الدرس في شرح عقيدة الرازيين 5، ألقاها
الإيمان بالقدر خيره وشره هو أحد أركان الإيمان، ويعني تقدير الله للأشياء منذ القدم. هذا الإيمان يستند إلى أدلة من القرآن والسنة النبوية.
القضاء والقدر له أربع مراتب رئيسية: العلم، الكتابة، المشيئة، والخلق. الناس في هذا الباب ينقسمون إلى ثلاث فرق رئيسية: أهل السنة والجماعة، القدرية، وفرق أخرى.
يتناول المقطع الطائفتين الضالتين القدرية والجبرية، ويبين ضلالهم. أهل السنة والجماعة يؤمنون بأن للعباد أفعالاً وإرادات تحت مشيئة الله. الردود على الجبرية والقدرية تؤكد التوازن بين مشيئة الله ومشيئة العبد.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال -أي الإمامان الرازيان- في عقيدة أهل السنة والجماعة: «والقدر خيره وشره من الله»، أي: والإيمان بأن القدر خيره وشره من الله عز وجل، أي: أنه كائن وواقع بقضاء الله جل وعلا وقدره. والقدر -كما هو معلوم- أحد أركان الإيمان الذي لا يصح إيمان عبد حتى يؤمن بالقدر، ودلائل ذلك من كتاب الله جل وعلا، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أشهر من أن تذكر وأكثر من أن تحصر؛ لأنها من كتاب الله جل وعلا، دلائل ذلك متنوعة كثيرة. قال الله جل وعلا: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾، وقال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾، خلق كل شيء فقدره تقديرًا، إلى غير ذلك من الأدلة الدالة على تقدير الله جل وعلا للمقادير خيرها وشرها. وجاء في الصحيح -مسلم- من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، حينما أتاه عبد الرحمن بن يعمر وصاحبه من أهل البصرة، وقال لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما: سمعنا مقالة ظهرت من قبلنا -أي: من قبل أهل البصرة-، وكثير من البدع ظهرت في البصرة، فقال: وما هي؟ فقالوا: إن أقوامًا من قبلنا -أي: من جهتهم- يقولون: بأن الأمر أنف، ومعنى أن الأمر أنف: أي: أن الله تبارك وتعالى لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها، أي: أن علم الله جل وعلا مستأنف -أي: متجدد-، بمعنى: لا يعلم الشيء إلا بعد وقوعه، قبل الوقوع يقولون: بأن الله جل وعلا لا يعلم تلك الأشياء. فلما سمع بذلك عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، ما كان جوابه؟ قال لهؤلاء: أخبروهم بأنهم مني براء، وأنا منهم بريء -أو كما قال-، ثم قال: والذي يحلف به عبد الله بن عمر، لا يؤمنوا حتى يؤمنوا بالقدر، ثم ذكر حديث جبريل الطويل الذي رواه عن أبيه عمر بن الخطاب، وفيه: حينما سأله عن الإيمان، قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، وأن تؤمن بالقدر خيره وشره»، وجاء في رواية عند ابن حبان بإسناد صحيح على شرط مسلم: «وأن تؤمن بالقدر خيره وشره وحلوه ومره من الله»، أي: أنه من الله. فهذه نصوص ظاهرة، لا خفاء فيها، بل هي واضحة جلية، تدل على أن القدر خيره وشره من الله -من الله تبارك وتعالى-، بل هو أحد أركان الإيمان الذي لا يصح إيمان عبد إلا بالإيمان به، ومن أنكر ذلك كفر بالله العظيم. والقدر -كما يقول علماء لغة- بفتحه: معناه -قالوا-: أن القضاء -بالفتح لا غير-، القضاء والقدر -بالفتح- بمعنى: ماذا؟ القضاء الذي يقدره الله تعالى، وإذا وافق الشيء الشيء يقال فيه: قد جاء على قدر. والقدر شرعًا هو: أن الله تبارك وتعالى قدر الأشياء في القدم، وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عندهم على صفات مخصوصة، فيقع على حسب ذلك التقدير الذي قدره الله تبارك وتعالى. والقدر والقضاء -كما يقول العلماء- هي من الألفاظ التي إذا اجتمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت، فالقضاء عند الافتراق -أي: في اللفظ- يكون بمعنى القدر، والعكس يقال: معنى القضاء هو القدر، معنى القدر هو القضاء. وعند الاجتماع يفترقان في المعنى، فيكون القدر: بمعنى ما يسبق القضاء من تقدير الله جل وعلا للأشياء كيف ستكون بأوصافها المخصوصة، وفي أوقاتها المخصوصة، فإذا وقعت سمي قضاء، إذا وقعت سمي قضاء. لذا يقول علماء -رحمهم الله تعالى-: التقدير يكون سابقًا على القضاء، والقضاء يكون بعد التقدير، هذا متى؟ هذا إذا اجتمع، وأما إذا افترق فكما تقدم يكون هذا بمعنى هذا. والقضاء والقدر -كما يقول العلماء- رحمهم الله تعالى له مراتب أربع، مراتب القدر أربع، ومعنى مراتب القدر أربع: أي: أن الله جل وعلا في خلقه، وتقديره لخلقه، جعل ذلك الخلق وذلك الإيجاد له مراتب أربع، التي هي مراتب التقدير، مراتب القدر. أولها: مرتبة العلم، ومعنى مرتبة العلم: أي: أن الله تبارك وتعالى علم الأشياء قبل وقوعها أنها ستقع على أوصاف مخصوصة، في أزمنة معلومة، وعلى أحوال مخصوصة، هذا كله في علم الله جل وعلا، كما قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾، فالله جل وعلا علم ما سيكون قبل أن يكون، إذا كان كيف يكون. وهذه المرتبة هي المرتبة الأولى، المرتبة الثانية: مرتبة الكتابة، وأن الله تبارك وتعالى كتب في اللوح المحفوظ مقادير الخلائق قبل أن يوجدها بآلاف السنين، الله تبارك وتعالى في كتاب الكريم: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾، فهو في كتاب كتبه الله جل وعلا. وجاء في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: «إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلقوا بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء»، هذه المرتبة الثانية: مرتبة الكتابة، ومرتبة العلم ومرتبة الكتابة تدل على علم الله تبارك وتعالى السابق لمقادير السماوات والأرض قبل وجودها. والمرتبة الثالثة: مرتبة المشيئة، أي: أن الله تبارك وتعالى إذا شاء إيجاد شيء أوجده، ولا يكون ذلك الإيجاد إلا بمشيئة الله جل وعلا، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، قال الله تبارك وتعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. المرتبة الرابعة: مرتبة الخلق والإيجاد، أي: أن الله جل وعلا بعلمه السابق علم أن سيكون شيئًا سيكون شيء معين في وقت معين في زمن معين، فإذا شاء الله تبارك وتعالى إيجاده أوجده، هذه المرتبة تسمى مرتبة الإيجاد، مرتبة الخلق، أي: أن يخلق الله جل وعلا ما يشاء، قال الله تبارك وتعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، مرتبة الإيجاد، مرتبة التكوين. فهذه مراتب القضاء والقدر، والناس في باب القضاء والقدر من حيث الجملة على ثلاث فرق، من حيث الجملة: الفرقة الأولى -أو قل: الطائفة الأولى- وهي طائفة أهل الحق، طائفة أهل السنة والجماعة، الفرقة الناجية والطائفة المنصورة، يؤمنون بالقدر خيره وشره أنه من الله تبارك وتعالى، وأن ما قدره الله جل وعلا فإنه كائن، وأن الله جل وعلا على كل شيء قدير، وأن الله تبارك وتعالى لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، فيؤمنون بقضاء الله وقدره، ويرضون بقضاء الله وقدره؛ لأنه كله من الله تبارك وتعالى؛ لأن التقدير فعل الله، التقدير فعل الله تبارك وتعالى، وفعله كله خير، فأهل السنة والجماعة يؤمنون بالقضاء والقدر إيمانًا لا شك فيه ولا ارتياب. الفرقة الأولى التي خرجت عن الجماعة في باب القضاء والقدر: القدرية، وكان خروجهم في زمن أواخر الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، كما مر وأشير إلى خروجهم في عهد ابن عمر رضي الله عنهما، القدرية أولًا سموا قدرية؛ لأنهم نفوا القدر عن الله تبارك وتعالى، ونسبوا القدر إليهم، فقالوا: بأن العباد قادرون، وأن الله تبارك وتعالى لا يقدر على شيء، لذا سموا القدرية. وقد جاءت أحاديث في السنة يحسنها جماعة من أهل العلم، كحديث ابن عباس وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «القدرية مجوس هذه الأمة»، لماذا مجوس هذه الأمة؟ لأنهم أثبتوا للكون خالقين: خالق كل شيء وهو الله تبارك وتعالى، وخالق أفعالهم وهم العباد أنفسهم، وهذا يشبه تمامًا قول المجوس القائلين بأن العالم له خالقين. فالقدرية نفوا القدر عن الله جل وعلا، والقدرية -كما يقول علماء- رحمهم الله وتعالى على طائفتين: الطائفة الأولى: غلات القدرية، وهم الذين ظهروا في الزمن الأول، وهم الذين نفوا العلم عن الله تبارك وتعالى، فقالوا: إن الأمر أنف، ومعنى أنف -كما تقدم-: أن الله تبارك وتعالى لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها، وهذا قول منكر وباطل، بل وكفر، وقد نص غير واحد من الأئمة -كالقاضي عياض وابن القيم وغيرهما- نقل اتفاق السلف على كفر من زعم أن الله تبارك وتعالى لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها؛ لماذا؟ لأنه مكذب لكتاب الله تبارك وتعالى، ولسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولإجماع السلف. وقد مر معنا أثر ابن عمر: «أني منهم بريء، وأنهم مني براء»، وقد ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما -كما في السنة لابن أبي عاصم وغيره-: أنهم لما سمع بمقالة القدرية -وقد كان عمي رضي الله عنه وأرضاه- قال: «أما والله لو أدركت رجلا منهم لدققت عنقه»، وهذا يدل على ماذا؟ على أن من قال هذه المقالة فإنه ارتد عن دين الله تبارك وتعالى والعياذ بالله. وهذه الطائفة -بحمد الله جل وعلا- نقل غير واحد من الأئمة بأنها انتهت واندثرت بفضل الله تبارك وتعالى أولًا وآخرًا، ثم ببيان السلف وجهاد السلف لبيان أباطيل المبتدعة. والطائفة الثانية من المعتزلة، نفوا المرتبة الثالثة والرابعة، يعني: القدر على قسمين، المرتبة -أو الطائفة الأولى- نفوا جميع المراتب القضاء والقدر، هؤلاء كفار؛ لأنهم مكذبون لكتاب الله جل وعلا، وكفرهم باتفاق السلف. الطائفة الثانية: أثبتوا العلم والكتابة، ونفوا المشيئة والخلق، وهؤلاء ضلال، وهؤلاء أهل ضلال والعياذ بالله، لذا كان الأئمة -رحمهم الله تعالى- يقولون: «الناظر القدري بالعلم فإن أقر غلب، وإن أبوا كفر»، فيكونون بين أمرين أحلاهما بالنسبة لهما مر، بين أن يرجع إلى الحق -وهم يأنفون ذلك-، وبين أن يقول: بأن الله تبارك وتعالى لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها، فيكون حاله كحال أسلافهم، فيلحقون بهم. وهذه الطائفة الأولى من الطوائف المارقة عن الصراط المستقيم: القدرية، والطائفة الثانية: الجبرية، الجبرية عكس القدرية تمامًا، القدرية ماذا يقولون؟ يقولون: بأن الله ليس له قدرة ولا إرادة ولا مشيئة على العبد، وإنما العبد هو الذي له قدرة وإرادة ومشيئة يفعل ما يشاء. في مقابلهم الجبرية، الجبرية ماذا قالوا؟ قالوا: بأن الله تبارك وتعالى له القدرة التامة والمشيئة النافذة والخلق والإيجاد إلى غير ذلك، والعبد -يقولون-: ليس له إرادة ولا مشيئة، بل هو -كما يزعمون- يقولون: هو كالشجرة في مهب الريح، وكالريشة كذلك إذا حركتها إيش الريح؟ ليس له إرادة. فيقولون: أفعال العباد كأفعال المرتعش، الإنسان إذا حصل له رعشة، هذه الرعشة إرادية أو غير إرادية؟ يقولون: هكذا أفعال العباد، إذن إذا صلى الإنسان من الذي صلى؟ العبد أو الرب؟ وإذا صام أو إذا زكى من الذي صام وزكى؟ العبد أو الرب؟ على قول هؤلاء: الرب، على قول هؤلاء: المصلي هو الرب، والساجد الراكع هو الرب؛ لأن العباد ليس لهم فعل، وإنما الفاعل هو الله تبارك وتعالى. وإذا في باب الكفر والفسوق والعصيان من الفاعل لهم؟ هل العبد أو الرب؟ الرب والعياذ بالله، ألزموهم بهذا والتزموا، وهذا قول باطل ومنكر، لذا شنع عليهم الأئمة، وبدعوهم، وضللوهم، واشتد نكيرهم على هؤلاء الطائفة، كما اشتد نكيرهم على الطائفة الأولى. وهكذا كل من خالف الكتاب والسنة تجده في ضلال مبين، فهؤلاء نفوا قالوا: ليس العبد إرادة، طيب كل عاقل يعلم أن له إرادة، لذا إذا جاع مباشرة ذهب إلى ماذا؟ يبحث عن الطعام، وإذا عطش بحث عن ماذا؟ عن الشراب، هل هذا بإرادة أم بإرادة الله؟ هيا جماعة بإرادته، لكن إرادته داخلة تحت إيش؟ تحت إرية الله جل وعلا، فالحاصل من هذا: أن القدرية ضل في هذا الباب، والجبرية ضل في هذا الباب، والحق وسط بين هؤلاء وهؤلاء. فأهل السنة والجماعة يقولون: بأن العباد لهم أفعال، لهم إرادات، لهم مشيئات، لهم اختيارات، ولكنها تحت مشيئة الله، وتحت إرادة الله، وتحت إيجاد الله تبارك وتعالى لها، قال الله تبارك وتعالى -كما سمعتم-: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾، المشيئة هنا أثبتها الله جل وعلا لمن؟ للعبد، ثم قال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، نفى المشيئة عن من؟ عن العباد، إلا أن يشاء إلا أن يشاء الله. ومعنى هذا: أن العبد له مشيئة، وله إرادة، وله قدرة، والحس يثبت هذا، ولكن مشيئته وإرادته لا تخرج عن مشيئة الله وإرادته، وبهذه الآية -أو بهاتين الآيتين- نثبت ماذا؟ نثبت المشيئة لله، والمشيئة للعبد، وأن مشيئة العبد داخل تحت مشيئة الله، أي: فلا تنفذ إلا بمشيئة الله. وفيها يكون رد على الطائفتين: على الجبرية الذين قالوا: بأن العبد ليس له مشيئة، وعلى القدرية الذين قالوا: بأن الله تبارك وتعالى ليس له مشيئة، والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله، والصحابة أجمعين.