شرح عقيدة الرازيين 12

الدرس في شرح عقيدة الرازيين 12، ألقاها

مفهوم الشفاعة وأدلتها

يتناول هذا الفصل تعريف الشفاعة لغة وشرعًا، وأدلتها من القرآن والسنة النبوية، مع بيان أقسامها. يُظهر أن الشفاعة حق كما أجمع عليه الإمامان الرازيان.

الشفاعة الخاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم

يشرح هذا الفصل أنواع الشفاعة التي اختص الله بها النبي صلى الله عليه وسلم، مثل شفاعته يوم القيامة لإراحة الناس وشفاعته لأهل الجنة لدخولها ولأهل الكبائر من أمته.

الرد على الخوارج ومعارضي الشفاعة

يتناول هذا الفصل الرد على الخوارج الذين ينكرون شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لمرتكبي الكبائر، مع توضيح صفات المعارضين للأحاديث النبوية والأدلة الشرعية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمامان الرازيان رحمهم الله تعالى: «وغفر الله لهما، والشفاعة حق، والبعث بعد الموت حق». والشفاعة حق؛ لأن الله جل وعلا أثبتها، وكذلك أثبتها نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فربنا جل وعلا أخبر أنه سيهب وسيكرم نبيه صلى الله عليه وسلم بالمقام المحمود، يعني بالمقام المحمود أن جعل الله جل وعلا له مقامًا محمودًا، ﴿عَسَى رَبُّكَ أَنْ يَبْعَثَكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾. فالمقام المحمود كما فسره النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: حينما يشفع النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عند ربه جل وعلا، فيأذن الله جل وعلا بالشفاعة لأهل الموقف. وهذا هو المقام المحمود الذي يحمده عليه جميع الخلائق. فأدلة الشفاعة كما أنها ثابتة بكتاب الله جل وعلا، هي ثابتة كذلك في سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، في أحاديث كثيرة. ذكر منها الشيخان البخاري ومسلم أحاديث كثيرة، وصنفت فيها مصنفات. ومن أحسن ما صنف في ذلك كتاب شيخنا العلامة مقبل بن هادي الوادعي، كتابه المسمى «بالشفاعة». ذكر فيه أدلة الشفاعة من الكتاب والسنة، وكذلك ذكر أقسام الشفاعة وذكر أدلتها، وذكر كلام العلماء وذكر كلام المخالفين في هذا الأمر، وهم المعتزلة. والشفاعة لغة: ما أُخذ من شفاعة يشفع شفعًا، وهو أن يجعل الفرد زوجًا. وسميت الشفاعة شفاعة؛ قالوا: لأن السائل أو الشافع -يعني الطالب من الشافع- يدعو له، يضم دعاءه مع دعاء من شفع له لحصول مطلوبه، فسمي شفعًا لأجل هذا المعنى. والشفاعة شرعًا عُرِّفت بتعاريف، ومن أحسن ما عُرِّفت به الشفاعة: أنها التوسط للغير في جلب نفع أو في دفع ضر. التوسط للغير في جلب نفع أو في دفع ضر، هذه الشفاعة. والشفاعة كما يقول علماء رحمهم الله تعالى أقسام، منها المتفق عليها بين الأمة، وهي الشفاعة الكبرى لأهل الموقف. هذه الشفاعة وهذا النوع من الشفاعة الكل متفق عليها. وأن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع لأهل الموقف، كما جاءت الأدلة في ذلك الكثير، منها حديث أنس في الصحيحين، وحديث أبي سعيد وأبي هريرة في الصحيحين، وحديث جابر في صحيح مسلم، وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم ممن حكوا عن النبي صلى الله عليه وسلم ورووا أحاديث الشفاعة. وفيها: أن النبي صلى الله عليه وسلم أن الناس يأتون بعد أن يقفوا في الموقف، فيصيبهم ما يصيبهم من الكرب، فيلهمهم الله جل وعلا أن يسألوا الشفاعة، فيأتون آدم، ثم فيقول لهم آدم: «لستُ أولها»، فيحيلهم إلى نوح، ثم نوح إلى إبراهيم، وإبراهيم إلى موسى، وموسى إلى عيسى، وعيسى إلى يقول: «اذهبوا إلى محمد نبي قد غفر له ما تقدم وما تأخر من ذنبه»، فيأتون إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول: «أنا لها، أنا لها»، فيشفع عند ربه جل وعلا، يخر ساجدًا بين يدي ربه جل وعلا، فيفتح الله جل وعلا عليه من المحامد ما لا يحسنها في حياته -أي في حياته الدنيا-، ثم يقول له ربه تبارك وتعالى: «يا محمد، ارفع رأسك وسل تعطَ، واشفع تشفع». الحديث. وهذه الشفاعة كما سمعتم، محل اتفاق. ومن الشفاعات أيضًا الثابتة: شفاعة النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لأهل الجنة بأن يدخل الجنة. وهذه من الشفاعات كذلك التي اختص بها نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ فإنه أول من يقرع أبواب الجنة، وتفتح له أبواب الجنة، فيدخلها، ثم يدخلها الرسل والأنبياء، ويدخلها أول من يدخل من الأمم أمته. هذه الشفاعة في دخول الجنة. ومن الشفاعات أيضًا: شفاعة صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لأهل الكبائر من أمته. وهذه الشفاعة يشترك فيها الرسول صلى الله عليه وسلم والأنبياء والرسل والشهداء، بل والملائكة يشفعون. بل ويخرج الله جل وعلا من شاء ممن دخل النار من أهل الكبائر، فيخرجه الله جل وعلا برحمته. هذه شفاعة عامة يشترك فيها النبي صلى الله عليه وسلم وغيره. وهذه الشفاعة هذا النوع من الشفاعة هو الذي أنكرته الخوارج والمعتزلة. ولأجل إنكارهم -أي لأجل إنكار الخوارج والمعتزلة- ذكر الأئمة رحمهم الله تعالى هذه المسألة -مسألة الشفاعة- في كتب العقائد؛ ليبينوا مذهب الحق فيها، وأن شفاعة حق، وأنها ثابتة، وأن الإيمان بها واجب، خلافًا لأهل الأهواء من الخوارج والمعتزلة الذين نفوا هذا النوع من الشفاعة. لأن عند أولئك: أن من دخل النار لا يخرج منها؛ لأن الناس عندهم إما مؤمن وإما كافر، ما عندهم مؤمن ولكن عندهم معاصي. لأن الإيمان -كما مر وأن ذكرنا مر معنا وذكرناه- الإيمان عند الخوارج وعند المعتزلة كالكتلة الواحدة لا تتجزأ ولا تتبعض، فإما أن يكون مؤمنًا كاملًا فيدخل الجنة، وإما أن لا يكون مؤمنًا أصلا فيدخل النار. فعندهم: أن من وقع في كبيرة من كبائر الذنوب يقولون بأنه ليس بمؤمن، ليس بمؤمن. فتقول المعتزلة: بأنه ليس بمؤمن، ولكنه بمنزلة بين المنزلتين -أي لا مؤمن ولا كافر-. وتقول الخوارج: بأنه كافر بالله العظيم -أي إذا فعل كبيرة من كبائر الذنوب دون الكفر- كأن يقع في شرب الخمر أو ما شابه ذلك من الكبائر. وإذا كان كذلك قالوا: فإذا لم يكن مؤمنًا فهو من أهل النار؛ لأن الجنة إنما هي مأوى المؤمنين، وهذا ليس بمؤمن، ومن لم يكن مؤمنًا فهو في النار. وهذا قول باطل؛ قد جاءت الأحاديث الكثيرة كأحاديث أنس -يعني حديث أنس- وحديث أبي سعيد، أبي هريرة، جابر في الإخبار عن نبي صلى الله عليه وسلم أنه يشفع، فيقول له ربه تبارك وتعالى: «يا محمد، ارفع رأسك وسل تعطَ، واشفع تشفع»، فيقول: «يا رب، أمتي، أمتي»، فيحد له ربه تبارك وتعالى حدًا، فيقول له: «اخرج من النار من كان كذلك» -أي في ذلك الحد-، فيخرجهم النبي صلى الله عليه وسلم بشفاعته. ثم يخر ساجدًا بين يدي ربه جل وعلا ما شاء الله أن يزجد، فيقول له ربه تبارك وتعالى: «يا محمد، ارفع رأسك وسل تعطَ، واشفع تشفع»، فيقول: «أمتي، أمتي». وهكذا في المرة الثانية والثالثة يشفع صلى الله عليه وسلم، ويشفع المؤمنون، وتشفع الملائكة، فيخرجون أناسًا. جاءت في بعض الرواية: أنهم يأمرهم ربنا تبارك وتعالى أن يخرج من النار من عرف أو من لم تأكل النار مواضع السجود منهم، فيخرجونهم. ثم يأمرهم مرة أخرى بأن يخرجوا من النار من كان دون ذلك في العمل، ثم دون ذلك، حتى يقول لهم: «أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان»، فيخرجونه. ثم يقول: «أخرجوا من النار من كان فيه مثقال برة» -أو كما قال صلى الله عليه وسلم- وكما جاء في الحديث. فالشاهد: أنهم يخرجون أناسًا من النار فيدخلون ماذا؟ الجنة. حتى جاء في حديث أبي سعيد وحديث أبي هريرة: بعد أن يشفع الأنبياء والشهداء والملائكة، فيقول ربنا تبارك وتعالى: «قد شفعت، قد شفع الأنبياء والملائكة والشهداء»، فيقول: «بقي رحمة أرحم الراحمين، بقي رحمة أرحم الراحمين»، فيخرجوا أناسًا قد امتحشوا وصاروا فحمًا وحمامًا، يخرجون من النار، فيلقون في نهر من أنهار الجنة، فينبتون فيه كما تنبت الحبة في حمل السيل. ويسمى أولئك الذين أخرجوا من النار برحمة أرحم الراحمين تبارك وتعالى: يلقبون بالجهنميين، ويلقبون بأنهم عتقاء الرحمن -أو كما جاء في ذلك الحديث-. بل قد جاء في حديث أبي هريرة عند الترمذي وغيره: ومنحه من حديث أنس: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي». شفاعة لأهل الكبائر -أي لأهل الذنوب- من أمتي. فهذه الأحاديث لا ترد، واضح بين. فالمؤمن يؤمن بها ويسلم لها ويخضع لها. وأما من كان في قلبه حرج، فهو الذي يعارض الأحاديث والأدلة الكثير المتكاثرة بآرائه الفاسدة، وكذلك بعقلياته الكاسدة. والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، على آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على