الدرس في شرح القواعد المثلى 9، ألقاها
أسماء الله تعالى توقيفية ولا مجال للعقل فيها، يجب الوقوف على ما جاء به الكتاب والسنة. العقل لا يمكنه إدراك ما يستحقه الله تعالى من الأسماء.
يناقش تحريم تسمية الله تعالى بما لم يسم به نفسه أو إنكار ما سمى به نفسه، ويبين أن العقل لا يمكنه إدراك ما يستحقه الله من الأسماء.
يؤكد على أن العقل الصحيح يوافق النقل الصريح في إثبات أسماء الله وصفاته، ويحذر من تسمية الله بما لم يسم به نفسه أو إنكار ما سمى به نفسه.
يشدد على ضرورة الالتزام بالأدب في التعامل مع النصوص الشرعية ويؤكد على أهمية الاقتصار على ما جاء به الله ورسوله وتجنب الابتداع.
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم ما بعد، قال رحمه الله تعالى: القاعدة الخامسة: أسماء الله تعالى توقيفية، لا مجال للعقل فيها. ومعنى توقيفية: معناها أنها متوقفة على ورود الدليل من كتاب الله عز وجل، أو من سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إذا دل الدليل من كتاب الله أو من سنة رسوله عليها قيل بها، وإن لم يكن فلا، وإن لم يكن فلا. فقول الشيخ رحمه الله تعالى: أسماء الله تعالى توقيفية، لا مجال للعقل فيها؛ لأن مصدرها إما كتاب الله عز وجل، وإما سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا مجال للعقل في إثبات شيء منها أو في نفي شيء منها ما لم يرد الدليل، ما لم يرد الدليل. قال الشيخ رحمه الله تعالى: وعلى هذا فيجب الوقوف فيها على ما جاء به الكتاب والسنة، فلا يزاد فيها ولا ينقص، فلا يزاد فيها ولا ينقص. الله عز وجل -مثلًا- من أسمائه، على سبيل المثال: العالم، لا يقول إنسان: هو من أسمائه العارف أيضًا؛ لأن العالم العلم معنى المعرفة، يأتي معنى المعرفة، فإذا من أسمائه العارف، هكذا من عقله، هكذا من عقله، لا يجوز له هذا؛ لأن باب أسماء الله وصفاته هذا باب ماذا؟ توقيفي، باب شرعي، والمسائل الشرعية متوقفة على ورود الكتاب والسنة بها، فهذا من هذا الباب، هذا توقيفي، لا يجوز للإنسان أن يقول من عند نفسه: أن من أسماء الله عز وجل كذا وكذا؛ لأن العقل دل على حسنها؛ لأن العقل دل على ماذا؟ على حسنها، هذا لا يجوز. إلى جانب المثال المذكور: العارف، قالوا العلماء رحمهم الله تعالى: هكذا بالفائدة، قال علماء رحمهم الله تعالى: فرق بين العلم والمعرفة؛ أن العلم المراد به العلم حيث هو لا يسبق بجهل، بخلاف المعرفة فإنها تسبق بجهل، ذكر معنى هذا الكلام العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في «بدائع الفوائد» في التفريق بين العلم والمعرفة، قال رحمه الله تعالى: فلا يزاد عليها ولا ينقص أيضًا، لا يقول إنسان: إن من أسماء الله عز وجل كذا وكذا، فيقول: لا، هذا الاسم يظهر أننا لا نثبت لله عز وجل؛ لأن العقل لا يقبله؛ لأن العقل لا يقبله، لا يجوز هذا. كما أنه لا يجوز أن تثبت لله عز وجل ما لم يثبته الله عز وجل لنفسه، أو أثبته له رسوله، أي ولم يثبته له رسوله، كذلك لا يجوز أن تنفي ما أثبت الله عز وجل لنفسه، أو أثبته له رسوله، لا يجوز لك أن تقول: ليس من أسماء الله كذا وكذا مما هو ثابت في الكتاب، أو هو ثابت في السنة، ولا يجوز لك أن تقول: إن من أسماء الله عز وجل كذا وكذا مما لم يكن في الكتاب ولا السنة، واضح الأمر إذا فالباب توقيف. قال رحمه الله تعالى: لأن العقل لا يمكن إدراك ما يستحقه تعالى من الأسماء، فوجب الوقوف في ذلك على النص. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾، وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. ولأن تسميته تعالى بما لم يسم به نفسه، أو إنكار ما سمى به نفسه جناية في حقه تعالى، فوجب سلوك الأدب في ذلك، والاقتصار على ما جاء به النص. قول الشيخ رحمه الله تعالى معللًا: أنه لا يجوز أن يسمى الله عز وجل بغير ما سمى به نفسه، أو سماه به رسوله صلى الله عليه وسلم، قال: لأن العقل لا يمكنه إدراك ما يستحقه تعالى من الأسماء، العقل مهما بلغ العقل من الكمال لا يمكن أن يدرك من الأسماء التي يستحقها الله عز وجل، فيقول: أنا أثبت لله عز وجل كذا؛ لأنه يستحقه، ولا أثبت له كذا؛ لأنه لا يستحقه، هذا أمر. وأمر آخر: أن العقول ستتفاوت، العقول متفاوتة، فعقل السني ليس كعقل المعتزلي، والأشعري، وعقل المعتزلي ليس كعقل الجهمي، الجهمي عقله لا يثبت شيئًا من الأسماء وراء الصفات، الجهمي عقله لا يثبت شيئًا من الأسماء والصفات؛ بحجة أن الله عز وجل منزه عن هذه الأسماء والصفات، وهي ثابتة في كتابه والسنة، يقول: لا أثبتها؛ لأن العقل ماذا؟ ينزه الله عز وجل عن أن يسمى بهذه الأسماء أو بهذه الصفات؛ وذلك لأن في نظر هذا المعتزلي الخبيث أنه لو أثبت لله عز وجل الأسماء أو الصفات لزم من ذلك ماذا؟ مشابهة الخالق للمخلوق، قال أو قالوا: هذا عين التنقص، فننزه الله عز وجل عن هذا، فنعطل الله عز وجل عن كل ما يستحقه من الأسماء والصفات، فلا نثبت لله عز وجل اسمًا، ولا نثبت له صفة، هذا عقل من الجهمية. جاء المعتزلي فقال: لا نثبت لله عز وجل الأسماء، ولا نثبت له الصفات، لماذا؟ قال: لأن الأسماء قد جاء بها النص، وورد بها النص، فلا مانع من إثباتها، والعقل يدركها، والعقل يدركها؛ أي لا مانع من أن يسمى الله عز وجل بأسمائه؛ لأن العقل يقبل ذلك، ولا يقبحه، يقبل ذلك ولا يقبحه. والصفات قال: أن الصفات فلا، لماذا يا فلان؟ لا تكفر بالصفات أيها المعتزليون، قال: لأنه يستلزم منه النقص في حق الله عز وجل، ويستلزم منه تعدد القدماء، تعدد القدماء، لو أثبتنا لله عز وجل الصفات لزم ماذا؟ تنقص الله عز وجل، ومشابهته بغيره، ومشابهته غيره له، وهذا عين التنقص لله عز وجل، فإذا ماذا؟ قال: إذا لا نثبت لله عز وجل صفة. طيب، عقل الأشعري يقول: لا نثبت لله عز وجل أسماء، ولا نثبت كل الصفات، بل نثبت سبع صفات، وبعضهم يزيد على ذلك، يقول: نثبت سبع صفات، وبعضهم خمسة عشر صفة، وبعضهم عشرين صفة، وبعضهم يختلف بعضهم في هذا العام في مسألة إثبات الصفات، فالحاصل: الأشعري لماذا يثبت لله عز وجل السبع، ولا يثبت الباقي؟ يقول: أن العقل يدرك هذه السبع، ويثبت هذه السبع، ولا يثبت غيرها. عقل السني يقول ماذا؟ السني يقول: أن العقل لا يخالف النقل، ولا يعارضه، بل يوافقه، وهذا هو الحق الذي لا مرية فيه، أن العقل الصحيح يوافق النقل الصريح، فعقل السني يقول: أثبت لله عز وجل ما أثبته لنفسه من أسماء وصفات، فلو أحيل الأمر إلى العقول لكان سببًا لماذا؟ سببًا لاضطراب الناس وتنازعهم، لذا كان الأمر أنه من الله عز وجل، بمعنى أن الأسماء لا تثبت بمجرد العقل، بل لا بد أن يثبتها ماذا؟ لا تثبت إلا بماذا؟ إلا بالنقل، والعقل يدرك هذا ويصدقه، يدرك هذا؛ أي العقل الصحيح يدرك هذا ويصدقه ويؤمن به، ولا يعارضه بشيء من المعارضات، ولا يعارضه بشيء من أنواع المعارضات، هذا حاصل. ولأن قال الشيخ رحمه الله تعالى: لأن العقل لا يمكن إدراك ما يستحق الله تعالى من أسماء، فواجب الوقوف في ذلك على النص؛ لقوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ إلى آخر الآية المستورة؛ لأن من تكلم بغير هذا فقد قفى ما ليس له به علم، وتكلم عن الله عز وجل بما لا يعلم، وهذا من الفرية العظيمة والإفك المبين أن يقال في حق الله عز وجل، بل في أسماء الله عز وجل وصفاته بقول من غير دليل شرعي من كتاب الله عز وجل، ولا من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. قال الشيخ رحمه الله: ولأن تسميته تعالى بما لا يسمي به نفسه، أو إنكار ما سمى به نفسه جناية في حقه تعالى، فوجب سلوك الأدب في ذلك، والاقتصار على ما جاء به النص. أو قال الشيخ: أو إنكار ما سمى به نفسه، إثبات أو إنكار ما سمى به نفسه، قال: جناية في حقه تعالى، لماذا؟ جناية؛ لأنه يقول على الله عز وجل: نثبت لله هذا الاسم، أو لا نثبت لك هذا الاسم، وهذه من أعظم الجنايات. إذا تصور الإنسان هذا الأول في مخلوق، مخلوق من الناس سمى نفسه باسم: أنا لا أسميه -مثلًا- فهد، جاء الرجل فقال: لا، لا أسميك فهد، هذا الاسم ما يليق، ننزهك عن هذا الاسم، كيف سيكون موقفي منه؟ قل له: أنت أقل أدبًا، هذا واضح، يأتي رجل آخر يقول: سأسميك فلان، فلان، ما سميك فهد، سأسميك فلان، فلان، يا فلان، سماك، يقول: لا، سأسميك فلان، فلان، هذا أيش حاله؟ أقل أدبًا، أنه قلة أدب، هذا في حق المخلوق، فكيف بحق رب العالمين؟ وإله المثل الأعلى. الله عز وجل يقوم أسماؤه: الله، الرحمن، الرحيم، العزيز، الحكيم، يأتي هؤلاء الجهمية فيقولون: لا، ننزه الله عز وجل أن نسميه بهذه الأسماء، أو بعضهم يزيد فيسمي الله عز وجل من عندنا، كما قال فلاسفة في حق الله عز وجل: أنه القوة الفاعلة، القوة الفاعلة، أو كما قال النصارى: سموه بماذا؟ بالأب، أو ما شابه ذلك، هؤلاء افترَوا على الله عز وجل، وأساءوا الأدب مع ربهم عز وجل، أساءوا الأدب مع ربهم، إما بأن نزعوا أو نفوا عنه ما أثبته لنفسه، أو بإثباتهم له ما لم يثبته ماذا؟ لنفسه، وأضحض الأمر أم لا؟ فهذا كما قال الشيخ رحمه الله تعالى: فهذه جناية، قال: جناية في حقه تعالى، فوجب سلوك الأدب؛ لأن سلوك غير ذلك سلوك ماذا؟ غير الأدب، قال: فوجب سلوك الأدب في ذلك؛ أي في الاقتصار على ما جاء به الله عز وجل، أو ما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم، على ما جاء به النص. والله أعلى وأعلم، وسبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.