الدرس في شرح عقيدة الرازيين 1، ألقاها
يبدأ الدرس بمقدمة دينية تقليدية ثم ينتقل إلى اعتقاد أبي زرعة وأبي حاتم الرازيين من كتاب "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة". يُبين أهمية أخذ العقيدة عن أهلها.
يُبرز الدرس أهمية أخذ العقيدة الصحيحة عن الأكابر من أهل العلم والدين، كما فعل الإمام عبد الرحمن ابن أبي حاتم عندما سأل أباه وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة.
يناقش المقطع تقسيم الدين إلى أصول وفروع، ويرفض هذا التقسيم لما أدى إليه من اعتبار الفروع غير مهمة ورفض أحاديث الآحاد في العقائد، ويُؤكد على أهمية العمل بالأخبار الثابتة.
سأل الإمام ابن أبي حاتم أباه عن أصول الدين، وتم التأكيد على أهمية هذا السؤال لفهم الدين، مع الإشارة إلى عدم استكمال الموضوع في الدرس الحالي.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، فنحن اليوم بإذن الله تبارك وتعالى مع درسٍ جديدٍ بإذن الله تبارك وتعالى من دروس أئمتنا رحمهم الله تعالى. وهذا الدرس هو اعتقاد أبي زرعة وأبي حاتم الرازيين، وهما من أئمة الدنيا رحمهم الله تعالى وغفر الله لهما في زمنهما، من أئمة الحديث والجرح والتعديل ومن أئمة السنة. فنقرأ بإذن الله تبارك وتعالى ابتداءً من هذه الليلة، ليلة الجمعة، ليلة سبعة وعشرين من شهر صفر لعام ستٍ وثلاثين وأربعمائة وألف من الهجرة، في هذا المعتقد الصافي النقي من معتقدات أهل السنة والجماعة، الذي ينقله لنا هؤلاء الأئمة رحمهم الله تعالى وغفر الله لهم. هذا المعتقد ذكره الإمام اللالكائي رحمه الله تعالى في كتابه «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة»، وعنون عليه بقوله رحمه الله تعالى: «اعتقاد أبي زرعة عبيد الله ابن عبد الكريم وأبي حاتم محمد ابن إدريس ابن المنذر الرازيين وجماعة من السلف ممن نقل عنهم» رحمهم الله. قال رحمه الله تعالى: أخبرنا محمد ابن المظفر المقري، قال: حدثنا الحسين ابن محمد ابن حبش المقرئ، قال: حدثنا أبو محمد عبد الرحمن ابن أبي حاتم، أي الرازي الإمام ابن الإمام. عبد الرحمن ابن أبي حاتم إمام، عبد الرحمن، عبد الرحمن. وقال: حدثنا أبو محمد، صاحب كتاب الجرح والتعديل، وصاحب كتاب التفسير، تفسير القرآن، وصاحب كتاب المراسيل، وصاحب كتاب العلل، وله كتب عدة، جعل الله تبارك وتعالى فيها البركة والخير، وكان من الأئمة الصالحين رحمهم الله تعالى جميعا. حتى قال عنه أبوه الإمام أبو حاتم الرازي: «والله لا أعلم لعبد الرحمن من ذنب، والله لا أعلم لعبد الرحمن من ذنب». وقيل له: «ما نعلم أكثر رحلة منك؟ قال: بلى، عبد الرحمن أكثر رحلة». وهذا يدل على ما من الله جل وعلا على هذا الولد بسبب تربية ذلك الأب المبارك، فهو كما يقال شجرة طيبة أنبتت ثمارا طيبة. قال رحمه الله تعالى: حدثنا أبو محمد عبد الرحمن ابن أبي حاتم، قال: سألت أبي -أبوه أبو حاتم الرازي الإمام الجليل- وأبا زرعة -وأبو زرعة كذلك من أئمة الدنيا في زمنه- رحمه الله تعالى وغفر الله له، عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين، وما أدرك عليه العلماء في جميع الأمصار، وما يعتقدان من ذلك. يُستفاد من هذه المقدمة أمور عدة، أولها: أن العقيدة الصحيحة تُأخذ عن أهلها، ومن أهلها تُأخذ عن أهلها. لذا نجد الإمام عبد الرحمن ابن أبي حاتم سأل إمامي هدى، سأل أباه وأبا زرعة، وهما من أئمة الدين رضي الله عنهم ورحمهم الله. وسألهم كما ترون عن مذاهب أهل السنة، أي في العقيدة. وهذا الأمر يُفيدنا أو يدلنا على الأمر الثاني، وهو أن طالب العلم يأخذ عقيدته عن الأكابر، عن أكابر أهل العلم والدين، أهل الصيانة والأمانة وأهل الحكمة والديانة؛ لأن الأمر دين. وكما قال الإمام ابن سيرين رحمه الله تعالى: «الأمر دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم». فالأمر ينبغي، ولا سيما في أمر الاعتقاد، أن يؤخذ عن الأثبات والثقات، وعن الأئمة الراسخين رحمهم الله تعالى وغفر الله لهم. وقوله رحمه الله تعالى: «سألت أبي وأبا زرعة»، كذلك فيه سؤال أهل العلم لتجلية ما يحتاج إلى تجلية، وتوضيح ما يحتاج إلى توضيح، ومنه هذا السؤال عن أمر العقيدة. وقوله رحمه الله تعالى: «عن مذاهب أهل السنة والجماعة»، أي عما يذهب إليه أهل السنة والجماعة في باب الاعتقاد. وقوله: «عن مذاهب» يدل على أن إطلاق لفظ المذهب لا يختص بالمذاهب الفقهية فحسب، بل يطلق على كل ما يذهب إليه الإنسان من مذهب عقدي أو مذهب فقهي. فيقال: هذا على مذهب أهل السنة والجماعة، هذا على مذهب الأشاعرة، هذا على مذهب المعتزلة، مذهب هذا باعتبار مذاهب العقيدة. ويقال كذلك: هذا على مذهب الإمام أحمد ابن حنبل في الفقه، وهذا على مذهب الشافعي، وهذا على مذهب مالك، وهكذا، باعتبار مذاهب الفقهية. فإذا المذهب هو ما ذهب إليه الإنسان، فكل ما ذهب إليه الإنسان يسمى مذهبًا في أمر دينه، سواء كان في باب العقائد أو كان في باب الفقه. وقوله رحمه الله تعالى: «عن مذاهب أهل السنة»، أي عما يذهب إليه أهل السنة والجماعة في أصول الدين. وقوله رحمه الله تعالى: «في أصول الدين»، أي في أمر العقائد. ومقصدهم بأصول الدين أمور أو أصول الدين التي جاءت في حديث جبريل عليه السلام حينما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وتؤمن بالقدر خيره وشره، وتؤمن بالبعث بعد الموت». هذه أصول الإيمان. وسؤالهم رحمه الله تعالى عن أصول الإيمان، أي عن هذه الأصول، وعن الأصول المرتبطة بهذه الأصول، وعن ما يكون تبعا لهذه الأصول. وها هنا تنبيه، وهو أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى له كلام ينتقد فيه على تقسيم الدين إلى أصول وفروع، وذكر أن هذا المذهب هو مذهب المعتزلة والمتكلمين. ونقد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ليس منصبًا على مجرد الاصطلاح، ولكن منصبًا على ما تفرع عن هذا الاصطلاح؛ لأن المتكلمين أرادوا بهذا الاصطلاح أرادوا مقصدًا ومعتقدًا باطلًا. فقسموا الدين إلى أصول وفروع، وفي تقسيمهم الدين إلى أصول وفروع جعلوا أن الفروع لا يرتفع إليها ولا كذلك يُعتنى بها. وهذا قولٌ باطل، بل الدين كله لله ومن عند الله، قال الله جل وعلا: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾. وكذلك في تقسيمهم الدين إلى أصول بنوا ذلك على قواعد فاسدة، فقالوا: إذا كان الدين أصول وفروع، فالأصول لا تُؤخذ إلا من الأمور اليقينية. ما معنى هذا؟ قالوا: معناه أن أمور أو ما كان في باب أصول الدين فإنه لا يُقبل إلا إذا كان طريقه متواترًا؛ لأن المتواتر هو اليقين، وما سوى ذلك ليس بيقين. وأصول الدين لا تُؤخذ إلا بيقين. ففرَّوا على ذلك رد أحاديث الآحاد في باب العقائد، بل ورد أحاديث الآحاد المتواتر في باب العقائد، باعتبار آخر، وهو أن دلالتها ظنية وإن كانت من حيث الثبوت هي قطعية. فشيخ الإسلام رحمه الله تعالى إن صبَّ نقدَه على هذا المعنى الذي حاصله رد الأخبار الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجة أنها آحاد، أنها لا يُعمل بها في باب العقائد؛ لأن باب العقائد أصول ويقين، ولا يُعمل فيه إلا بما كان يقينيًا. وهذا كلامٌ باطل. لذا نجد الأئمة المتقدمين رحمهم الله تعالى يصفون كتبهم تارةً يقولون: كتاب السنة، مثل «السنة» لابن أبي عاصم، وتارةً: كتاب التوحيد، مثل «كتاب التوحيد» لابن خزيمة، وتارةً: كتاب السنة، كـ«السنة» لعبد الله بن أحمد، وأحيانًا: أصول السنة، كـ«أصول السنة» لإمام أحمد. وهكذا في مثل هذه المسميات. ومن أطلق من الأئمة رحمهم الله تعالى لفظ أصول الدين على المعنى الصحيح، فإنه يقال: لا مشاحة في الاصطلاح، لكن على المعنى الصحيح. ما هو المعنى الصحيح؟ أن يكون باعتبار المأخذ، وباعتبار كذلك الثمرة والنتيجة، هو كتسمية غيره بالاعتقاد، بالسنة، بالتوحيد. هذا لا بأس به. وعلى هذا مشى الإمام ابن أبي حاتم في سؤاله لأبيه، إذ قال في ذلك: أنه سأل أباه عن أصول الدين. والوقت قد مضى، فنؤجل ما تبقى إلى درس لاحق. إلى هنا سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. سأل أباه عن أصول الدين.