الدرس في شرح القواعد المثلى 4، ألقاها
يبدأ الشرح بتوضيح معنى اسم الله الحي والعليم، حيث يشير إلى كمال حياة الله وعدم سبقها بعدم أو لحاقها زوال، وكذلك كمال علمه الذي لم يسبقه جهل ولا يلحقه نسيان. كما يشير إلى اختلاف صفات الله عن صفات الإنسان.
يشرح سعة علم الله وإحاطته بكل شيء، ويبين اعتقاد أهل السنة في علم الله. كما يذكر رحمته الواسعة التي وسعت كل شيء، مما يدل على كمال صفاته.
يشرح معنى الحسن في أسماء الله تعالى وكيف أن اقترانها يزيد من كمالها، مستشهدًا بمثال العزيز الحكيم، ويظهر كيف يدل ذلك على كمال الله عز وجل.
يمثل ختامًا للبرنامج حيث يذكر الداعي عبارات التسبيح والاستغفار ويتوجه بالشكر للمستمعين، مما يدل على انتهاء الحلقة.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وبعد؛ قال رحمه الله تعالى: مثال ذلك الحي، أي مثال لأسماء الله عز وجل الحسنى. قال: مثال ذلك الحي اسم من أسماء الله تعالى، متضمن للحياة الكاملة التي لم تسبق بعدم، ولا يلحقها زوال؛ الحياة المستلزمة لكمال الصفات من العلم والقدرة والسمع والبصر وغيرها. مثل الشيخ رحمه الله تعالى على هذه القاعدة بهذا الاسم أولًا، فقال: الحي، الحي. ثم قال: من هو الحي؟ قال: اسم من أسماء الله تعالى، متضمن للحياة الكاملة. متضمن للحياة الكاملة، ما هي هذه الحياة الكاملة؟ قال الشيخ رحمه الله: الذي لم تسبق بعدم، ولا يلحقها زوال. هذه هي صفات حياة الله عز وجل؛ حياة الله عز وجل لم يسبقها عدم، ولا يلحقها زوال، فهي حياة كاملة مطلقة في الكمال، لا وجه لنقص فيها، لا وجه لنقص فيها بأي وجه من الوجوه. بخلاف حياة الإنسان، فإنها مسبوقة بعدم، وملحقة بفناء. قال الله عز وجل: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾، أي: هل أتى عليه؟ نعم، الجواب: قد أتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا. وكذلك يلحقه فناء، كما قال الله عز وجل: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾. فالإنسان، حياة الإنسان مسبوقة بعدم، لم تكن شيئًا، وملحقة بفناء، وهذا يدل على نقصها، وعدم كمالها. بخلاف حياة الله عز وجل، فإنها كاملة من جميع الوجوه، لا نقص فيها. لذا كانت حياته سبحانه وتعالى مطلقة في الكمال، لم يسبقها عدم، ولا يلحقها زوال. قال الشيخ رحمه الله تعالى: الحياة المستلزمة لكمال الصفات من العلم والقدرة والسمع والبصر وغيرها. كذلك بيّن الشيخ رحمه الله تعالى أن حياة الله عز وجل الكاملة مستلزمة لكمال الصفات. أضح هذا واضحًا أم لا؟ بخلاف من جاءت حياته ناقصة، مستلزمة لنقص الصفات. الإنسان حياته ناقصة، مسبوقة بعدم، وملحقة بفناء. كذلك صفاته ناقصة: سمعه ناقص، بصره ناقص، إدراكه ناقص، إلى غير ذلك من الصفات. قوته ناقصة؛ لماذا؟ لأن حياته التي هي أصل هذه الصفات ناقصة. وفي المقابل، حياة الله عز وجل كاملة، والتي هي أصل الصفات التي اتصف الله عز وجل بها، فكانت تلك الصفات كاملة على أتم الوجوه وأعظم الوجوه وأجل الوجوه. لذا قال الشيخ رحمه الله: «وفعال حياة المستلزمة لكمال الصفات من العلم والقدرة والسمع والبصر وغيرها». فكمال صفات الحياة مستلزم لكمال بقية الصفات. قال رحمه الله: «العليم اسم من أسماء الله تعالى»، العليم اسم من أسماء الله متضمن للعلم الكامل الذي لم يسبق بجهل، ولا يلحق نسيان. قال تعالى: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾، وقال الله تعالى عن موسى عليه السلام: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾. فقول سبحانه وتعالى: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ﴾ يدل على تمام العلم وكماله، فلا يضل عنه شيء من علمه. وكذلك قوله: ﴿وَلَا يَنْسَى﴾، أي: لا ينسى شيئًا من المعلومات. وهذا يدل على عظيم علم الله عز وجل وكماله. وهو بخلاف علم المخلوق، فإن علم المخلوق قاصر ناقص. علم المخلوق مسبوق بجهل، كما قال الله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾. وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة. وكذلك علم المخلوق ملحق بالنسيان، والزهول، كما قال الله عز وجل عن أبينا آدم: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. قال رحمه الله تعالى: «العلم الواسع المحيط بكل شيء جملة وتفصيلًا، سواء ما يتعلق بأفعاله أو أفعال خلقه». وهذا كذلك يدل على سعة علم الله عز وجل. فعلم الله عز وجل واسع، كما قال الله عز وجل عن الملائكة في دعائهم: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾. ﴿المحيط بكل شيء جملة وتفصيلًا﴾، وهذا من معتقد أهل السنة والجماعة: أن الله عز وجل يعلم كل شيء سبحانه وتعالى، وأنه عالم بكل شيء صغيرًا وكبيرًا، عالم بالكليات وعالم بالجزئيات. بخلاف المعتزلة، الذين يقولون: إن علم الله عز وجل بالشيء أو بالأشياء علما كليًا لا علما جزئيًا، فلا يعلم الجزئيات، وإن كان يعلم الكليات. قال رحمه الله تعالى: «وتفصيلًا، سواء ما يتعلق بأفعاله -أي: بالأفعال الصادرة منه سبحانه وتعالى- فهو أعلم بنفسه، سبحانه وتعالى. أو أفعال خلقه، كذلك ما يصدر من خلقه من أفعال، يعلمها ربنا عز وجل؛ فهو أعلم بنفسه من غيره، وأعلم بخلقه من أنفسهم». قال الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. وهذه الآية كغيرها من الآيات في العلم تدل على إحاطة علم الله عز وجل بصغير الأشياء وكبيرها، وبالكليات والجزئيات. قال رحمه الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. فالله عز وجل يعلم ما في السماوات وما في الأرض، وما بينها، وما بين السماوات والأرض، يعلم كل شيء، سبحانه وتعالى. ثم بيّن شيئًا من العلم الدقيق، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾، يخاطب المخلوق والإنسان: أن الله عز وجل يعلم سره كما يعلم جهره. ثم قال: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، بمعنى أنه يعلم أعظم أو أخفى ما هو من السر. السر هو ما كان بين اثنين، وأخفى ما كان بين الإنسان ونفسه. فبين الله عز وجل في هذه الآية أنه يعلم السر كما يعلم الجهر، بل يعلم ما هو أخفى من السر، وهو ما في صدر الإنسان. قال رحمه الله تعالى: «ومثال ثالث: الرحمن، اسم من أسماء الله تعالى، متضمن للرحمة الكاملة التي قال الله عنها، والتي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لله أرحم بعباده من هذه بولدها»، يعني: أم صبي وجدته في السبي، فأخذته وألصقته ببطنها وأرضعته». قوله رحمه الله تعالى: «الرحمن اسم الله عز وجل، الرحمن من الأسماء الحسنى»، يقول: اسم من أسماء الله تعالى، متضمن للرحمة الكاملة، وللرحمة الواسعة كما سيأتي. رحمة كاملة، التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لله أرحم بعباده من هذه بولدها». تخيلوا امرأة في سبي، أي: وقعت في الأسر، وفرق بينها وبين ولدها، ثم ماذا تبحث عن ولدها وتبحث وتبحث حتى وجدت ولدها، فلما وجدت ولدها أخذته وضمته إلى صدرها وأرضعته. كيف تكون الرحمة من تلك المرأة لذلك الولد؟ لا شك أنها تكون عظيمة. ومع هذا، حينما رأى النبي صلى الله عليه وسلم هذا الموقف، هو وأصحابه، قال لهم نبي صلى الله عليه وسلم، معلمًا لهم ومرشدًا إليه: «لله أرحم بعبده من هذه بولدها». وهذا يدل على عظيم رحمة الله عز وجل، وعلى كمالها. قال رحمه الله تعالى: ومتضمن أيضًا للرحمة الواسعة، التي قال الله عنها: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾. كذلك رحمة الله عز وجل واسعة. وقال عن دعاء الملائكة للمؤمنين: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾. فهذا يدل على عظيم رحمة الله عز وجل، وأنها واسعة، وأنها عظيمة، وأنها كاملة، لا نقص فيها بوجه من الوجوه. هذا يدل على كمال أسماء الله عز وجل، كذلك الحسن، لما تضمنته هذه الأسماء من المعاني الجليلة والصفات العظيمة. قال رحمه الله تعالى: «والحسن في أسماء الله تعالى يكون باعتبار كل اسم على انفراده، ويكون باعتبار جمعه إلى غيره، فيحصل بجمع الاسم إلى الآخر كمال فوق كمال». هذا الشيخ رحمه الله تعالى، بعد أن قرر أن من أسماء الله عز وجل الحسن، ما يذكر مفردًا، بيّن أن من أسماء الله عز وجل ما يجمع إلى غيره. أن من أسماء الله عز وجل المفردة إذا اجتمع الاسم مع الاسم في موطن ما، سواء كان في كتاب الله عز وجل -وهو كثير- أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ازداد هذا المعنى كمالًا فوق كماله. قال رحمه الله تعالى: «مثال ذلك العزيز الحكيم». قال رحمه الله تعالى: فإن الله تعالى يجمع بينهما في القرآن كثيرًا، فيكون كل منهما دالًا على الكمال الخاص الذي تقتضيه، وهو العز في العزيز، والحكمة في الحكيم. واضح هذا الأمر أم لا؟ يقول الشيخ رحمه الله تعالى: أن الله عز وجل كثيرًا ما يجمع بين قوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ في آخر الآيات. العزيز عند انفراده يدل على معنى عظيم ومعنى جليل، وهو كمال عزة الله عز وجل. والعزة كما ذكر تتضمن عدة معانٍ، تتضمن معنى القهر والغلبة، وكذلك السلطان. والحكيم أيضًا، الحكيم يدل على صفة الحكم، وأن الله عز وجل يحكم بين العباد بعدله سبحانه وتعالى، ويدل أيضًا على الحكمة، والحكمة هي وضع الأشياء في مواضعها المناسبة. في اسم الله عز وجل الحكيم يتضمن هذين المعنيين: الحكم وهو الحكم بالعدل، ويتضمن الحكمة التي هي وضع الأشياء في مواضعها المستحقة. هذه الأسماء عند الانفراد يدل على هذا المعنى. قال الشيخ رحمه الله تعالى: «والجمع بينهما دال على كمال آخر»، أي: كمال يدل على كمال فوق كمال آخر. يدل على كمال فوق الكمال الأول. قال: «والجمع بينهما دال على كمال آخر، وهو أن عزته تعالى مقرونة بالحكمة، فعزته لا تقتضي ظلمًا وجورًا وسوء فعل». كما قد يكون من عزة المخلوقين، فإن العزيز منهم قد تأخذه العزة بالإثم، فيظلم ويجور ويسيء التصرف. وكذلك حكمه تعالى، وحكمته مقرونان بالعز الكامل، بخلاف حكم المخلوق، وحكمته، فإنهما يعتريهما الذل. يقول الشيخ رحمه الله تعالى: أن الاقتران بين اسمين زاد هذين الاسمين كمالًا إلى كمالهما. وذلك يقول: يعني إذا نظرنا إلى المخلوق، المخلوق قد يكون عزيزًا ولا يكون حكيمًا، عزيزًا ذا قوة وقهر، ولكن ليس حكيمًا، فربما وقع منه الظلم والجور. وهذا مذموم. في المقابل، الحكيم قد يوجد في المخلوقات من هو حكيم، يحكم بين الناس بالعدل، ويضع الأشياء في مواضعها، ولكن ليست عنده قوة وعزة تجعله ينفذ ذلك الحكم. فيدل على النقص. فبخلاف عزة الله عز وجل وحكمته، فاقترانهما يدل على أن عزة الله عز وجل الذي مع القهر والقوة والغلبة مصحوب بحكمته، فهو يضع الأشياء بحكمة منه سبحانه وتعالى في موضعها المناسب، وهو يحكم ولا معقب لحكمه. فدل على أن اقتران الاسمين بعضهما ببعض، أو أحدهما بالآخر، زاد هذا المعنى أو زاد من معناهما كمالًا إلى كمالهما. فالحاصل من هذا أن أسماء الله عز وجل عند انفرادها تكون دالة على هذا الكمال المطلق الذي ليس فوقه كمال. وإذا جمع الاسم مع الاسم الآخر، ازداد هذا الاسم بالاسم الآخر كمالًا فوق كمال. عند اجتماعهما مع الاسم الآخر، كما مثل الشيخ رحمه الله تعالى بالعزيز الحكيم. ونكتفي بهذا القدر في هذا اليوم. إلى هنا، سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. شكرًا لكم.