الله جل وعلا، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾، ومفهوم المخالفة: أنهم إذا لم يؤمنوا بما آمنتم به -بمثل ما آمنتم به- فقد ضلوا، فلا هداية ولا توفيق للصواب وللحق إلا بالسير على ما كان عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الاعتقاد الصحيح؛ لأنه اعتقاد بني على كتاب الله جل وعلا وعلى سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فهم أفقه القوم لكتاب الله جل وعلا، وعايشوا رسول الله عليه الصلاة والسلام، وشافهوه، وحضروا التنزيل، رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم أجمعين. بل توعد ربنا جل وعلا من خالف طريق أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ومنهج أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام بجهنم وساءت مصيرًا، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾، سبيل المؤمنين سبيل الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، الذي أمر الله جل وعلا بسلوكه، وأمر نبينا عليه الصلاة والسلام بالسير عليه، فمن خالف منهج أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام فهو على شفا هلكة، وهو متوعد بنار جهنم، عياذًا بالله. ولحديث الافتراق المشهور، حين ذكر نبينا صلى الله عليه وآله وسلم افتراق هذه الأمة كافتراق اليهود على إحدى وسبعين، والنصارى على اثنتين وسبعين، وهذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قالوا: «ومن هي يا رسول الله؟» قال: «الجماعة»، قال: «الجماعة»، والصحابة رضي الله تعالى عنهم هم الجماعة؛ لأنهم على الحق، والمراد بالجماعة الحق، فمن وافق الحق فهو الجماعة، ولذلك قال عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه وأرضاه: «الجماعة ما وافق الحق ولو كان وحده»، أو كما قال رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هم الجماعة، وفي لفظ: «هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي»، فبين النبي عليه الصلاة والسلام أن المنهج الحق وأن الصراط المستقيم إنما هو بالسير على منهج أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. ومما يدل على الثناء على أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام في كتاب الله جل وعلا: أن الله جل وعلا أمر نبينا محمدًا عليه الصلاة والسلام بأن يستغفر للصحابة وأن يعفو عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، كما قال ربنا عز وجل في كتابه الكريم: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾، انظروا الأوامر من رب العالمين جل وعلا لخير رسله عليهم الصلاة والسلام، نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، أمره بأن يعفو عنهم، أمره بأن يشاورهم في الأمر، وهكذا أن يدلهم وأن يرشدهم إلى كل ما فيه الخير، «فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر»، كل ذلك يدلنا على مكانة أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام في كتاب الله جل وعلا وعند رب العالمين سبحانه وتعالى وعند رسول الله عليه الصلاة والسلام وفي قلوب أهل الإيمان. فالله جل وعلا أمر نبيه كما سمعتم، وهكذا أيضًا أمر الله جل وعلا نبينا محمدًا عليه الصلاة والسلام بأن يتواضع لأصحابه رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، قال ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وفي الآية الأخرى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، والمراد بهم أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، فهم المراد بهم في هذه الآية، فالله جل وعلا أمر نبينا عليه الصلاة والسلام بأن يتواضع لهم بخفض الجناح لهم، وهل يدل على مكانتهم ومنزلتهم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم؟ بل لما حصل بالنبي عليه الصلاة والسلام ما رآه من كسب كفار قريش واستغلال قبولهم إليه، أمره الله جل وعلا أن لا يعرض عن أصحابه رضي الله تعالى عنهم، «ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه»، لما أقبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم على بعض كفار قريش رجاء إسلامهم واستغلال هذه الفرصة، ومع أن هذا للدين ولأجل نصرة دين الله جل وعلا، ومع هذا ربنا سبحانه وتعالى يعاتبه بهذا العتاب الطيب؛ ليقبل على أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا يعرض عنهم. وهكذا الآيات في كتاب الله جل وعلا كثيرة في الثناء على أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام وتزكيتهم والترضي عنهم، وما وعد الله جل وعلا لهم من الثواب العظيم والجزاء الكثير، فنستفيد بذكر هذه الآيات، وإن شاء الله تعالى في درسنا اللاحق نذكر جملة من حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام في فضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على وجه العموم، وبعد ذلك على وجه الخصوص، نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من يحب أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأن يدافع عنهم، وأن يدعو لهم، وأن يستغفر لهم، وأن يحشرنا في زمرتهم، إنه على كل شيء قدير، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.