الدرس في شرح المنظومة البيقونية 14، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يُقسَّم المقلوب إلى قسمين رئيسيين: قلب الراوي الذي يتمثل في عكس الأسماء أو جعل الشيخ تلميذاً، وقلب الإسناد للمتن الذي هو تبديل أسانيد الأحاديث بين متون مختلفة. يدل الأول على ضعف ضبط الراوي فيُحكم بضعف الحديث، بينما يُفعل الثاني غالباً بقصد الاختبار كما حدث مع الإمام البخاري في بغداد.
يوضح المقطع ثلاثة أنواع للقلب: قلب الإسناد، وقلب إسناد المتن، وقلب المتن، مبيناً أن النوع الثالث هو الأكثر خفاءً وأثراً في المعنى الفقهي. ضُربت أمثلة بقلب عبارة "لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه" في حديث السبعة، وتصحيح "يبقى في النار فضل" إلى "يبقى في الجنة فضل" لمخالفته كمال عدل الله.
يستعرض المقطع ثلاثة أقسام للحديث المقلوب موضحاً أن الناظم اقتصر على قسمين، ثم ينتقل لتعريف الحديث الفرد في مصطلح المحدثين وتقسيمه إلى ثلاثة أنواع: ما قيد بثقة، وما قيد بجمع كأهل بلد، وما قيد بقصر على رواية معينة.
يقرر المقطع أن مصطلح "الفرد" اصطلاح محض لا علاقة له بصحة الحديث أو ضعفه، ويذكر تقسيماته إلى مقيد بالثقة، أو بالجمع، أو بالقصر. ويختتم الدرس بالإشارة إلى تكملة الباقي في درس قادم.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فأخذنا قوله: فالشاذ والبقلوب قسمان: تلا ومعنى. المقلوب قسمان: تلا يعني نوع من أنواع الحديث اسمه المقلوب. والمقلوب تعريفه كما ذكر من القلب، وهو على قسمين: إبدال راوٍ ما براوٍ قسم، وقلب إسناد لمتن قسم. فهو إما إبدال راوٍ ما براوٍ، يعني راوٍ مثلاً اسمه عمر بن مرة، فيأتي أحد الرواة يعكس يقلب، يقول: مرة بن عمر. هذا قلب في الراوي، الراوي جعل اسمه اسم أبيه واسم أبيه اسمه. أو راويان يشتبهان، مثلاً واحد اسمه عبد الله بن عمر وواحد عبد الله بن عمر، سيقلب هذا بهذا، هذا يسمى قلب راوٍ، وهو يسمى بقلب الإسناد. أو كذلك جعل الشيخ التلميذ والتلميذ الشيخ، فمثلاً مالك روى عن نافع، يأتي واحد يقول: نافع عن مالك. هذا الآن قلب، قلب راوٍ براوٍ، فجعل الشيخ الطالب والطالب الشيخ، هذا يسمى ماذا؟ قلب الإسناد، يسمى قلب الإسناد. وهذا يحصل أحياناً وهماً من الراوي، وأحياناً لضعف ضبطه، يكون ضعيف الضبط، خصوصاً إذا كبر وشاخ، تبعفت ذاكرته، ربما يحدث فتنقلب عليه بعض الأسماء، تنقلب عليه بعض الأسماء. وهل هذا من الضعيف أو الصحيح؟ إذا وجد هذا القلب معناه دليل على عدم ضبط هذا الراوي، فيكون من قسم الحديث الضعيف لسوء ضبط وحفظ هذا الراوي. والقسم الثاني هو ما ذكره المؤلف أيضاً بقوله: وقلب إسناد لمتن قسم. هو ما يسمى بقلب المتن أو قلب إسناد المتن. قلب إسناد المتن كيف صورته؟ صورته مثلاً معنا حديثان، كل حديث بسند، كل حديث بسند. مثلاً معنا سند عمر بن شعيب عن أبيه عن جده، ومعنا هذا السند فيه متن يعني حديث مستقل، ومعنا حديث آخر مثلاً عبد الله بن يوسف عن مالك عن نافع عن ابن عمر بحديث متن آخر غير المتن الأول. فيأتي راوٍ فيأخذ إسناد الحديث الأول فيضعه في متن الحديث الثاني، ويأخذ إسناد الحديث الثاني ويضعه في متن الحديث الأول، يقلب الأسانيد. وهذا أكثر ما يفعله المحدثون قلب إسناد المتن للاختبار. فمثلاً يأتي المحدث يحفظ أسانيد المتون يحفظها عن ظهر قلب، فيأتي المختبر ويعبث كما يقال الأسانيد، يخبطها خبطاً من أجل أن ينظر هل سيميز هذا المحدث أو ما يميز، فيجعل أسانيد هذا الحديث في حديث آخر وهو ليس بسنده، وإنما لينظر إلى هذا المحدث. وهذا وقعت للإمام البخاري رضي الله تعالى عنه لما ذهب إلى بغداد، أهل بغداد أرادوا أن يختبروا حفظه، أن يختبروا حفظ الإمام البخاري. لما علموا أنه قادم إليهم وأنه حافظ، أرادوا أن يتأكدوا من ذلك، فماذا فعلوا؟ اجتمعوا وركبوا له أسانيد في متون ليست بأسانيدها، وقرؤوها عليه، فإمام البخاري يرد كل إسناد إلى متنه، كل إسناد يرجعه إلى متنه، يقول له: هذا السند هذا الحديث، وهذا السند ذاك الحديث، وهذا الحديث ما أروي بهذا الطريق، إنما من طريق فلان، وهكذا يرد كل سند إلى متنه. فهذا يسمى ماذا؟ قلب إسناد المتن من أجل الاختبار، هذا يسمى المقلوب. وهناك في نوع آخر يسمى قلب المتن. معنى قلب الإسناد ومعنى قلب إسناد المتن ومعنى قلب المتن. المؤلفون أشاروا إلى نوعين، الناظم أشار إلى نوعين فقط: إلى قلب الإسناد بقوله: إبدال راوٍ ما براوٍ قسم، ومعنى قلب أشار إلى قلب إسناد المتن في قوله: وقلب إسناد لمتن قسم. وهناك نوع ثالث لم ينبه عليه هو ما يسمى بقلب المتن، فتنقلب ألفاظ في المتون. وهذا أكثر ما ينتبه لها الفقهاء لأنها تتعلق بالفقه، الحديث وليس لها تعلق بالسند، سند الحديث هو هو ما حدث فيه قلب، ولكن حدث القلب في المتن. ويمثل له العلماء بحديث أبي هريرة في الصحيحين: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظله إلا ظله». فآخر هذه الأصناف، آخر هؤلاء الأصناف السبعة، قوله عليه الصلاة والسلام: «رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه»، يعني من شدة إخفائه حتى الشمال هذا القريب من اليمين ما تعلم بما أنفقت اليمين. هذا الحديث الذي هو بدون قلب صح. فانقلب على بعض الرواة فحدث به بالقلب، فقال: «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله». لأن الإنفاق يكون باليمين، أو بالشمال يكون باليمين، فلما قال: حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله، الآن جعل المنفق أي يد الشمال، جعل المنفق الشمال. صح؟ فقال العلماء: هذا وقع فيه قلب، وقع فيه ماذا؟ قلب في المتن، وقع فيه قلب في المتن. وذكر هنا الشيخ أيضاً مثالاً آخر، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: «أنه يبقى في النار فضل عمن دخلها، فينشئ الله له أقواماً يدخلهم النار». قالوا: هذه اللفظة انقلبت على الراوي، سمع عن معاوية مثل الحديث. الآن كيف تعرف الانقلاب؟ هذا بالمعنى كما تقدم في حديث أبي هريرة، صح: حتى لا تعلم يمين ما تنفق شماله، هذا يخالف المعنى. صح. وهذا الحديث نفسه: أنه يبقى في النار فضل عمن دخلها، يعني يبقى ناس في النار، فينشئ الله، يعني يخلق الله لها أقواماً يدخلهم النار. كيف ينشئ الله أقواماً يدخلهم النار؟ هذا يقتضي ماذا؟ هذا يقتضي أو ينافي كمال عدل الله. صح؟ كيف ينشئ نشأ يدخلهم النار ويعذبهم وهم لم يعملوا سوءاً قط، إنما خلقهم؟ فقال العلماء: هذا ينافي كمال عدل الله، فقالوا: صواب هذا اللفظ: أنه يبقى في الجنة فضل. انظر، ليس في النار، فيبقى في الجنة فضل ممن دخلها من أهل الدنيا، فينشئ الله لها أقواماً فيدخلهم الجنة، ليس يدخلهم النار، وهذا فضل من الله. عرفتم هذا الآن؟ وهذا يقوى حتى عند بعض المتكلمين، ربما أحياناً أما سبق لسان أو ما تفطنوا للمعنى فيقلب معنى الحديث عند كلامه. هذا يسمى قلب ماذا؟ يسمى قلب المتن، يسمى قلب المتن. وذكر غير ذلك. المهم الخلاصة أن الحديث المقلوب على ثلاثة أقسام: قلب إسناد، وقلب سند المتن أو إسناد المتن، وقلب المتن. وأشار هنا الناظم إلى قسمين فقط من أقسام الحديث المقلوب. قال: والفرد ما قيد بثقتي أو جمع أو قصر على روايتي. هذا نوع آخر من أنواع الحديث، وهو يسمى الحديث الفرد. الحديث الفرد من اسمه يعني ما تفرد به إما راوٍ واحد، أو كذلك تفرد أهل بلد أو نحو ذلك. وهنا أشار المؤلف إلى ثلاثة أقسام من أقسام الحديث الفرد، أشار إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: ما قيد بثقة، فيقال مثلاً: هذا الحديث ما رواه من الثقات إلا شعبة، هذا يسمى فرد بثقة. فمعنى ربما رواه غير شعبة، لكنه ليس بثقة، ضعيف، لكن من الثقات ما رواه إلا شعبة. واضح هذا الآن؟ هذا يسمى فرد. وما الفرق بينه وبين الغريب؟ الغريب أوسع، فقد يكون المنفرد ثقة وقد يكون غير ثقة. صح. الغريب ما تعريفه؟ هو ما رواه راوٍ راوٍ واحد في أي طبقة من طبقات السند، سوى كان هذا الراوي ثقة أو ضعيف، أو المهم أنه جاء من طريق واحدة في أول السند أو في أثناء السند أو في آخر السند. أما الفرد فهو ما رواه مثلاً فرد به الثقة، قيد بثقة، فهذا يسمى فرد مقيد بثقة. وأما قوله: أو جمع، يريد بالجمع مثلاً أهل بلد أو أهل قرية أو أهل قبيلة، فيقال مثلاً: إنفرد بهذا الحديث عن أهل الشام فلان، عن أهل الشام، يعني هذا الحديث روي عن أهل الشام، وعن أهل العراق، وعن أهل الحجاز، ومن عدة طرق، لكن عن أهل الشام ما رواه إلا راوٍ واحد فقط. هناك رواه كثيرون يرون عن أهل الشام، لكن هذا الحديث ما رواه عن أهل الشام إلا راوٍ واحد فقط، فهذا يسمى حديث فرد مقيد بجمع. واضح ليس بفرد واحد وإنما بجمع، لأنه ما رواه عن هؤلاء إلا فلان، فهذا قيدته بجمع. فهذا هو ما قيد بالجمع. وأما قوله: أو قصر على رواية، القصر على الرواية هو ما قيد بالقصر، مثل أن يقال: لم يروِ هذا الحديث بهذا المعنى إلا فلان، يعني أن الحديث جاء بمعاني عدة، وتلك المعاني الكثيرة رواها، رواها كثيرون، لكن رواية من هذه الروايات ما رواها إلا راوٍ واحد، ما رواها إلا راوٍ واحد. هذا معنى: أو قصر على رواية، يعني هذه الرواية مقصورة على هذا الراوي، لم يروها غيره، لم يروها غيره. أو يقال مثلاً: هذه الرواية ما رواها عن هذا الشيخ إلا فلان. كذلك هذا الحديث رواه شيوخ كثيرون، لكن عن شيخ واحد، من هذا الشيخ ما رواه إلا فلان. هذا أيضاً فرد بهذا المعنى. وهذا ليس له تعلق بصحة أو ضعف، وإنما هو اصطلاح اصطلحه أهل المصطلح، وهو ما يسمى بالفرد، إما أن يقيد بثقة، أو بجمع، أو بقصر. طيب، نكتفي بهذا، ونكمل ما بقي إن شاء الله في درس قادم. إلى هنا، والله تعالى أعلم.