شرح القواعد المثلى 25

الدرس في شرح القواعد المثلى 25، ألقاها

الرد على شبهة التأويل عند أهل السنة

يتناول الرد على شبهة أهل التأويل بأن أهل السنة مارسوا التأويل، مع تقديم جوابين إجماليين وتفصيليين. الجواب التفصيلي استخدم مثال الحجر الأسود.

تفسير حديث الحجر الأسود ودلالته

يناقش تفسير حديث "الحجر الأسود يمين الله في الأرض" ويوضح أن الأثر المروي عن ابن عباس هو تشبيه وليس حقيقة. اللفظ المقيد يختلف عن المطلق.

تأويل النصوص الدينية وموقف أهل السنة

يناقش تفسير نصوص دينية مثل حديث الحجر الأسود وحديث قلوب العباد بين أصابع الرحمن. أهل السنة يؤمنون بظاهر الحديث دون تأويل زائد.

تحقيق الأمور الإلهية وتصرف الله في قلوب العباد

يدل على أن الأمور كلها بيد الله، وأن قلوب العباد تحت تصرفه، يقلبها كيف يشاء، مما يدل على تحقيق هذا الأمر الإلهي.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فكما مضى معنا في الدرس السابق أن بعض أهل الأهواء من أهل التأويل ذكروا بعض الشبه على أهل السنة والجماعة، يريدون إبطال الحق وترويج الباطل، وتمشية الباطل؛ من أجل أن لا ينكر عليهم منكر، أظهروا بعض الشبه على السنة والجماعة، بزعمهم أن السنة والجماعة قد وقع منهم التأويل كما وقع من أهل التأويل التأويل. وأرادوا بذلك أن التأويل إذا كان واقعًا من أهل السنة والجماعة، فينبغي على السنة والجماعة أن يكفوا عن الإنكار عليهم؛ لأنهم قد وقعوا في ذلك. فإن كان ما وقعوا فيه من التأويل حقًا، فما المانع أن يكون ما وقع فيه أهل التأويل أيضًا من التأويل حقًا؟ وإن كان ما وقع فيه الأشاعرة من التأويل باطلًا، فما الذي جعل التأويل الذي وقع فيه أهل السنة والجماعة حقًا؟ وقد أجاب الشيخ رحمه الله تعالى عن هذه الشبه بجوابين: إجمال وآخر تفصيل. وأشرنا في الدرس الماضي إلى الجواب الإجمالي، وحاصله أن الكلمة الواحدة واللفظ الواحد والتعبير الواحد ربما اختلف باختلاف التركيب والسياق والسباق. كما تقدم، هذا أمر. والأمر الثاني، وهو الجواب الجدلي: أنه لو حصل -فرضًا- من السنة والجماعة هذا الأمر، فيكون إخراجهم للفظ عن ظاهره إلى المعنى الآخر بقريمة شرعية معتبرة، فيكون التأويل صحيحًا. هذا حاصل الجوابين الإجماليين الذين ذكرهما الشيخ رحمه الله تعالى. ثم انتقل الشيخ رحمه الله تعالى إلى الجواب التفصيلي، فنبدأ في الجواب التفصيلي بإذن الله عز وجل. قال رحمه الله تعالى: المثال الأول: الحجر الأسود يمين الله في الأرض. هذه أول شبهة من شبه الأشاعرة. وحاصل هذه الشبهة أنهم يقولون: يا أهل السنة والجماعة، الحديث أن الحجر الأسود يمين الله في الأرض، وأنتم يا أهل السنة والجماعة تقولون: ليس المراد بيمين الله أن الحجر الأسود هو يد الله ويمين الله حقيقة، وإنما المراد بالحجر الأسود أن من سلم عليه فكأنما سلم على يمين الله عز وجل. قالوا: هذا هو التأويل. والجواب عن هذه الشبهة أن هذا الحديث باطل لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال ابن الجوزي في العلل المتناهية: هذا حديث لا يصح. وقال ابن العربي: حديث باطل فلا يلتفت إليه. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد لا يثبت. وعلى هذا، فلا حاجة للخوض في معناه. قال الشيخ رحمه الله تعالى: لكن شيخ الإسلام ابن تيمية قال: إن المشهور في هذا الأثر إنما هو عن ابن عباس، قال: الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبله. يعني أن الشيخ يقول: الصواب فيه الوقف عن ابن عباس رضي الله عنهما. فإذا كان الصواب فيه الوقف، فما معناه؟ قال الشيخ رحمه الله تعالى: ومن تدبر اللفظ المنقول تبين له أنه لا إشكال فيه؛ فإنه قال: «يمين الله في الأرض»، ولم يقل: الحجر الأسود يمين الله وأطلق. ولكن قال: «يمين الله في الأرض»، وهذا قرين على أن اللفظ ليس مرادًا به يمين الله حقيقة؛ إذ أنه قال: «في الأرض»، والله عز وجل منزه أن يكون شيء من ذاته في مكان بين خلقه، بل هو عالٍ على خلقه، مستوٍ على عرشه سبحانه وتعالى. فقوله: «فإنه قال: يمين الله في الأرض، ولم يطلق»، يدل على أن المراد بالحجر الأسود ليس يمين الله حقيقة. وحكم اللفظ المقيد يخالف حكم المطلق، كما تقدم معنا: أن اللفظ يكون بحسب التركيب والسياق. فحكم اللفظ المطلق له حكم، وإذا قال: «يمين الله في الأرض»، فله حكم آخر. ثم قال: «فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه»، قال: ومعلوم أن المشبه غير المشبه به. وهذا يوضح أن الحجر الأسود غير يمين الله حقيقة. فقول ابن عباس -على فرض ثبوت هذا الأثر- يدل على المغايرة، وأن المشبه غير المشبه به. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وهذا صريح في أن المصافح لم يصافح يمين الله أصلا، ولكن شبّه بمن يصافح الله. فأول الحديث وآخره يبين أن الحجر ليس من صفات الله تعالى، كما هو معلوم عند كل عاقل. فالشبهة الأولى لأهل التأويل أنهم يقولون: أنتم يا أهل السنة أولتم في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الحجر الأسود يمين الله في الأرض»، فيقال لهم: أولًا، الحديث مرفوعًا لا يثبت. والقاعدة عند أهل السنة والجماعة إنما يثبتون ما أثبت الله وما أثبت رسوله صلى الله عليه وسلم. ثم إن الأثر روي عن ابن عباس رضي الله عنهما، وما روي عن ابن عباس على فرض ثبوته، فإنه لا يدل على هذا المعنى، بل قرينة السياق تدل على أن الحجر الأسود ليست هي يمين الله. يدل عليها أمران: الأمر الأول أنه قال: «يمين الله في الأرض»، ومعلوم قطعًا بدلالة الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة أن الله عز وجل عالٍ على جميع خلقه، ليس في خلقه شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من خلقه سبحانه وتعالى. والقرينة الثانية: قرينة تشبيه في قوله: «فكأنما صافح الله وقبل يمينه»، ومعلوم أن المشبه غير المشبه به. وهذه القرينة الثانية تدل على هذا المعنى، على أن الحجر الأسود غير يمين الله عز وجل. فدل السياق والأثر وسباقه، وكذلك معناه الظاهر من أول وهلة: أن الحجر الأسود ليس يمين الله حقيقة، ولكن كأنما هو يمين الله. المثال الثالث: قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن. أيضًا أهل التأويل قالوا: يا أهل السنة والجماعة، أنتم تقولون في هذا الحديث: «قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن»، تقولون: ليس المراد أن قلوب العباد بين أصابع الرحمن حقيقة، ليست أصابع الرحمن بين قلوب العباد حقيقة. قالوا: هذا هو التأويل. والجواب أن هذا الحديث صحيح، رواه مسلم في الباب الثاني من كتاب القدر، عن عبد الله بن عمر بن العاص أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث شاء»، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك». قال الشيخ رحمه الله تعالى: وقد أخذ السلف أهل السنة بظاهر الحديث، وقالوا: إن الله تعالى له أصابع حقيقة، نثبتها له كما أثبتها له رسوله صلى الله عليه وسلم. ولا يلزم من كون قلوب قلوب بني آدم بين أصبعين منها أن تكون مماسة لها، حتى يقال: إن الحديث موهم للحلول. فإن السحاب مسخر بين السماء والأرض، وهو لا يمس السماء ولا الأرض. ويقال: بدر بين مكة والمدينة، مع تباعد ما بينها وبينهما. فقلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن حقيقة، ولا يلزم من ذلك مماسة ولا حلول. فالقول بأن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن، يقلبها كيف شاء، نثبت الأصابع حقيقة، ونثبت أن الله عز وجل على كل شيء قدير، وأنه يقلب قلوب العباد كيف شاء سبحانه وتعالى. لذا قال ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الصادق المصدوق، ثم دعا ربه عز وجل بأن يصرف قلبه على طاعته، فقال: «اللهم صرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك». فهذا يدل على تحقيق هذا الأمر، وأن الأمور بيد الله عز وجل، وأن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.

شاركنا على