شرح عقيدة الرازيين 2

الدرس في شرح عقيدة الرازيين 2، ألقاها

مقدمة في أصول الدين عند أهل السنة

يشرح المقطع الأول مفهوم أصول الدين عند أهل السنة والجماعة، ويبين أهمية الرجوع إلى العلماء في أمور العقيدة. يُبرز المقطع الثالث أهمية الإيمان والتوحيد كأول واجب على المسلمين وفقًا لعقيدة أهل السنة والجماعة.

منهج المتكلمين في إثبات وجود الله تعالى

يشرح المقطع الثاني منهج المتكلمين في إثبات وجود الله، ويبين أن هذا المنهج يعتبر باطلاً ومحدثاً لأنه يبدأ بالشك في وجود الله. يُظهر أن هذا المنهج مخالف لمنهج أهل السنة والجماعة.

خاتمة الدرس وآداب الذكر

المقطع الأخير يشير إلى خاتمة أو نهاية حديث أو نص، يتضمن تسبيح الله والاستغفار والتوبة إليه. يُظهر الأدب الإسلامي في إنهاء الكلام بالذكر والتقرب إلى الله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، ما زلنا في مقدمة الكلام على هذه العقيدة المباركة المشهورة عند العلماء رحمهم الله تعالى باسم عقيدة الرازيين. قال الإمام أبو محمد عبد الرحمن ابن أبي حاتم: قال سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين. تقدم معنا أمس أو بالأمس، أي في الدرس الماضي، أن لفظة أو عبارة "أصول الدين" تكلم بها أول من تكلم بها المتكلمون؛ لأن المتكلمين أول ما تكلموا كانوا يطلقون على العقيدة "علم الكلام". وأما الأئمة رحمهم الله تعالى، فيلقبونها بالتوحيد، بالسنة، بكتب الشريعة، بأصول السنة، وما شابه ذلك. فهؤلاء أرادوا أن يأتوا باسم يروج، فأطلقوا على هذا العلم باسم "أصول الدين". وهذا الأصول، كما سمعتم، هذه الأصول التي ذكروها الأصل فيها أنها أصول المتكلمين، فهو عنوان مخالف، أو عنوان لمعنى ما تقدم ذكره من تلقيبهم وتسميتهم لعلم العقيدة والتوحيد بعلم الكلام، بخلاف أهل السنة والجماعة، فإنهم أرادوا بقولهم "أصول الدين" أي الأصول التي بني عليها الدين، أي أصول الإيمان. أصول الإيمان، أي التي بني عليها الدين. وكما تقدم، وذكرنا أن التعبير بهذا التعبير، إن أريد به المعنى الذي عليه أهل السنة والجماعة من حيث الاستدلال، ومن حيث كذلك المأخذ والاعتبار، فلا مشاحة في الاصطلاح. قوله رحمه الله تعالى: "وما أدركا عليه علماء" -وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار- فيه أن هذه العقيدة مجمع عليها بين علماء الأمصار. وفيه أيضًا أن المتحرّي لأمر العقيدة عليه أن ينظر في هذا المعنى، أي أن ينظر ما اتفق عليه الناس، ويجتنب الشذوذ وما خالف فيه الناس ذلك الإجماع، ولا سيما في أمر العقائد التي إن صلحت صلحت أعمال العبد، وإن فسدت فسدت أعماله. وفيه أيضًا أن سؤال العالم عن الدين والعقيدة -أن سؤال العالم عن الدين والعقيدة- ما هو الدين؟ ما هي أصول الدين؟ ما هو الواجب أن نعتقده في أبواب الإيمان؟ أن هذا السؤال مطلوب، وعليه دل قول الله جل وعلا: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. وفيه كذلك بيان واضح أن من سأل عالمًا عن عقيدته وعما هو الحق في باب الإيمان والعقائد، فقال له ذلك العالم الموثوق بدينه وعلمه: قال له نعتقد كذا وكذا في حق الله، ونعتقد كذا وكذا في حق رسول الله، ونعتقد كذا وكذا في حق الملائكة، وفي حق الصحابة إلى غير ذلك. أن من اعتقد تلك العقيدة وجزم بها، فإنه يكون مؤمنًا. فلا يُشترط أن يقف على أدلة تلك الأقوال تفصيلًا، خلافًا للمعتزلة. المعتزلة يقولون: لا يسع في هذا الباب إلا أن يقف، أن يستدل، أن ينظر في الأدلة. وليس مرادهم أن ينظر في أدلة الكتاب والسنة، لا. وإنما المراد بالنظر عندهم، أي بالنظر كما يقولون، هو الاستدلال الذي هو النظر والاستدلال عند المتكلمين. ومعنى النظر والاستدلال عندهم أن الإنسان يشغل عقله وفكره، ينظر. وأول ما ينظر في وجود الله جل وعلا، هذا عندهم أول واجب. أول واجب معرفة الله، لذا عندهم مقدمات يقولون: لا بد للإنسان حتى يعرف ربه، لا بد أولًا أن يشك. فيقولون: أول مراتب معرفة الرب الشك. ما معنى الشك؟ أي أن تشك في وجود الله جل وعلا. هل ربك جل وعلا موجود؟ أول واجب عندهم أن تشك. ثم ماذا؟ ثم تبرهن بطريق ماذا؟ النظر والاستدلال على وجود رب جل وعلا. ومعنى هذا لو أنه مات ذلك المسكين في أوائل مراتب المعرفة، ماذا سيكون حاله؟ إذا مات وهو في مرتبة الشك، ماذا سيكون حاله؟ مؤمن؟ ليس بمؤمن. لا يعرف الله، لا يعرف الله جل وعلا. هذا الذي يدندن حوله هؤلاء المتكلمون يقولون: لا بد أولًا من الشك، ثم لا بد من أن ينظر ويستدل. ما معنى النظر والاستدلال؟ هو ترتيب أدلة، عندما نظر. الاستدلال هو ترتيب أدلة على أدلة، بها يعرف ربه جل وعلا. ما هي هذه الأدلة؟ أدلة كلامية. مثال يقولون: كل متغير حادث. اسمع إلى هذه المقدمات: كل متغير حادث، هذه المقدمة الأولى. نعم، يقول: وكل حادث مفتقر إلى محدث، هذه المقدمة الثانية. النتيجة ما هي؟ كل متغير مفتقر إلى ماذا؟ إلى محدث. إذن أثبتنا الله، أثبتنا وجود الله جل وعلا. فهم يثبتون وجود الله جل وعلا بهذه الطريقة، وهي ما يسميها المتكلمون بطريقة حدوث الحوادث. وهذه الطريقة نص غير واحد من العلماء من الأئمة رحمهم الله تعالى أنها طريقة محدثة باطلة. بل نص بعضهم على أنها طريقة كفرية. وحق له أن يطلق عليها ذلك. لماذا؟ لأنه لا يصل إلى معرفة الله جل وعلا إلا بعد ماذا؟ إلا بعد الشك. فالحاصل من هذا أن قوله رحمه الله تعالى: أن سؤاله لأبيه ما يعتقده لأبيه وأبي زرعة ما يعتقدانه، بل وما يعتقده علماء الأمصار، دليل على أن من اعتقد هذه العقيدة ولو لم يعلم أدلتها -يعني لا يشترط أن يقول العالم: أن تؤمن بالله والدليل قول الله جل وعلا كذا، وأن تؤمن برسول الله والدليل قول الله كذا، وأن تؤمن بالملائكة والدليل قول الله كذا- لا يشترط. بل يكفي في هذا أن يقول: العقيدة الذي نعتقدها وندين الله جل وعلا بها كذا وكذا وكذا. إن اعتقدها ذلك السامع اعتقادًا جازمًا لا ريب فيه ولا شك، فإنه يكون مؤمنًا، ويدخل في قول الله جل وعلا: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. أتى بما يجب عليه. ما هو الواجب عليه؟ أن يسأل أهل الذكر. وقد فعل. قال رحمه الله تعالى وغفر الله له: قال فقال: "أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازًا وعراقًا وشامًا ويمنًا، فكان من مذهبهم". معلوم عن الرازيين رحمهم الله تعالى أنهما كانا من الأئمة، من الأئمة الرحالين، أصحاب رحلة في طلب الحديث، في طلب العلم رحمهم الله تعالى وغفر الله لهما. فيقولا: "أدركا العلماء في مشارق الأرض ومغاربها مما أدركاه". قال: "فكان من مذهبهم". وقوله: "فكان من مذهبهم" نستفيد ماذا؟ نستفيد أن هذه العقيدة التي نقرأها هي عقيدة أهل السنة والجماعة بإجماع، سواء من كان في الحجاز منهم أو كان في العراق، من كان في الشام منهم أو كان في اليمن، كلهم على هذا المذهب. وفيه دلالة كذلك على أن هذا المذهب هو الذي كان عليه الناس في القرون الأولى المفضلة. وإنما دخل الداخل عليهم بعد ذلك، بعد أن ترجمت كتب اليونان والهند والسند، وكتب الفلاسفة في زمن المأمون العباسي الذي أدخل على الإسلام بتلك الترجم شرًا عظيمًا، حتى قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى كلامًا معناه: قال: "وما أظن أن الله تبارك وتعالى غافلًا عما فعله المأمون العباسي في ترجمته لتلك الكتب وإدخال الشر على أهل الإسلام". قال رحمه الله تعالى: "فكان من مذهبهم الإيمان قول وعمل يزيد وينقص". قوله رحمه الله تعالى: "الإيمان" ابتدأ رحمه الله تعالى بالإيمان. لماذا ابتدأ بالإيمان؟ لأن الإيمان بالله تبارك وتعالى يتضمن أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات. والتوحيد هو أول واجب عند أهل السنة والجماعة، عند أتباع الرسل؛ لأن الله جل وعلا أخبر في كتابه الكريم أن أول ما دعت الرسل أقوامها هو عبادة الله جل وعلا. فكم ذكر ربنا تبارك وتعالى في كتابه الكريم عن رسله أنهم يقولون لأقوامهم: "أن يعبدوا الله، ما لكم من إله غيره؟" وقال الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. فقال الله جل وعلا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. وفي الصحيحين، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما بعث معاذًا إلى اليمن، قال له: "فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله". وفي رواية عند البخاري: "فليكن أول ما تدعوهم إليه توحيد الله". فهو أول واجب. لذا كان أهل السنة والجماعة أول ما يعتنون به التوحيد والإيمان بالله تبارك وتعالى. ويدل على هذا، أي على أن الإيمان يدخل فيه أو يتضمن الشهادتين وغيرها، ما جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، حينما أتى وفد عبد القيس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأوصاهم النبي صلى الله عليه وسلم، وكان مما أوصاهم بأن قال: "آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع". قال: "آمركم بالإيمان بالله". قال: "أتدرون ما الإيمان بالله؟" قال: "أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن تقيموا الصلاة، وتؤتوا الزكاة، وتؤتوا الخمس من المغنم". الشاهد: "أن تؤمنوا بالله". ففسر الإيمان بالله ما هو؟ بأن تشهد أن لا إله إلا الله. فإذا قوله رحمه الله: "الإيمان" فابتدأ بالإيمان لأجل هذه المعاني، أنه أول واجب يجب على المكلف أن يعتني به، وأن يقول به، وبه يدخل في الإيمان، ومنه وبه كذلك يخرج منه. فكان أول ما يجب على العبد أن يعتني به أمر الإيمان بالله تبارك وتعالى، وما تضمنه ذلك الإيمان من معان. نكتفي بهذا القدر في هذه الليلة، وللكلام مزيد يدرك بإذن الله جل وعلا، ويلحق بما ذكر في ليلة لاحقة. إلى هنا سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على