الدرس في شرح عقيدة الرازيين 13، ألقاها
يؤكد على أهمية الإيمان بالبعث كأحد أركان الإيمان، ويشرح عقيدة أهل السنة بشأن أهل الكبائر ومآلهم. يُبيّن أنهم مؤمنون ناقصو الإيمان ومآلهم إلى مشيئة الله.
يشرح عقيدة أهل السنة في التعامل مع مرتكبي المعاصي ووجوب طاعة ولاة الأمور في المعروف، ويناقش مخاطر الخروج عليهم وإثارة الفتن.
يتناول شروط الخروج على الحاكم الظالم ويحذر من الدخول في الفتن إلا بشروط محددة، ويؤكد على أهمية اتباع السنة والاعتصام بكتاب الله.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومسيئات أعمالنا، من يهدِ الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، ثم أما بعد. قال الإمامان الرازيان رحمهم الله تعالى: في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة، البعث بعد الموت حق. والبعث بعد الموت من أركان الإيمان الذي يجب على كل مؤمن أن يؤمن به، ومن لم يؤمن بالإيمان بالبعث فإنه لا يكون من المؤمنين. ويدل على أن الإيمان بالبعث من أركان الإيمان ما جاء في حديث عمر رضي الله عنه وأرضاه في صحيح مسلم، وما جاء كذلك بنحوه من حديث أبي هريرة في الصحيحين في سؤالات جبريل عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ومنها أن سأله عن الإيمان، فقال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره والبعث بعد الموت»، فهو ركن من أركان الإيمان. ويدل عليه كذلك أدلة كثيرة متكاثرة من كتاب الله جل وعلى، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى ورب لتبعثن﴾. وقال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب الآية﴾. وقال الله جل وعلى: ﴿فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون﴾، أي: من القبور يخرجون ويبعثون إلى ربهم جل وعلى. وأدلة ذلك كثيرة، وهذا الأمر مجمع عليه، لا خلاف بين أحد من المسلمين في وجوب الإيمان بالبعث. والبعث في اللغة بمعنى الإثارة، يقال: بعثت البعير إذا أثرته لأجل أن ينهض. وشرعًا هو خروج الناس من قبورهم إلى يوم القيامة للعرض على الله جل وعلا، وذلك حين ينفخ في الصور، كما قال الله عز وجل: ﴿فإذا نفخ في الصور فإذا هم قيام ينظرون﴾، ﴿فإذا نفخ في الصور إذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون﴾، أي: يبعثون. والبعث حق لا ريب فيه ولا شك، وحكمة الله جل وعلا تقتضيه. قال الله جل وعلا: ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا وأنكم إلينا لا ترجعون﴾، ﴿تعالى الله الملك الحق﴾. فالناس مبعوثون ومحاسبون على أعمالهم، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر. وهذا من العدل الإلهي ومن الحكمة الإلهية التي لا تتخلف. وقولهم -رحمهم الله تعالى-: «والبعث بعد الموت حق»، كما سمعتم، أهل الإيمان لا خلاف بينهم، لا خلاف بين أهل القبلة بالإيمان في البعث، وأنه ركن من أركان الإيمان. وإنما أنكره من قابل المشركون، وأنكرهم من بعد ذلك بعض الفلاسفة، وكذلك بعض المخالفين للرسل، وإلا فإنهم حق. وذكرهم من أمور الإيمان؛ لأنهم من أركان الإيمان، ذكرهم في عقائد الإيمان؛ لأنهم من أمور الإيمان الواجبة. فعلى كل مسلم أن يعلم أنه إذا مات فإنه يبعث بعد موته. وصفة البعث جاءت فيها أحاديث، منها ما جاء في الصحيح في حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أن جسد ابن آدم كلهم يهلك إلا عجب الذنب»، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ومن تُبعثون»، وعجب الذنب هو العظم الصغير الذي يكون في آخر الفقار من أسفله. قال: «ومن تُبعثون»، وذلك حينما ينفخ إسرافيل عليه السلام في الصور، فتتطاير الأرواح بإذن الله تبارك وتعالى، فترجع في أجسادها ويبعثون، أي: يبعث أهل القبور إلى أرض يوم القيامة للحساب. قال رحمه الله تعالى: «وأهل الكبائر في مشيئة الله عز وجل»، «وَلَا نُكَفِّرُ أَهْلَ الْقِبْلَةِ بِذُنُوبِهِمْ وَنَكِلُ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلُّ». قولهم -أو قولهما-: «وأهل الكبائر في مشيئة الله»؛ أي: من هم أهل الكبائر؟ أي: المخطئون لكبائر الذنوب، هؤلاء يسمون بأنهم من أهل الكبائر، هؤلاء فسقة وليسوا بكفار، هؤلاء فسقة وليسوا بكفار، بل هم مؤمنون بإيمانهم، وإن سلب عنهم الإيمان الكامل الذي يمدح صاحبه عليه، وبقي عندهم أصل الإيمان. فمن عقيدة أهل السنة والجماعة أن أهل الكبائر في مشيئة الله جل وعلا؛ أي: باعتبار مآلهم، هل هم إلى جنة أو إلى نار؟ هم في الدنيا من أهل الإيمان، يعاملون معاملة أهل الإيمان، باعتبار أنكحتهم، وباعتبار كذلك ولاياتهم، وكذلك باعتبار مواريثهم، إلى غير ذلك من أحكام أهل الإيمان. إذا ماتوا غسلوا، وصلي عليهم، ودفنوا في مقابر المسلمين. لكن هل يحكم عليهم بأنهم في النار كما قالت الخوارج والمعتزلة؟ أو يحكم عليهم بأنهم في الجنة كما قالت المرجئة؟ الجواب: لا يقال هذا ولا هذا على مذهب أهل السنة والجماعة، بل يقال: هم تحت مشيئة الله جل وعلا، إن شاء عفا عنهم بفضله ورحمته، وأدخلهم الجنة دخولًا أوليًا -أي: دون أن يدخلهم النار-، وإن شاء عذبهم بأن يدخلهم النار، ثم مآلهم إلى الجنة، ولا يخلدون فيها -أي: في النار- إذا دخلوها إذا أدخلهم الله جل وعلا، فإنهم لا يخلدون فيها، ولكن يعذبون على حسب ذنوبهم ومعاصيهم وما اقترفوه من الكبائر، ثم مآلهم إلى الجنة. وما ذهب إليه أهل السنة والجماعة هو الذي يدل عليه كتاب الله جل وعلا، ويدل عليه كذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾، وهذا نص محكم لا لبس فيه ولا إجمال ولا اشتباه، بل هو واضح بيّن محكم، جليّ من أن من ارتكب معصية دون الكفر بالله جل وعلا، دون الشرك بالله جل وعلا، فإنه تحت مشيئة الله، تحت مشيئة الله تبارك وتعالى. إن شاء عذبه عدلًا منه سبحانه وتعالى، وإن شاء عفا عنه وغفر له فضلًا ورحمة منه سبحانه وتعالى؛ لأن أفعال الله جل وعلا تدور بين الإحسان والفضل وبين العدل. فإن عذبه فبعدله عذبه بذنوبه، «وما ربك بظلام للعبيد وما ظلمناهم ولكن أنفسهم كانوا يظلمون». وإن غفر لهم ورحمهم فبفضله ورحمته سبحانه وتعالى، وهو الغفور الرحيم، وقد سبقت رحمته غضبه. قال: «وأهل الكبائر في مشيئة الله عز وجل»؛ أي: تحت مشيئة الله كما تقدم. «ولا نكفر أهل القبلة بذنوبهم»؛ والمراد بأهل القبلة أهل الإسلام، يلقبون بأهل القبلة؛ لأن قبلتهم واحدة في صلواتهم، وفي عباداتهم التي يستقبلون فيها القبلة، فأهل القبلة أي: أهل الإسلام. قولهم: «ولا نكفر أهل القبلة بذنوبهم»؛ أي: بذنوبهم التي ليست بمكفرة، أي: إذا ارتكبوا الكبائر، وقع منهم مثلًا سرقة، وقع منهم شرب خمر، هذه كبيرة وعظيمة، وصاحبها متوعد بالعذاب إن لم يعف الله جل وعلا عنه، لكن لا نقول بأنهم كفار كما قالت الخوارج، ولا نقول بأنه ليس بمؤمن مطلقًا كما قالت المعتزلة وكذا الخوارج قبلهم، بل نقول بأنهم مؤمن بإيمان، وفاسق باعتبار ما ارتكبه من الذنوب والمعاصي. فلا يعطى اسم الإيمان المطلق الذي يستحق صاحبه الثناء والمدح، والذي أثنى الله جل وعلا على أربابه، ولا ينزع عنهم الإيمان كله، بل يقال: بأنه مؤمن بإيمانه، وفاسق بمعصيته. وهذا معتقد أهل السنة والجماعة، خلافًا للخوارج والمعتزلة الذين يسلبون عنه الإيمان. ثم إن الخوارج تقول: بأنه كافر، والمعتزلة تقول: بأنه في منزل بين منزلتين. ولا نقول كذلك بأنه مؤمن كامل الإيمان، كما تقول المرجئة، بل يقال: كما تقدم، بأنه مؤمن باعتبار أصل الإيمان، وفاسق باعتبار معصيته. قال: «وَنَكِلُ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلُ»؛ أي: ما أبطنوه، ليس من شأننا أن نفتش عنه، وأن نقول مثلًا كما قالت الخوارج: بأنه ما عصى الله إلا لأنه ليس في قلبه إيمان، إذ لو كان في قلبه إيمان لما عصى الله، بل يقال: قد يعصي الله عز وجل وعنده إيمان. ويدل على ذلك ما جاء في الصحيح في قصة ذاك الرجل الذي أُتي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد شرب الخمر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أمر بأن يضربوه»، فضربهم من حضر من الصحابة، وقال بعضهم له: «لعنك الله ما أكثر ما يؤتى بك»، يعني تأمل ما أكثر ما يؤتى بك رجل يؤتى به باستمرار بشرب الخمر. فلما قال: «لعنك الله»، ماذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: «لا تلعن، لا تعن الشيطان على أخيك». وفي بعض الرواية أنه قال: «ماذا قال له؟ لا تلعنوا؛ فإنه يحب الله ورسوله». فأثبت لهم أصل الإيمان مع كونه مرتكبًا لمعصية. فكونه مرتكبًا لمعصية لا يناقض أصل الإيمان، ولكن ينافي كمال الإيمان. فأهل السنة والجماعة يقولون في أهل المعاصي -كما ذكر هاهنا-: لا ننزع عنهم مسمى الإيمان، وإن نزعنا عنهم وصف الإيمان الكامل الذي يستحق صاحبه الثناء والمدح. وأما سرائرهم: هل هم في الباطن مؤمنون؟ أو لعلهم ينافقون ويظهرون خلاف ما يبطنون؟ إلى غير ذلك، هذه الأمور وما في القلوب ليست إلينا، هذه إلى الله، هذه إلى الله جل وعلا. من أظهر لنا خيرًا قربناه، ومن أظهر لنا سوءًا بعدناه، كما جاء في صحيح البخاري عن عمر رضي الله عنه وأرضاه هذا المعنى. فالحاصل من هذا أن سرائر العباد ترجع إلى الله عز وجل، هو أعلم بما في الصدور، وهو الذي يحاسب العبد سبحانه وتعالى بعلمه جل وعلا وبذنوبه. فإن كانوا يبطنون الشر ويظهرون الخير فالله جل وعلا مطلع عليه، وإن كان العكس فالله جل وعلا كذلك مطلع عليه، فالأمر إلى الله. قال الله عز وجل: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَا خَبِيرٌ﴾، «فَأَمْرُكُمْ إِلَى مَنْ أَمْرُكُمْ إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ فَأَمْرُهَا إِلَى اللَّهُ». الله جل وعلا هو الذي يطلع، فليس لنا أن نبحث عن هذه الأمور. فمن عقيدة أهل السنة والجماعة -كما ذكر-: أن أهل الكبائر في مشيئة الله عز وجل، ولا نكفر أهل القبلة بذنوبهم، ونكِل سرائرهم إلى الله عز وجل. ونقيم فرض الجهاد والحج مع أئمة المسلمين، مع أئمة المسلمين في كل دهر وزمان، كانوا فجارًا أو كانوا طائعين، ما داموا مسلمين؛ فالواجب طاعتهم في طاعة الله جل وعلا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم -بل لأن ربنا جل وعلا قبل ذلك- أمرنا بطاعتهم. الله جل وعلا يدخل فيه دخولًا أوليًا الحكام، وفي الآية تفسيران: قيل: الحكام، وقيل: العلماء، والصحيح في الآية أن الآية تتناول الصنفين. فطاعة أولي الأمر واجبة بنص الكتاب، وكذلك بنص السنة. فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في أحاديث كثيرة يأمر بطاعة الأمير. قال النبي صلى الله عليه وسلم -كما في الصحيح-: «من أطاعني فقد أطاع الله، من أطاع أميري فقد أطاعني، ومن أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصى أميري فقد عصاني، ومن عصاني فقد عصى الله». والنبي صلى الله عليه وسلم يقول -كما عند الترمذي وغيره- بإسناد صحيح عن العرباض بن سارية في موعظته البليغة: «قال حينما قالوا له: يا رسول الله، فأوصنا»، قال: «أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن كان عبدًا حبشيًا». «والسمع والطاعة وإن كان عبدًا حبشيًا». وجاء كذلك في الصحيح من حديث ابن عمر، وبنحو من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أمر بطاعة ولي الأمر، وأخبر أن من نزع يده عن طاعة فمات ميتة جاهلية. والنبي صلى الله عليه وسلم بايع أصحابه على ذلك، بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وعلى عسر وعلى أثرة علينا، وعلى أثرة علينا. ومعنى «الأثرة»: أي أن بعض الناس يستأثرون بالدنيا دون بعض، وهذا نوع من الظلم، ولكن أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بما لا بد لهم من سمع والطاعة، بل قال: «اسمع وأطع وإن أكل مالك وضرب ظهرك». وجاء في صحيح مسلم من حديث أبي ذر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أوصاني خليلي أن أسمع وأطيع لأميري ولو كان عبد الحبشية». وأدلة ذلك كثيرة. ونقل غير واحد الإجماع على وجوب طاعة ولي الأمر في المعروف، وبالمعروف. قال النبي صلى الله عليه وسلم -كما في الصحيح من حديث علي-: «إنما الطاعة بالمعروف». فتجب طاعة ولاة الأمور المسلمين في المعروف، إن كان عندهم معاصي، وإن كان عندهم معاصي؛ فمعصيتهم إليهم وعليهم. قال النبي صلى الله عليه وسلم في أمر الصلاة -كما في الصحيح من حديث أبي هريرة-: «صلوا صلوا خلفهم؛ فإن أحسنوا فلكم ولهم، وإن أساء فلكم -أي: الأجر والثواب- وعليهم -أي: عليهم الإساءة-». ومع هذا أمرهم -أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة- بماذا؟ بالسمع والطاعة، والصلاة خلفهم. والصلاة خلفهم تدل على وجوب أداء العبادة وراءهم: من حج، ومن جهاد، ومن إعطاء الزكاة لهم إذا طلبوها، إلى غير ذلك من الأحكام. لذا كان من عقيدة أهل السنة والجماعة هذا المعتقد الذي به قوام الدنيا والدين، الذي به قوام الدين والدنيا. فلا قوام للدين والدنيا إلا بطاعة ولاة الأمور بالمعروف؛ إذ أن الخروج على ولاة الأمور، وإثارة الفتن، وإثارة الفتن على ولاة الأمور من أعظم أسباب الشرور والفتن، وتغيير الأحوال والاضطرابها: دنيا ودين. ففي الخروج على الحكام مفاسد عظيمة تعود على الدين، وتعود كذلك على الدنيا. فانظروا -وكما يقال-: الشاهد خير واقع، أو الواقع يقال: الواقع خير شاهد. انظروا إلى أحوال المسلمين في زماننا هذا، بل وفي أيامنا هذه، الذين خرجوا على حكامهم بما يسمونهم «بالربيع العربي»، الذي سماه بعض المنصفين «بالربيع العبري»؛ لأن أكثر من انتفع به اليهود والكفار عمومًا، وأما المسلمون فكان عليهم شرًا ودمارًا ووبالًا وفتنًا. انظروا إلى أحوال المسلمين حينما خرجوا على الحكام الظلمة: ماذا كان ذلك؟ ماذا كان عاقبة ذلك؟ لا قرار لهم في الدنيا ولا في الدين، بل في تشريد، ضاعت دنياهم، وضعت أخراهم. لذا كان من فقه علمائنا رحمهم الله تعالى: حينما ذكروا شروط الخروج على الحاكم -كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم حينما قالوا-: حينما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن الأمراء الذين يأتون في آخر الزمان فيؤخرون الصلاة، فقال الصحابة: «يا رسول الله، أفلا ننابذهم بسيوف؟» قال: «لا»، قال: «لا؛ إلا أن تروا منهم كفرًا بواحًا لكم من الله فيه برهان». قال علماء رحمهم الله تعالى: فالنبي صلى الله عليه وسلم ما أجاز الخروج على الحاكم الكافر إلا بشروط: الأول أن يكون ظهر منه ماذا؟ كفر، وليس أي كفر، كفر بواح -ما معنى «البواح»؟- أي: الظاهر، كما يقول علماء: الذي لا يختلف فيه اثنان، وليس كذلك فقط، «وعندكم من الله فيه سلطان»؛ أي: برهان، أدلة واضحة قطعية بأنه وقع منه ذلك الأمر، ووقع فيه من غير تأويل، انتفت في حقه الشروط أو توفرت في حقه الشروط، وانتفت في حقه الموانع حتى ترتب الحكم عليه. ومع هذا كله أفتى من أفتى من علمائنا: أن الحاكم إذا وقع في هذا الأمر وفي هذه الأوصاف المذكورة كذلك، لا يخرج عليه إلا إذا كان عند الخارجين القوة الكاملة، القادرة على الخروج عنه دون أن يترتب على ذلك مفاسد مثل أو أعظم. فإن كان يترتب على ذلك مفاسد مثل أو أعظم؛ فلا يجوز الخروج. لماذا؟ لانتفاء حكمة الحكم. وكما ذكر: الواقع خير شاهد على ما ذكره العلماء؛ أي: أنه لا يخرج على من كان هذا حاله، ولو كان الخارجون يعتقدون عقيدة جازمة بأنهم قد وقع في الكفر البواح الذي عندهم من الله فيه برهان. فالحاصل أن أهل السنة والجماعة يذكرون هذا الأمر في عقائدهم: لا على سبيل المجاملة للأمراء والسلاطين، ولا شيء من ذلك، ولكن هذا مأخوذ من عقيدتهم المأخوذة من كتاب الله جل وعلا، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي أجمع عليها السلف. ويدل عليها الاعتبار. وكما قال من قال من الأئمة -كشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير، وابن حجر، وابن رجب، وغيرهم من الأئمة رحمهم الله تعالى- وهم يتكلمون على أمور الخروج على الحاكم، قالوا: «وما خرج قوم على حاكم على الحاكم الظالم إلا ترتب على ذلك الخروج من الأضرار والمفاسد والظلم أضعاف أضعاف ما كان عليه قبله». هذا واقع الأمة على ممر التاريخ. ونحن في أيامنا هذه ما كنا نقرأه في الكتب نراه بالأعين، نراه بالأعين: أن من خرج على الحاكم -إما بقول ثورات أو ما شابه ذلك- مآلها إلى ما نراه اليوم بأم أعيننا من واقع المسلمين، وحال المسلمين، وتدهور الأمن، وتدهور الاقتصاد، وكذلك ما يحصل من الاضطرابات في أمور الدين، إلى غير ذلك من الأمور المترتبة والمفاسد الموجودة بسبب ذلك الخروج الذي لا يقره عقل، فضلًا عن إيمان. قال رحمه الله تعالى: «ولا نرى الخروج على الأئمة، ولا القتال في الفتنة كما تقدم؛ لما تقدم من ذلك». لا يجوز الخروج عليهم لما تقدم من ذلك؛ إلا بالشروط والضوابط التي ذكرها العلماء، وأشير إليها، وأشير إلى بعضها. «ولا القتال في الفتنة»؛ القتال في الفتنة -كما يقول علماء-: هو القتال الذي لأجل الملك، هذا يسمى قتال فتنة، قتال لأجل الملك، أو القتال التي تلتبس فيه الأمور، هذا يسمى قتال فتنة. وفي مثل هذه الأمور؛ فإنه يجب على المؤمن أن ينأى وأن يفر بدينه عن مواطن الفتن، كما جاءت الأدلة الكثيرة في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ولو أن جده الإنسان في الشعاب فيمكث مع غنمه خير لهم من أن يشارك في تلك الفتن». وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تكون فتن، تكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الساعي». قال: «من استشرفها استشرفت». حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الفتن، فقال: «بادر بالأعمال فتنًا، بادر بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا؛ بسبب ما ذهب الفتن والخوض فيها والدخول فيها». فجاءت الشريعة بالتحذير من الدخول والخوض في الفتن؛ لما يترتب عليها من شرور، بل ربما ترتب عليها سلب الدين: يصبح مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، والعياذ بالله. قال: «ونسمع ونطيع لمن ولاه الله عز وجل أمرنا كما تقدم، ولا ننزع يدا من طاعة كما تقدم». «ونتبع السنة والجماعة»؛ والسنة والجماعة ما كان عليه الناس، وتكون بالسير مع ولاة الأمور المسلمين، ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة. هذه من عقائد أهل السنة والجماعة، يحذرون من الفرقة بشتى أنواعها وصنوفها وألوانها، ويدعون الناس إلى الاعتصام بكتاب الله جل وعلا. قال الله جل وعلا: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾. قال الله جل وعلا: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. فديننا الحنيف أمر بالاعتصام بكتاب الله جل وعلا، أمر بالجماعة، «يد الله مع الجماعة» كما جاء في الحديث. فالمسلم العاقل يجب عليه أن يحرص على الاجتماع، ولا يكون اجتماع إلا على كتاب الله جل وعلا، وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى ما كان عليه السلف الصالح رضي الله عنهم وأرضاهم. قال الله جل وعلا: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. «وإن تنازعتم فيه من شيء فردوا إلى الله»؛ لا يكون حل للنزاعات والخلافات إلا بإرجاعها إلى الله وإلى الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وكل من خارج عن هذا الأصل وخالف الجماعة؛ فهو خارج عن السبيل القويم والصراط المستقيم. قالا: «أن الجهاد ماض منذ بعث الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام إلى قيام الساعة مع أولي الأمر من الأئمة المسلمين، لا يبطله شيء». وهذا أصل مجمع عليه، يدل عليه تلك الأصول من كتاب الله جل وعلا، ومن سنة الرسول، وعليه كذلك الإجماع من السلف رضي الله عنهم وأرضاهم. الله جل وعلا في كتابه في كتابه الكريم: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كَرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. فالله جل وعلا كتب علينا القتال؛ أي: الجهاد. الله جل وعلا: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِينُ لِلَّهِ﴾. الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾. في آيات كثيرة تدل على هذا المعنى. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بعثت بالسيف بين يدي الساعة». وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وجعل رزقي تحت ظل رمح»؛ كما في سنن أبي داود من حديث ابن عمر، في أدلة كثيرة تدل على هذا المعنى. وهذا أمر مجمع عليه. فالجهاد قائم وماض منذ بعث الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة، لكن ما هو الجهاد المعتبر؟ هل هو الجهاد الذي يفعله من يفعله اليوم من خارجين عن الحكام، من خارجين عن المسلمين؟ الجواب: لا. المراد بالجهاد: الجهاد الذي يكون تحت راية ولي الأمر، الذي يكون تحت راية ولي الأمر. لذا كما ترون في هذه العقيدة المجمع عليها الذي يقول فيها أبو حاتم الرازي وأبو زرعة الرازي: «أدركنا الناس شامًا وحجازًا وعراقًا ويمنًا، فأدركناهم أنهم يقولون»، فذكروا هذه العقيدة، «وأن الجهاد ماض منذ بعث الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة مع أولي الأمر، مع أولي الأمر من أئمة المسلمين». هذا مجمع عليه. ما هي فوضى أمر الجهاد؟ ليس فوضى، كل من جمع له جماعة قال: «الجهاد في سبيل الله»، فكان من ذلك أن كان الفساد أعظم وأعظم وأعظم مما ظنه مصلحة في خروجه مع الحاكم، فأفسدوا ما أفسدوا من الدين والدنيا، والعياذ بالله. فالجهاد الشرعي هو المضبوط بأدلة شرعية، وقواعد شرعية، دلت عليه الأدلة، وتكلم عليه أهل العلم في كتب الفقه والحديث والتفسير، وبينوا ضوابطه، وبينوا شروطه، وبينوا متى يكون ومتى لا يكون، هذا هو المعتبر. فليس الجهاد مجرد حماسات وعواطف وفوضى لا دليل لها ولا برهان، بل هو حكم شرعي دل عليه الكتاب والسنة والإجماع، وقد ضبط بضوابطه التي من فعلها وفق، ومن خرج عنها هلك، والعياذ بالله. قال: «والحج كذلك»؛ أي: الحج قائم من يوم أن بعث الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة. قال: «ودفع الصدقات من السوائم إلى أولي الأمر من أئمة المسلمين»؛ من السوائم؛ أي: من الأغنام والأبقار، وكذلك الإبل السائمة. السوائم جمع سائمة؛ لما جاء في حديث أنس في كتاب أبي بكر رضي الله عنه، وأضاف الصدقات في الكتاب الذي كتبه النبي صلى الله عليه وسلم، وكتبه أو أرسل به أبو بكر أنسًا حينما بعثه لجمع الصدقات، وفيه أنه ذكر أن تأخذ من أربعين سائمة من الغنم شاة. الشاهد منه: «السائمة»، فغير السائمة لا تأخذ، لا يأخذ منها الزكاة، ويأخذها من الحاكم، وهو الذي يرسل العمال، وهو الذي يأمرهم بمصارفها على حسب الأدلة الشرعية والمصالح الشرعية. قال رحمه الله: «والناس مؤمنون في أحكامهم ومواريثهم، ولا ندري ما هم عند الله عز وجل»؛ أي: أن الأصل في من أظهر الإسلام: أن يحكم له بماذا؟ بظاهره، الأصل في من أظهر الإسلام: صلى مع المصلين، وحج مع الحجيج، وصام معهم. الأصل أن يعطى أحكام الإسلام في الظاهر. وأما الباطن؛ فإن كان يبطن خلاف ذلك الظاهر؛ فأمره إلى الله، كما فوض النبي صلى الله عليه وسلم أمر الناس -ومنهم منافقون- إلى الله جل وعلا، عاملهم في الدنيا معاملة أهل الإسلام من حيث جميع الأحكام الظاهرة. وأما في الآخرة؛ فأمرهم إلى الله جل وعلا، وهو أعلم بما في الصدور. قال: «والناس مؤمنون في أحكامهم»؛ معنى «في أحكامهم»: أي في أحكامهم الظاهرة، أي: ولو كانوا مرتكبين للكبائر، ولو كان عندهم معاصي، عندهم فسوق وفجور، ما داموا أنهم مسلمين؛ فإنهم يعاملون معاملة أهل الإسلام في الأحكام الظاهرة. أي: من حيث أنكحتهم قائمة، من حيث مواريثهم -يعني: مواريثهم يرثون ويورثون- يورثون ويورثون. وكذلك قال: «ولا ندري ما هم عند الله عز وجل»؛ أي: بواطنهم إلى الله جل وعلا، إن كانت خيرًا فخير، وإن كانوا يبطنون خلاف ما يظهرون -أي: عندهم في قلوبهم من نفاق وكفر والعياذ بالله- فالله جل وعلا حسيبهم، وهو أعلم بعباده. قال: «فمن قال إنه مؤمن حقًا فهو مبتدع»؛ أي: من قال في إنسان ما عينه بأنه مؤمن حقًا -ما معنى «مؤمن حقًا»؟- أنه مؤمن كامل الإيمان، مؤمن كامل الإيمان، أي: ما قال فيما يظهر، فيما يبدو، والله حسيبه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن رأى أحدكم من أخيه» -يعني: إذا زكى أحدكم أخاه كما قال- «فليقل والله حسيبه أو كما قال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم». فالجزم بأن فلانًا مؤمن حقًا؛ أي: أنه حقق الإيمان، هذا -كما يقال-: هذا قول مبتدع، وقائله مبتدع؛ لأنه قول من هذا؟ قول المرجئة، هذا قول المرجئة. المرجئة هم الذين يعينون يقولون: إيمان هذا الشخص فلان كإيمان جبريل، وإيمان فلان وفلان كإيمان جبريل، فكل مؤمن عندهم كامل إيمان، ويعينونهم، وهذا قول مرجئة، وهو قول باطل مبتدع، وصاحبه إن قاله واعتقده وعلمه؛ فإنه كذلك يكون مبتدعًا. قال: «ومن قال هو مؤمن عند الله فهو من الكاذب»؛ وهذا كاذب على الله؛ فهو من الكاذب؛ أي: على الله جل وعلا، وما يدريه أنه مؤمن عند الله؟ اطلع الغيب؟ أم اتخذ عند الرحمن عهدًا؟ قال الله جل وعلا: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَص