الدرس في شرح تطهير الاعتقاد 24، ألقاها
يناقش حكم ذكر لفظ الجلالة منفردًا كما يفعله بعض المدعين بالتصوف، ويبين عدم مشروعية هذا الفعل لعدم كونه من التوحيد ولا من الكلام المفيد في اللغة العربية. يستدل على ذلك بأقوال العلماء مثل الإمام الصنعاني وابن كثير وابن مالك.
يتناول حكم ذكر لفظ الجلالة "الله" مفردا، ويستدل على عدم مشروعية هذا الذكر بأقوال العلماء وأحاديث النبي، ويبين أن المراد بذكر "الله الله" في الحديث هو ذكر الله بالذكر المشروع.
يناقش بعض الممارسات الشركية التي يمارسها بعض الناس، مثل إضافة أسماء الأموات إلى لفظ الجلالة عند الاستغاثة، ويبين بطلان هذه الممارسات وخطورتها، مع ذكر أمثلة على الأشخاص الذين يتم الاستغاثة بهم.
يشير إلى أن الحسن والحسين من أهل بيت النبي عليه الصلاة والسلام، وقد انتقد إدخال أعيان الصحابة في أفواه الجهلة الضلال، ويتمنى الخير للنبي وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام محمد بن إسماعيل الصنعاني رحمه الله في كتابه "تطييب الاعتقاد": فإن قلت: قد يتفق للأحياء أو للأموات اتصال جماعة بهم يفعلون خوارق من الأفعال - يعني أمورًا من خوارق العادات - ويشير إلى ذلك لما يفعله كثير من السحرة والمشعوذين الذين يضحكون على الناس ويأكلون أموالهم بالباطل، قال: يتسمون بالمجاذيب، فما حكم ما يأتون به من تلك الأمور؟ فإنها مما جلبت القلوب إلى الاعتقادات الفاسدة. قلت: ألم المتسمون بالمجاذيب الذين يلوكون لفظ الجلالة بأفواههم ويقولونه بألسنتهم ويخرجونه عن لفظه العربي، فهم من أجناد إبليس، ومن أعظم حمر الكون، حمر جم حمار الذين ألبستهم حلل التلبيس. ويريد بقوله: "يلوكون لفظ الجلالة" يعني: لا ينطقونه النطق الصحيح، وذلك بذكر لفظ الجلالة مفردًا. قال: فإن إطلاق لفظ الجلالة منفردًا عن إخبار عنها بقولهم "الله الله" ليس بكلام ولا توحيد، وإنما هو تلاعب بهذا اللفظ الشريف بإخراجه عن لفظه العربي، ثم إخلاؤه عن معنى من المعاني. ولو أن رجلًا عظيمًا صار يسمى زيدًا، وصار جماعة يقولون "زيد زيد"، لعد ذلك استهزاءً وإهانة وسخرية، سيما إذا زادوا إلى ذلك تحريف اللفظ. ثم انظر: هل أتى في لفظ من الكتاب والسنة ذكر الجلالة بانفرادها وتكريرها - يعني ذكر لفظ الجلالة "الله الله الله" - ما تجد في الكتاب ولا في السنة. قال: والذي ملأ الكتاب والسنة وطلب الذكر والتوحيد والتسبيح والتهليل، وهذه أذكار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأدعية آله وأصحابه، خالية عن هذا الشهيق الذي اعتاده من هو عن الله وعن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكان سحيق. وقد استدل بعض هؤلاء من الظلال على هذه البدعة المحدثة بقول الله جل وعلا: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ إلى قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾، فقالوا: إن معنى "قل الله" أي: لا يكون خطابك لهم إلا بهذه الكلمة "الله". ورد أهل العلم على هذا القائل أبين بطلان هذا التفسير، كالإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيره، قال رحمه الله: وهذا الذي قاله هذا القائل يكون أمرًا بكلمة مفردة من غير تركيب، والإتيان بكلمة مفردة لا يفيد في لغة العرب إفادة يحسن السكوت عليها، لأن الكلام المفيد في اللغة العربية ما كان مركبًا. قال ابن مالك رحمه الله: "كلامنا لفظ مفيد كاستقم"، فالكلام العربي لا بد أن يكون مركبًا، أما كلمة مفردة فلا تكون كلامًا. ولهذا كان التقدير في هذه الآية "قل الله أنزله"، قل الله أنزله، وحذف لدلالة السياق عليه. وهذا يعني أسلوبًا معروفًا في اللغة العربية قد يحذف الفعل لدلالة السياق عليه. ولهذا قال ابن مالك رحمه الله في الألفية: "وحذف ما يعلم جائز"، كما تقول: "زيد" بعد "من عندكما؟" وفي جواب "كيف زيد؟" قل "دنف"، فزيد استغني عنه إذ عرف - يعني لم يذكر لأنه قد عرف وذكر - وهكذا في هذه الآية "قل الله" أي: أنزله، وليس المراد أن تذكر "الله" بلفظ الجلال مفردًا. وهكذا أيضًا أراد بعض من يستدل على هذا الذكر المحدث بما جاء في صحيح الإمام مسلم من حديث أنس بن مالك أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله"، فقالوا: هذا يدل أن هذا الذكر مشروع، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله"، إذن ذكر ذكر الله عز وجل بهذا الذكر دل عليه هذا الحديث. وأجاب العلماء بأن المراد بقوله "الله الله" أي: ذكر الله جل وعلا بالذكر المشروع، ومنه ذكر كلمة التوحيد "لا إله إلا الله". وقد جاء في رواية عند الإمام أحمد قال عليه الصلاة والسلام: "لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض لا إله إلا الله"، حتى لا يقال في الأرض "لا إله إلا الله". وكذلك أهل العلم الذين شرحوا هذا الحديث ما قال أحد منهم بهذا المعنى، وأنه يشرع ذكر الله جل وعلا بلفظ الجلالة مفردًا، وإنما المراد أنه لا يذكر الله عز وجل، لأن الساعة تقوم على شرار الخلق، تقوم الساعة على شرار الخلق. قال الإمام النووي رحمه الله: "باب ذهاب الإيمان آخر الزمان"، ثم قال: أما معنى الحديث فهو أن القيامة إنما تقوم على شرار الخلق، كما جاء في الرواية الأخرى. وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تكلم على هذا الذكر المحدث كما في "مجموع الفتاوى"، قال: "والذكر بالإسم المفرد مظهرًا ومضمرًا بدعة في الشر"، مظهرًا يعني "الله"، ومضمرًا هو بعضهم تجدوا يذكر "الله" بلفظ الضمير "هو هو هو هو"، كأنهم كلاب ينبحون. واللفظ الظاهر لفظ الجلال "الله الله الله الله الله". قال: "والذكر بالإسم المفرد مظهرًا ومضمرًا بدعة في الشر وخطأ في القول واللغة، فإن الإسم المجرد ليس هو كلامًا لا إيمانًا ولا كفرًا". وقال رحمه الله: "فأما الإسم المفرد مظهرًا مثل الله الله أو مضمرًا مثل هو، فهذا ليس بمشروع في كتاب ولا سنة، ولا هو مأثور أيضًا عن أحد من سلف الأمة، ولا عن أعيان الأمة المقتدى بهم، وإنما لهج به قوم من ظلال المتأخرين". وذكر عن أبي حامد الغزالي رحمه الله صاحب "الإحياء" أنه ذكر أن لفظ العامة - أي عامة الناس - "لا إله إلا الله"، ولفظ الخاصة "الله الله"، ولفظ خاصة الخاصة - يعني دعاء خاصة الخاصة - "هو". وهذا تقسيم محدث وقول باطل، بل هو في غاية البطلان، إذ جعل اللفظ المشروع الذي هو أفضل الذكر "لا إله إلا الله" جعله من أدنى المنازل، وهو لفظ عامة الناس ودعاء عامة الناس، ثم جعل الخاصة وخاصة الخاصة هذا اللفظ المحدث من لفظ الجلالة أو ذكر الله جل وعلا بلفظ الجلالة مفردًا ظاهرا أو مضمرًا. قال: ثم قد يضيفون إلى الجلالة أسماء جماعة من الموتى، مثل ابن علوان، أحمد بن علوان - مر الكلام في ذكر شيء من ترجمته فيما سبق - قال: وأحمد بن الحسين، وهو أبو الطير الذي قد تقدم أيضًا، وعبد القادر - وهو الجيلاني - والعيدروس، وهو أبو بكر بن عبد الله الشاذلي متوفى سنة تسع مئة وأربعة عشر للهجرة، كان صوفيًا على الطريقة الشاذلية. قال: بل قد انتهى الحال إلى أنهم يعدون إلى القبور من أهل الظلم والجور، كعلي ردمان - وهو علي بن محمد - كما ذكر المحقق ردمان البكيلي، كان من دهات مشايخ بكيل ورجالها، متوفى سنة ألف ومئة وأربعة وأربعين للهجرة، وقبره في حِمى المسجد الذي عمره بالروضة من أموال انتهبها - مترجم في "نشر العرف" للزبارة - قال: وعلي الأحمر، وهو علي بن قاسم الأحمر، كان من كبار مشايخ حاشد، وقدم صنعاء بجموع كبيرة من قبائل حاشد، فأمر المنصور الحسين بن المتوكل بقتله، فلما قتل أمر بقطع رأسه، فلما قطع أخذه المنصور ووضعه على سنان حربته وأشار إلى الجموع من قبائل حاشد، فقال: "هذا رأس صنمكم"، وكان قتله سنة ألف ومئة وأربعين للهجرة - مترجم في "نشر العرف" - قال: وأشباه هما. والمراد أن هؤلاء من جهلهم ومن ظلالهم أنهم قد يضيفون إلى لفظ الجلالة ومع دعاء الله وذكر الله جل وعلا بهذا اللفظ، وهذا ذكر المحدث، الاستغاثة بهؤلاء الأموات، الاستغاثة بهؤلاء الأموات ممن يعدونهم من الأولياء، وربما أضاف إليهم بعض أهل الظلم وأهل البغي من أمثال هؤلاء، فيستغيثون بهم ويدعونهم من دون الله جل وعلا. قال: ﴿وَلَقَدْ صَانَ اللهُ﴾ سبحانه وتعالى رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الكساء، أهل الكساء يريد بهم ما ورد في صحيح مسلم حين خرج النبي صلى الله عليه وسلم وعليه كساء - يعني مرط من شعر أسود - فأدخل فاطمة ابنته رضي الله عنها داخل الكساء، وأدخل عليًا والحسن والحسين، ثم قال عليه الصلاة والسلام: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، فيريد بهم هؤلاء: فاطمة وعلي والحسن والحسين من أهل بيته عليه الصلاة والسلام. قالوا: أعيان الصحابة عن إدخالهم في أفواه هؤلاء الجهلة الضلال، فيجمعون أنواعًا من الجهل والشرك. طيب الله ثرى نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.