المحاضرة بعنوان خطورة الغفلة عن الكتاب والسنة، والتي كانت بمسجد الفردوس بعدن 2 جمادى الأولى 1442هـ ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتحدث الشيخ عن خطورة الغفلة التي أصابت كثيرًا من الناس، حيث غفلوا عن دينهم وعبادتهم. الغفلة ليست فقط عدم أداء العبادات بل أداؤها دون خشوع.
الغفلة خطيرة وقد تقود إلى النار، وهي صفة ذميمة حذر الله منها وتؤدي إلى بعد العبد عن الله. الغافلون لا ينتفعون بجوارحهم ويشبهون بالبهائم.
أسباب الغفلة تشمل طول الأمل والتعلق بالدنيا، ومن علاماتها الكسل في الطاعة والتهاون في فعل الذنوب. يجب اختيار الصحبة الصالحة لتجنب الغفلة.
بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كلام الله عز وجل، وخير الهدي هدي نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، أجارني الله وإياكم من البدع والضلال والنار. أيها المسلمون عباد الله، أولًا نحمد الله عز وجل الذي من علينا لزيارتكم في هذا المكان المبارك، وذلك من نعم الله عز وجل علينا التي تحتاج إلى شكر، وأيضًا نشكر الشيخ عبد الغفور حفظه الله تعالى على ما قدم وترحيبه وحسن ظنه بإخوانه، كما أننا نشكر الجميع الحاضرين والقائمين على هذا المسجد المبارك، ونسأل الله عز وجل أن يجعل ذلك في ميزان حسنات الجميع. وهذه مقدمة بين يدي المحاضرة للشيخ يوسف حفظه الله تعالى، فأصر أن أتكلم قبل المحاضرة، فإن كان من شيء أذكر به نفسي وإياكم فمعلوم، وإننا لنرى عباد الله أننا في زمن طغت فيه الملهيات وكثرت فيه المغريات، وأصبح كثير من الناس في غفلة عما خلقوا من أجله. وأصبح كثير من الناس في سعي وراء هذه الدنيا، والكل يعلم أنه لا يأتيه إلا ما كتب له، فهذه الغفلة يا عباد الله أن الواحد منا يغفل عما خلق من أجله، أصيبتها عظيمة، فإن الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم ﴿اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم﴾. فأصبح كثير من الناس لو نظرت إلى الواقع تجد أن كثيرًا من الناس في غفلة عن أمر دينه، ويختلف الواحد من الآخر في الغفلة التي دخلت عليه، فمن الناس من هو غافل بالكلية، والعياذ بالله، لا يفرق بين الأوامر والنواهي، وكأنه لم يخلق في هذه الدنيا إلا سعيًا وراء ملذاته وشهواته. وما فكر فيه منذ أن يستيقظ أين يكون مكانه وأين لعبه وأين أكله وهكذا، لربما أينما يفعله من المحرمات، وهذه من أشد الغفلة، ومن الناس من فيه خير، لكن دخلت عليه الغفلة، شعر أو لم يشعر، يعلم شيئًا من أمر دينه، لكنه أيضًا في غفلة عن بقية الدين، لا هو من الذين يستمعون لمن يعلم الأحكام، أو من يذكره بآيات الله وبسنة النبي صلى الله عليه وسلم، لا يجلس في المحاضرات ولا في الدروس، ولا يسأل عن دينه. ولربما الخطبة الجمع يأتي فيها متأخرًا مع الإقامة، فبالله عليكم كيف يزداد هذا الإنسان بصيرة في دينه، ومتى يرجع عن هذا الأمر وعن هذه الغفلة؟ ولهذا فإن الله عز وجل قد بيّن ذلك في كتابه، فقال سبحانه وتعالى ﴿يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة غافلون﴾. قال ابن كثير رحمه الله: أي أن كثيرًا من الناس في أمر الدنيا تجده ذكيًا فيها، فطنًا، يعرف مكاسبها، وكيف يدخل أمر الدنيا عليه، وكيف يسأل عن أمور دنياه، أي العمل أفضل، وأي المال أكثر، وأي شيء ينفعه في الدنيا، فطن، لكنه في أمر الآخرة غافل، لا يسأل، وهذا واقع كثير من الناس. إذا أراد أن يشتري جهازًا أو سيارة تجده يسأل أي نوع أفضل، يسأل الطبيب أو المهندس هذا، ثم المهندس الثاني، ثم الثالث، لماذا؟ هو سيشتري حاجة من أمر الدنيا، يقول سأخسر إن لم أتأكد أي نوع أفضل، فيسأل الأول والثاني، ولربما أيام يسأل، لكنه ما قد سأل يومًا واحدًا عن أمر من أمور الصلاة، كيف وضوءك، كيف صلاتك، كيف أفعل؟ ماذا علي من أحكام؟ ماذا علي من أمر الدين؟ لا يسأل، ما في داعي يسأل، هكذا يقول. وأصبح الحال عند كثير من الناس، هدانا الله وإياهم، هذه غفلة، قال الحسن البصري رحمه الله: ﴿يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة غافلون﴾، قال: تجدوا الواحد منهم يعرف أمر الدنيا، إذا يعرف أمر الدنيا بأن يمسك الدرهم، معنى كلامه، ويجعله على ظفره، فيخبرك بوزنه. قال: لكنك تجده لا يحسن الصلاة، أوجب شيء من الواجبات بعد التوحيد الصلاة، تجده في غفلة عن هذه العبادة العظيمة، لا يسأل عنها، ولا يعرف كيف يصلي، بينما في أمر الدنيا هو ذكي وفطن فيها، هذه غفلة عباد الله، لا بد للمسلم أن يراجع نفسه عن هذا المنكر وعن هذا الخطأ. وكأن بعض الناس لا يهمه أمر الدين، لا يحتاج أن يسأل، المهم أصلي، يركع وينزل مع الناس، ويركع ويسجد، ماذا تقول؟ هل ذكرك صحيحًا؟ هل قولك صحيح؟ هل وضوءك صحيح؟ متى تتعلم؟ متى تتعلم هذه العبادات التي يجب عليه؟ هذه واجب فرض عيني على كل مسلم أن يتعلم، لكن أصبح الكثير، والعياذ بالله، في غفلة عن دينه، وفي غفلة عما خلق من أجله. وهكذا تأتي ويأتي بعض الناس وتدخل عليهم الغفلة من حيث لا يشعرون، تجد أن بعض الناس يقول لك: أنا أذكر الله، أنا أفعل الطاعات، أنا أفعل الطاعات، خلاص، لست من الغافلين، لست من الغافلين، لأن الله عز وجل يقول ﴿واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين﴾. فذكر الله عز وجل من الأسباب التي تجنبك الغفلة، لكن ذكر الله من الأسباب، أي ذكر يقول البعض: أنا أذكر الله، أصلي، أقرأ أذكار الصباح والمساء، لربما يختم المصحف في شهر أو في أقل من ذلك، لكن أشعر بالضيق والغفلة ما زالت، هل أنت تذكر الله على الوجه المطلوب؟ يذكر الله ولكنه في ذكره في غفلة، يصلي الصلاة ولا يتمعن ألفاظه، يقرأ القرآن ولا يتدبره. فالمطلوب يا عباد الله ليس القراءة فحسب، صلاة لا تنهاه عن الفحشاء والمنكر، بسبب أنه لا يصلي الصلاة الصحيحة على الوجه المطلوب، يقول تعلم، لكن هل أنت تستحضر وقلبك يستحضر العبادة بأنك تتعبد الله عز وجل؟ هل تستحضر هذه الألفاظ في الصلاة والأقوال والأفعال؟ هل أنت تشعر بأنك خاضع؟ لأن العبادة هي الخضوع، تخضع لله عز وجل بفعلك لهذه العبادة، في خضوع، خشوع، سكينة، ووقار أمام الملك سبحانه وتعالى، ملك الملوك. لو دخل الواحد منا عند ملك من ملوك الدنيا، هل سيتحرك؟ أو كان يريد أن يدخل ويسأله سؤالًا أو يطلب منه حاجة، هل سيعبث أمامه؟ لا أبدًا، حتى يعطيه ما يريد، لكن أنت تدخل في الصلاة وتريد أن الله عز وجل يغفر لك، ثم تصلي وأنت لاهٍ وأنت في غفلة، تشعر بالتكبيرة، وإذا بك في آخر الصلاة تسمع الإمام يسلم، ماذا قرأ؟ ماذا قرأت؟ ماذا دعوت؟ هل قرأت الفاتحة؟ هل؟ وهل؟ هذه أمور عباد الله، لا بد أن نتنبه لها. فالغفلة يا عباد الله تدخل حتى على أهل الصلاة وعلى أهل الخير، لأن الله عز وجل قد بين في كتابه الكريم، فقال ﴿وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون﴾، كثير من الناس في غفلة، تدخل عليهم الغفلة، وهم لا يشعرون، فيا عباد الله الغفلة خطيرة، خطيرة جدًا، قد تقول بصاحبها إلى الدخول في النار، والعياذ بالله، قد تقول به إلى الدخول في النار. قال الله سبحانه وتعالى ﴿إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا وطمأنوا بها هم عن آياتنا غافلون أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون﴾، عن آياتنا غافلون، أولئك مأواهم، مصيرهم أين؟ النار، بما كانوا يكسبون، بسبب ما يكسبوه من غفلة عن آيات الله عز وجل. فالغفلة يا عباد الله قد تؤدي بصاحبها إلى الدخول في النار، وهكذا يا عبد الله تريد أن تعرف منزلتك عند الله عز وجل، يقول ابن القيم رحمه الله: على قدر غفلة العبد عن ذكر الله يكون بعده عن الله، فانظر إلى نفسك، هل أنت في غفلة عن ذكر الله عز وجل أم في قرب؟ إذا كنت من الذاكرين، لكن الذكر ليس فقط تحريك اللسان والأصابع فقط من غير استحضار قلب، لا هذا ما يؤدي المقصود، وليس هذا المطلوب، بل لا بد أن يؤثر ويتحرك القلب، وتستحضر أنك تذكر الله عز وجل. نعم يا عبد الله، فإن كنت ذاكرًا لله عز وجل وفي إكثار منه، فأنت في قرب من الله عز وجل، أما إن كنت في غفلة وفي بعد عن ذكر الله عز وجل، إما غفلة بالكلية، وإما غفلة تذكر، لكن من غير استحضار، من غير تحرك، أو مع الإساءة، تجد بعض الناس لربما يسبح بعض الصلاة، لكنه يحرك أصابعه هكذا، وتسمع حرف السين فقط، وتسمع حرف الدال، وكأنه حشرة يوزوز فقط، وهو في الحقيقة لا يعرف ماذا يقول، ولا يستحضر ما معنى سبحان الله، الحمد لله، الله أكبر، لا يستحضر هذه المعاني، ولا يتفهم. قد يقول الغافل: أنا ما أعرف، أخي اسأل، وقرأ في الكتب، وقرأ من شرح مثل هذه الأذكار، فنعم يا عباد الله، فلا نكون من يتصف بهذه الصفة الذميمة الغفلة، فهذه مقدمة بين يدي المحاضرة للشيخ يوسف حفظه الله تعالى، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من عباده الصالحين الذاكرين له كثيرًا سبحانه وتعالى، ولا يجعلنا من الغافلين، إنه على كل شيء قدير. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. عباد الله، نحمد الله جل وعلا الذي يسر لنا زيارتكم واللقاء بكم في هذا المسجد المبارك، مسجد وجامع الفردوس، الذي نسأل الله جل وعلا أن يجمعنا وإياكم في الفردوس الأعلى، ونكرر الشكر لأخينا الشيخ الفاضل عبد الغفور اللحجي حفظه الله على حسن ترحيبه بإخوانه وحسن ظنه بهم. ونسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياه لكل ما يحب ويرضى، وشكر الله لأخينا الفاضل عايض النمور حفظه الله على هذه الكلمات النافعات التي ذكرنا فيها بخطر الغفلة، هذا المرض وداه الذي قد يصيب قلب العبد فيكون سببًا في هلاكه وفي خسارته في الدنيا والآخرة. مرض إذا ابتلي به العباد كان سببًا في بعدهم عن الله، وسببًا في انتشار المعاصي والذنوب، وانتشار المنكرات والفواحش، ولذلك حذرنا الله جل وعلا من هذا المرض والداء أيما تحذير، وبين سبحانه وتعالى خطورة هذا الداء وأنه من صفات الكافرين، فهم من أشد الخلق غفلة عما خلقوا له، وعما أوجدهم الله سبحانه وتعالى لأجله في هذه الحياة. قال الله جل وعلا ﴿إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون﴾، الذين لا يرجون لقاء الله هم الكافرون، وهم الغافلون، اطمأنوا بهذه الحياة الدنيا، وركنوا إليها، وظنوا أنهم مخلدون فيها، فعملوا لأجلها، وأحبوا لأجلها، وأبغضوا لأجلها، ووالوا لأجلها، وعادوا لأجلها، هؤلاء هم الغافلون عن آيات الله، عن آيات الله جل وعلا الكونية، فلا يتعظون، ولا يعتبرون، وعن آيات الله جل وعلا الشرعية، فلا يأتمرون، ولا يستجيبون. الغفلة عباد الله حذر الله جل وعلا نبيه عليه الصلاة والسلام منها لخطورة أمرها، قال جل وعلا ﴿واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين﴾، لا تكن من الغافلين عن ذكر الله، وعن طاعة الله، وعن عبادة الله، الغافلون عباد الله لا ينتفعون بهذه الجوارح التي من الله جل وعلا بها عليهم، من سمع وبصر ولسان ويدين وقدمين. قال الله جل وعلا ﴿ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون﴾، هكذا شبهم الله جل وعلا بالأنعام والبهائم التي لها أسماع لا تنتفع بها، ولها أبصار لا تنتفع بها، ولها جوارح لا تنتفع بها، وهكذا حال الغافل، حال كحال البهيمة، لا ينتفع بسمعه، يسمع الحق فلا ينقاد له، ويسمع الباطل فينقاد إليه. يرى الحق بعينيه فلا يأخذ به، ويرى الباطل بعينيه فيجري خلفه، لم يستفد من جوارحه التي بها يتوصل إلى معرفة الحق، ويجتنب بها الباطل، فصار حاله كحال البهائم، قال الله جل وعلا ﴿وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله﴾، نعم لم تنفع هذه الجوارح لأنهم غفلوا عن الانتفاع بها. فلذلك كانت الغفلة أثرها خطير على العبد، وأثرها كبير على الإنسان، فوجب عليه أن يتنبه، وأن يحذر أن يتصف بهذه الصفة، وأن يصاب بمثل هذا المرض الغفلة عما خلق لأجله في هذه الدنيا، وعما أوجده الله جل وعلا في هذه الحياة، هل وجد عبثًا وهملًا؟ هل وجد سدًا؟ وكذلك من غير غاية وقصد؟ هل حياته في هذه الدنيا كحياة البهائم؟ يأكل ويشرب ويلعب ويمرح ويتمتع؟ لا عبادة ولا طاعة، لا قياد ولا انتهاء، لا يؤمر ولا ينهى. أيحسب الإنسان أن يترك سدى؟ أن يهمل كما قال ابن عباس، فلا يؤمر ولا ينهى، ألم يكن أطفة ممن يمنى؟ ثم كان علقة فخلق فسوى، فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى، أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموت؟ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا وأنكم إلينا لا ترجعون؟ فتعالى الله الملك الحق، لا إله إلا هو رب العرش الكريم، تعالى الله جل وعلا أن يكون خلقه عبثًا وأن يكون خلقه سدًا لا لغاية ولا لحكمة. وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين، ما خلقناهما إلا بالحق، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، وقال جل وعلا كذلك مبينًا هذه الغاية العظيمة وهذه الحكمة الجليلة ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين﴾، الغفلة عن طاعة الله جل وعلا وعبادته، وعن فعل أوامره، واجتناب نواهيه، وتحقيق العبودية لله جل وعلا في هذه الدنيا، أن يكون العبد عبدًا لله، ذليلًا، خاضعًا لأوامر الله سبحانه وتعالى. الغفلة عن الآخرة وأهوالها، وأن عظائمها وشدائدها، الغفلة عن القبر وظلمته، الغفلة عن النار وعذابها، والغفلة عن الجنة ونعيمها، الغفلة عباد الله إذا تمكنت في قلب العبد جعلته يركن إلى الدنيا، ويبتعد عن الآخرة، إن من علامات الغافل أن يكون كسولًا في طاعة الله وعبادته. قال الله جل وعلا في المنافقين مخبرًا عن تكاسلهم في الطاعة والعبادة ﴿وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس لا يذكرون الله إلا قليلا﴾، هذا حال أهل النفاق، أهل الغفلة، الذين طبع على قلوبهم بالكفر والعناد، فإذا كان العبد كسولًا في طاعة الله، فليعلم أنه مصاب بهذا الداء والمرض، يسمع النداء إلى الصلاة فلا يستجيب، تقام صلاة الجماعة وهو في مجلسه، ربما في مجلس قمار، يخزن ولا يبالي بنداء المنادي. وربما تحت شاشات التلفاز، أو يقلب جواله في مواضع النت والنظر فيما يبث فيه من بلاء، يسمع النداء فلا يبالي، أو ربما في مجره وذكانه، تقام الصلاة وهو لا يبالي، هذه من الغفلة، جاء في صحيح الإمام مسلم من حديث عمر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ينتهي أن أقوامًا عن ودعهم الجماعات أو الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين». وجاء عند النسائي وصححه الألباني رحمه الله: «لينتهين أن أقوامًا عن ودعهم الجماعات أو ليطبعن الله على قلوبهم»، فتضييع الجماعات والجمعات سبب للطبع على القلوب، فيقع صاحبها في الغفلة، ومنها التهاون في فعل الذنوب والمعاصي، يفعل الذنب بعد الذنب والمعصية بعد المعصية، وكأنه لم يرتكب شيئًا، ولم يفعل خطأ، ولم يقع في ذنب، يرى الذنوب كأنها ذباب وقع على أنفه فقال به هكذا. كما يقول المسعود رضي الله تعالى عنه: «إن المؤمن يرى ذنوبه كجبل يخاف أن يقع عليه، وإن المنافق أو الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا»، بكل سهولة، لا يبالي بارتكاب هذا الذنب، ولو كان كبيرًا من كبائر الذنوب، لأن قلبه غافل، قال أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: «إنكم لتعملون أعمالًا هي في أعينكم أدق من الشعر، كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات». أي المهلكات، لماذا؟ لأن القلوب حية، قلوب مؤمنة، قلوب متذكرة، قلوب تتعذب وتعتبر، فسرعان ما إن وقعت في ذنب أو خطأ أو زلل، علمت عظم هذا الذنب، وعظم هذا الخطأ، فسارعت بالتوبة والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، ليس معنى ذلك أن العبد يقع في شيء من الذنوب والخطايا، بل هو بشر معرض لذلك، ولو كان من أهل إيمان والتقوى، لكنه بعيد عنها، يحرص غاية الحرص على اجتنابها، خوفًا من الله، ومراقبة لله سبحانه وتعالى. فإذا زل وغلبت عليه الشهوة، فسرعان ما يرجع إلى الله سبحانه وتعالى، قال الله جل وعلا في صفات المتقين: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين ما هي صفاتهم الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون﴾. هكذا المؤمن، هكذا التقي، إذا وقع في الذنب أسرع بالتوبة والإنابة والرجوع إلى الله جل وعلا، ولم يصر على فعل الذنب، ويستمر، لأن الاستمرار في فعل الذنوب، وإن كان الصغائر، تصيرها كبائر، تصيرها كبائر وعظائم، ولهذا قال السلف: لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار، إذا كنت مصرًا على فعل الذنب، وإن كان صغيرة، تستمر وتكرر وتفعل، ولا تبالي، يدل ذلك على استهانة منك بمحارم الله، وعدم خوف من الله، فيجعل ذلك هذا الذنب كبيرة. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إياكم ومحقرات الذنوب»، محقرات الذنوب التي يستحقرها الإنسان، قل: هذه صغيرة، هذا ذنب سهل، هذا ذنب خفيف، وهكذا يستحقر هذه الذنوب، فيفعلها ذنبًا بعد ذنب، ويستمر ويصر، ما هي النهاية؟ قال عليه الصلاة والسلام: «فإنهن يجتمعن على المرء حتى يهلكنه»، تهلكه هذه الذنوب، تكون سببًا في هلاكه، لا نعم، لا تخرج من الذنوب صغيرة، إن الجبال من الحصى، الجبال لو وضعت حصى في كل يوم فوق حصى واستمرت على ذلك لاجتمع كومًا وجبلًا من الحصى، فكيف بالذنوب التي تفعلها وتستحقر فعلها؟ فإنها تتكاثر حتى تصير كالجبل العظيم. إذن الذنوب عباد الله سبب وعلامة على غفلة العبد، نعم عباد الله، ومن أسباب الغفلة طول الأمل، أن الإنسان يؤمل الآمال الطويلة، أنه سيعيش في هذه الدنيا السنين العديدة، فهو عنده آمال وطموح، أنه سيفعل وسيفعل في المستقبل، إذا ذكر، قال: أنا شاب، ما زلت صغيرًا، أتوب في المستقبل، إذا كبرت أو إذا شبت، وإذا كان كبيرًا، فما زال حب طول الأمل في قلبه. قال الله جل وعلا: ﴿ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون﴾، فالكفار من أعظم الخلق آمالًا، لأنهم لا يؤمنون بلقاء الله جل وعلا، فحياتهم وجنتهم هي الدنيا، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الدنيا جنة سجن المؤمن وجنة الكافر»، لكن المؤمن يعلم أنه سيرحل من هذه الحياة، وسينتقل من هذه الدار إلى الدار الأخروية. فإذا وقعت الغفلة في قلبه، وزادت عليه الطموح والآمال، كان ذلك سببًا في بعده عن الله جل وعلا وطاعته، قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين من حديث أنس: «يكبر من آدم ويكبر معه اثنان: حب الدنيا وطول الأمل»، يكبر ويكبر في السن، ويكبر معه حب الدنيا، ما زال متعلقًا بها، وعنده آمال وطموحات، أنه سيفعلها، وما يدري إلا وجاء الموت، وحطم هذه الآمال، وهذه الطموح، حتى لو كان شابًا، فالموت لا يعرف شابًا ولا شيخًا، ولا صغيرًا ولا كبيرًا، ولا صحيحًا ولا سقيمًا. كم من شباب قد نزل بهم الموت، وحال بينهم وبين التوبة والإنابة إلى الله، ثم يقول الشاب الغافل: أتوب إذا كبرت، وما يدريك أنك ستكبر، وأنك ستعيش حتى تشب؟ أعندك علم بمقدار عمرك وحياتك؟ أعندك بذلك علم حتى تقول: توب فيما بعد؟ جاء في صحيح البخاري من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام خط خطًا مربعًا، وخط خطًا طويلًا خارجًا من هذا المربع، وخط خطوطًا صغارًا إلى جوانب هذا الخط الطويل. فقال: «هذا الإنسان، وهذا أجله قد أحاط به أو محيط به، وهذا الخط الطويل الأمل، أمل طويل، آمال وطموح، وهذه الخطوط الصغار الأعراض، أسباب الموت وأعراضه، إن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا، حتى يأتيه الموت»، هذا الأمل طويل، لكن الموت قريب، ليس بينك أيها العبد وبين دخول الجنة والنار إلا أن تموت، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك»، والحديث في الصحيحين من حديث عبد الله بن شداد رضي الله تعالى عنه. هذا السوار، سوار النعل، كم بينك وبينه؟ الجنة أقرب إليك من هذا السوار، والجنة والنار مثل ذلك، أي ليس بينك وبين دخول الجنة أو النار إلا أن تموت، من أسباب الغفلة عباد الله مصاحبة الغافلين، أن تصحب أهل الغفلة، وأن تكون معهم، وأن تجالسهم، تصاحب من هو بعيد عن طاعة الله، بعيد عن بيوت الله، بعيد عن ما يحب الله جل وعلا. تقول: هؤلاء أصحابي، أجالسهم، وأخالطهم، وأكون معهم في مجالس التخزين، وفي مجالس الانترنت، وفي مجالس اللهو واللعب، ومجالس الشهوات والمنكرات، فتتأثر بهم، وتأخذ من أخلاقهم، وتكون مثلهم من أهل الغفلة، ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام أمرنا أن ننظر في جلسائنا، وفي أصحابنا، من نصاحب؟ ومن نجالس؟ ومن نخالط؟ لأن ذلك يؤثر على أخلاقنا، يؤثر على عقيدتنا، يؤثر على عباداتنا، يؤثر على استقامتنا وطاعتنا. قال عليه الصلاة والسلام: «أمر على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل، من يصاحب»، رواه أبو داود من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن المرء لا تسأل، وسل عن قرينه، إن القرين بالمقارن يقتدي، المرء على دين خليله، أي دين صاحبه، إذا كان من أهل الغفلة، فهو غافل مثلهم، إن كان من أهل تضييع الصلوات، فهو مثلهم مضيع، إن كان من أهل الذنوب والشهوات والمعاصي، فهو مثلهم. ستكون مثلهم، وإن كانوا من أهل الصلاة، ومن أهل الاستقامة، ومن أهل الطاعة، ومن أهل العبادة، فستكون مثلهم، قال عليه الصلاة والسلام: «مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يهديك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحًا منتنة»، متفق عليه من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه. إذن جليس أثر على جليسه، الصالح كحامل المسك الذي يحمل الطيب، فهو طيب في دينه، في استقامته، في صلاحه، في أقواله، في أفعاله، لا تجد منه إلا طيبًا، ونافخ الكير، ما ستجد إلا الريح المنتنة، أو كذلك ما لي تحرق ثيابك، لو أن إنسانًا تلطخ بالنجاسة، ملطخ بالنجاسة، جاء يقترب منك، هل ستقبل ذلك منه؟ هل تحب أن يجلس بجوارك؟ هل تحب أن يكون صاحبًا لك؟ الجواب: لا، ستقول: ابتعد، ريحك منتنة، ها ريحك خبيثة، وهذه النجاسة إنما هي نجاسة طارية، سرعان ما ستزول لو غسلها بالماء، فكيف بجليس السوق الذي قد تنجس قلبه، وتنجست أفعاله من الذنوب والمعاصي والخطايا؟ ثم أنت ترضى أن يكون جليسك؟ وأن يكون صاحبك؟ انتبه لذلك، انتبه أيها المسلم، لا تجعل الصحبة سببًا لغفلتك. فستنقلب عداوة يوم القيامة، قال الله جل وعلا: ﴿إلا خلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين﴾، إلا أهل الإيمان وأهل التقوى الذين كانت محبتهم لله وفي الله، فإنها تستمر ولا تنقطع، أما من كانت محبته وخلته من أجل شهوات الدنيا وملذاتها، فستنقلب هذه الخلة عداوة، ستتبرأ منه يوم القيامة، وتقول: أنت السبب أن أوقعتني في الغفلة عن طاعة الله جل وعلا، والغفلة عن الآخرة، والاستعداد لها. ربما تعب على يديك ندمًا كما قال الله جل وعلا: ﴿ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا﴾، هل تنتظر أن يقع ذلك اليوم؟ فمتى ستفيق من غفلتك؟ حتى تبعث يوم القيامة، وترى ما أخبر الله جل وعلا به عيانًا. قال الله جل وعلا: ﴿ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد وأنيب في الصور ذلك يوم الوعيد وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد﴾. كنت في غفلة عن هذا الأمر، عن الموت والاستعداد له، كنت في غفلة عن البعث والوقوف بين يدي الله جل وعلا، في غفلة عن محاسبتك عن أعمالك التي عملتها في هذه الدنيا، وفي هذه الحياة، ماذا تنفعك هذه الغفلة التي ستسوقك إلى أن تكون من أهل النار والجحيم؟ قال الله جل وعلا: ﴿وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون﴾. جاء في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، نادى مناد: يا أهل الجنة، قال فيشرئبون وينظرون، يرفعون رؤوسهم، فيقال: هل تعرفون هذا؟ أو قبل ذلك، ثم ينادي مناد: يا أهل النار، قال فيشرئبون وينظرون، فيقال: هل تعرفون هذا؟ فيقال: نعم، هذا الم