شرح عقيدة الرازيين 4

الدرس في شرح عقيدة الرازيين 4، ألقاها

تعريف القرآن وأنه كلام الله

يتناول تعريف القرآن وبيان أنه كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته، ويشرح آراء أهل العلم حول كونه اسم علم أو مشتق من القراءة. يستدل على أنه كلام الله بأدلة من القرآن والسنة.

صفات كلام الله ومراتب إنزاله

يشرح أن القرآن كلام الله حقيقة، يتألف من صوت وحرف، ويبين مراتب إنزال القرآن الثلاث مع التأكيد على أن القول بخلق القرآن كفر.

مقالة أهل السنة والجماعة في القرآن وتوضيح القراءة

يشرح مقالة أهل السنة والجماعة في أن القرآن كلام الله غير مخلوق ويوضح الفرق بين القارئ والمقروء في تلاوة القرآن، مشيراً إلى أن القراءة هي إيصال صوت القارئ لكلام الله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمامان أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان -رحمهما الله تعالى وغفر الله لهما- في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة، قالا -رحمهما الله-: والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته. والقرآن -كما ذكر من ذكر من أهل العلم- أنه اسم علم لكتاب الله تبارك وتعالى، وهذا القول يُحكى عن الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى وغفر له-. وقال آخرون من أهل العلم: بأن القرآن مصدرٌ مأخوذٌ من القراءة، من «قرأ يقرأ وقرآنه»، وهذا كما يقول علماء: مستساغٌ في لغة العرب، أي إطلاق المصدر ويراد به اسم المفعول، كإطلاقهم «العلم» على المعلوم، و«الضرب» على المضروب، وهكذا قل في غيرها. فمن أهل العلم من يقول: بأن القرآن مشتق -كما تقدم- من «قرأ يقرأ»، ومنهم من قال: بأنه اسم علم. ومن قال: بأنه مشتق، قال: بأن القرآن إذا أطلق صار علمًا على كلام الله جل وعلا، باعتبار أنه إذا أطلق القرآن لا يُفهم منه إلا القرآن الذي يُتلى، القرآن الذي هو كلام الله جل وعلا، وهو الذي دلَّ عليه كذلك دلَّت عليه الأدل من كتاب الله جل وعلا. فالله جل وعلا سمَّى القراءة قرآنًا، فقال الله جل وعلا: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾، والمراد بالقرآن هاهنا: القراءة. وأطلق الله جل وعلا القرآن على القرآن المتلو، كما في قوله جل وعلا: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾، فالقرآن هاهنا هو كلام الله جل وعلا. وجاء في الصحيح من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- «نهى أن يُسافر بالقرآن إلى أرض العدو»، فالمراد بهذا: الكتاب المصحف الذي في أيدي المسلمين الذين يتلونه آناء الليل وآناء النهار، وتعبَّدون الله جل وعلا بتلاوته وبتدبُّره وبالعمل بمُقتضاه. وقوله -رحمه الله تعالى-: «والقرآن كلام الله»، أي: أن القرآن من كلام الله جل وعلا؛ لأن الله تبارك وتعالى تكلم بالقرآن، وتكلم بغيره، الله جل وعلا تكلم بالتوراة، تكلم بالإنجيل، تكلم بالزبور، وهكذا كلم الله جل وعلا من شاء من خلقه من ملائكته ورسله، كما قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾، أو قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾، أي: من الرسل من كلمه الله تبارك وتعالى. وقال الله جل وعلا في حق موسى: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلامِي﴾، وقال الله جل وعلا في حق موسى أيضًا: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، وقال الله جل وعلا في حق الملائكة: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، وقال الله جل وعلا في حق آدم -أو لآدم-: قال الله جل وعلا لآدم عليه السلام: أي أن الله جل وعلا كلم آدم، قال الله جل وعلا في حقه -أو له ولامرأته- في كتابه الكريم: أمره بأن يأكل من الجنة رغدًا، ونهاهما عن تلكما الشجرة. وكما جاء كذلك في الصحيح من حديث أبي موسى الأشعري حينما حاجَّ آدم موسى، قال موسى عليه السلام: «أنت أبو البشر وكلمك الله»، وهكذا قاله آدم: «أنت موسى بني إسرائيل الذي كلمك الله» -الحديث-، فأشهد أن الله تبارك وتعالى كلم من شاء بما شاء كيف شاء، والقرآن من كلام الله جل وعلا. قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾، أي: القرآن، فهكذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقرأ إذا جاء من جاء من المشركين، كان يقرأ نبينا -صلى الله عليه وسلم- القرآن، وكانوا يتأثرون بذلك القرآن، ويعلمون أنه ليس من كلام البشر. كما جاء في الصحيحين من حديث جبير -أو في صحيح البخاري من حديث جبير ابن مطعم- حينما أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- لفداء أسارى قريش يوم بدر، وكان حينها مشركًا، قال: «فأتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يقرأ في صلاة المغرب سورة الطور، فلما بلغ قول الله جل وعلا: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ﴾، قال جبير ابن مطعم -وكان حينها مشركًا-: قال كاد قلبي أن يطير من تأثير كلام الله جل وعلا عليه». فالقرآن كلام الله جل وعلا، كلام الله جل وعلا تكلم الله جل وعلا به حقيقة، بصوت نفسه وحرفه. والقرآن كلام الله، والله تبارك وتعالى تكلم بصوت وحرف؛ لأن الكلام في لغة العرب هو اللفظ المفيد. قال الإمام ابن مالك -رحمه الله تعالى- في الخلاصة: «كلامنا لفظ مفيد كاستقم»، فهو لفظ، وهو كذلك مفيد. واللفظ مجتمِع على صوت وحرف، فهذا محل إجماع، نقل الإجماع عليه غير واحد من الأئمة، منهم الإمام أبو نصر السجزي -رحمه الله تعالى- في كتابه المسمى «بالحرف والصوت» أو المشهور «برسالته إلى أهل زبيد»، وكذلك نقل الإجماع الإمام ابن قدامة في كتابه «الحرف والصوت»، وكذلك الإمام ابن تيمية وابن القيم وغيرهم من الأئمة -رحمهم الله-. وقولهم -رحمه الله تعالى-: «وقولهما: والقرآن كلام الله»، القرآن كلام الله نزل به جبريل عليه السلام من ربه جل وعلا على قلب نبينا -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-. وقد ذكر العلماء -رحمهم الله تعالى- أن لإنزال القرآن مراتب ثلاث: المرتبة الأولى: كتابته في اللوح المحفوظ، كما قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾. وكذلك المرتبة الثانية: إنزاله إلى بيت العزة، وذلك في رمضان في ليلة القدر، كما قال الله جل وعلا: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾. والمرتبة الثالثة: مرتبة إنزال القرآن منجَّمًا على حسب الوقائع والأحداث، نزل به جبريل عليه السلام من عند ربه جل وعلا إلى نبينا -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-، سمعه جبريل وأداه جبريل إلى نبينا -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-. جاء في سنن النسائي من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «نزل القرآن في عشرين سنة»، وفي رواية: «في ثلاث وعشرين سنة» منجَّمًا على نبينا -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-، وإسناده ثابت. وهذه المرتبة -كما يقول العلماء- هي المرتبة الثالثة، وهي مجمع عليها. والقرآن الذي نزل به جبريل على نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- هو المسموع، سمعه جبريل عليه السلام من ربه جل وعلا، وأداه جبريل عليه السلام إلى نبينا محمد -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-. وقوله -رحمه الله تعالى-: «والقرآن كلام الله»، أي: أن الله تكلم به حقيقة، خلافًا لمن زعم أن الله تبارك وتعالى إنما تكلم بالقرآن مجازًا، لم يتكلم به حقيقة. ومنهم من صرح فقال: بأن القرآن ليس من كلام الله جل وعلا، بل إن القرآن مخلوق. ومن زعم هذا -أي من زعم أن القرآن مخلوق- فقد نقل غير واحد من الأئمة كفر قائل هذه المقالة. قال الأئمة -رحمهم الله تعالى- كأحمد وابن المبارك وعبد الله بن إدريس: كما ذكر اللالكائي -رحمه الله تعالى- وغيره عن خمسمائة إمام، بالنص ينصون على كفر من زعم أن القرآن ماذا؟ أن القرآن مخلوق. قال الأئمة -رحمهم الله تعالى-: «من قال بأن القرآن مخلوق فهو كافر»، لماذا هو كافر؟ لأنه مكذب لكلام الله جل وعلا، الله جل وعلا يقول: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾، وهؤلاء يقولون: القرآن ماذا؟ مخلوق، ليس من كلام الله جل وعلا. والله جل وعلا جعل القرآن من علمه، قال الله جل وعلا: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾، وهؤلاء يقولون ماذا؟ القرآن مخلوق، فيلزم من هذا أن يكون علم الله إيش؟ أن يكون علم الله مخلوقًا، وهذا كذلك كفر -والعياذ بالله-. لذا الأئمة -رحمهم الله تعالى- يقولون: «والقرآن كلام الله غير مخلوق»، غير مخلوق، ردًا على الجهمية، الجهمية طائفة من طوائف الضلال من أهل العلم، والأئمة من يجعلها من الطوائف الهالكة المنتسبة إلى الإسلام، ومنهم من لا يجعلها من أهل الإسلام أصلا. وقد نص الإمام عبد الله بن المبارك والإمام عبد الله بن إدريس وغيرهما على أن الجهمية والرافضة ليسوا -أو ليستا- من فرق الإسلام أصلا؛ لمقالاتهم الشنيعة البعيدة عن مقالات أهل الإسلام. فقول الأئمة -رحمهم الله تعالى-: «والقرآن كلام الله غير مخلوق»، أي: خلافة للجهمية ولأفراق الجهمية من المعتزلة الذين زعموا كذلك بأن القرآن مخلوق. وتعلمون أن هذه المقالة إنما ظهرت، وأول من أظهرها الجهم بن صفوان، وإن كانت المقالة أوثرت قبل ذلك عن الجعد بن درهم، لكن شهرها وأظهرها الجهم بن صفوان، الجهم بن صفوان قتل، قتله الوالي حينها، وأحسن فيما فعل. يقال بأن الوالي حينها -يقال له سلم بن أحوز- أحد الأمراء، أنه لما قبض على الجهم بن صفوان وأراد الجهم بن صفوان أن يفعل ما يفعل من الأعذار، فقال له: «يا جهم، والله لو كنت في معدتي»، قال: «لا شققت عنها وقتلتك»، وهذا يدلنا على ماذا؟ على غيرة الأئمة والحكام على دين الله جل وعلا في الزمن الأول. الجعد بن درهم قتله خالد القسري في يوم الأضحى، وقد أحسن؛ لأنه كافر مرتد، وكذلك الجهم بن صفوان قتله سلم بن أحوز، قتله رده؛ لأنه كافر مرتد. ثم ماتت هذه البدعة، فلما كان في زمن المعتزلة وفي زمن المأمون العباسي، وكان بعض جلسائه كابن أبي دؤاد وغيره أدخلوا عليه هذا الفكر الخبيث، القول بأن القرآن مخلوق، وأن من قال بأن القرآن غير مخلوق فإنه كافر مرتد، عكسوا الأمر، قلبوا الحقائق، بدلوا الأمور وغيروها، حتى أقنعوا ذلك الإمام وذلك السلطان. فلما اقتنع دعوا الناس إلى هذه الفكرة، ومن أبى من الأئمة أفتوا بقتله، حتى قتل من قتل، وفر من فر، وقبض على من قبض وحوكم ونُظر، فاضطر بعضهم إلى أن يقول بأن القرآن ماذا؟ بأن القرآن مخلوق، مُكرَهًا على سبيل الإكراه. وثبت الله جل وعلا الإمام أحمد وبعض الأئمة -رحمهم الله تعالى- على القول بأن القرآن غير مخلوق، ثبتهم الله جل وعلا، فضرب أحمد وسجن وأوذي وعذب -رضي الله عنه وأرضاه- فاحتسب في ذات الله جل وعلا وفي سبيل الله جل وعلا، حتى فرج الله عن أهل الإسلام بثباته -رحمه الله تعالى وغفر له-. فالحاصل أن بعد ذلك رجعت الأمور إلى مواردها، ورجع الحق إلى أهله، وظهر الحق، وانقمعت البدعة، وانقمعت الشر، بحمد الله جل وعلا، وظهرت من جديد مقالة أهل السنة والجماعة: أن القرآن كلام الله جل وعلا غير مخلوق، وأن من زعم بأن القرآن مخلوق فإنه كافر جهمي، فإنه جهمي كافر -والعياذ بالله-. وقوله -رحمه الله تعالى-: «غير مخلوق بجميع جهاته»، أي: هو المتلو باعتبار التلاوة، فالقرآن هو كلام الله جل وعلا باعتبار المتلو، باعتبار المقروء، باعتبار المكتوب، باعتبار المحفوظ، كله من كلام الله جل وعلا. نعم، الكتابة الحفظ القراءة هذه من أفعال العباد، لكن المحفوظ المقروء المتلو المكتوب هو من كلام الله جل وعلا. لذا كان مما قالت الأئمة -رحمهم الله تعالى- كالإمام البخاري وغيره من الأئمة: أن قالوا: «الصوت صوت القارئ، والكلام كلام الباري»، القارئ إذا قرأ القرآن الصوت صوت من؟ صوت القارئ، لكن المقروء كلام من؟ كلام الباري جل وعلا. لذا قال -كما سمعتم- الأئمة كالإمام البخاري -رحمه الله تعالى- وغيره: «الصوت صوت القارئ، والكلام كلام الباري»، نكتفي بهذا القدر إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، أستغفرك وأتوب إليك، محمد رسول الله، أستغفرك وأتوب إليك، محمد رسول الله.

شاركنا على