محاضرة في مسجد السنة بالفيوش

الدرس في محاضرة في مسجد السنة بالفيوش، محاضرة في مسجد السنة بالفيوش بعنوان (صلاح هذه الأمة بصلاح أولها ) ليوم السبت 9 رجب 1429هـ . ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

التمسك بالسنة والجماعة والتحذير من الفرقة والبدع

يؤكد الخطيب على نعمة الهداية إلى دين الإسلام وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، مبيناً أن أهل السنة هم الطائفة المنصورة لتمسكهم بالكتاب والسنة ومنهج السلف. يحذر من التفرق والاختلاف داعياً إلى الوحدة والاعتصام بحبل الله ونشر دعوة الحق مع تعظيم قدر العلماء العاملين.

مكانة العلماء ووجوب احترامهم والتحذير من الطعن فيهم

يستعرض الخطيب المكانة الرفيعة للعلماء في الإسلام مستدلاً بالآيات والأحاديث، محذراً من عواقب الطعن فيهم ومعاداتهم وأن بقاءهم حفظ للأمة من الضلال. ويختتم بتقديم الضيف الشيخ عبيد بن عبد الله الجابري داعياً الله أن ينفع به.

صلاح آخر الأمة بصلاح أولها والتمسك بمنهج السلف الصالح

يقرر المقطع أن إصلاح حال الأمة في آخر الزمان لا يكون إلا بالتمسك بمنهج السلف الصالح من الصحابة والتابعين وأئمة الهدى. يستدل بنصيحة وهب بن كيسان وآيات وأحاديث توجب اتباع النبي صلى الله عليه وسلم وحده محذراً من الابتداع والانحراف عن طريق السلف.

منهج أهل السنة في التلقي وأحكام طاعة ولي الأمر

يوضح المقطع منهج أهل السنة في الأخذ بالأحاديث الصحيحة متواترة وآحاداً مع وصايا السلف المحذرة من الرأي والبدع والمقاييس. ثم ينتقل لبيان أحكام طاعة ولي الأمر في ثلاثة أحوال: طاعة في المعروف، وطاعة في الاجتهاد لجمع الكلمة، وعدم طاعة في المعصية الصريحة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فإن ربنا تبارك وتعالى أرسل نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. وربنا تبارك وتعالى نفع ببعثة نبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمماً كثيراً من الناس وأجيالاً من البشرية، فأخرجهم به من ظلمات الكفر والشرك والضلالة إلى نور التوحيد والإسلام، أعزهم به بعد الذلة، وأغناهم به بعد العيلة، وجمعهم به بعد الفرقة، حتى كانوا خير أمة أخرجت للناس. ونحمد الله أيها الأخوة في الله الذي وفقنا إلى هذا الدين، ووفقنا إلى سنة المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم، السنة التي هي طريق السلامة والنجاة والعز والكرامة والسعادة في الدنيا والآخرة، كما قال ربنا عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾، ويقول ربنا تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ﴾. وهكذا يقول ربنا عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا ﴾. فنحمد الله عز وجل الذي وفقنا إلى هذه الطريق، ووفقنا إلى هذه السنة، هذه الدعوة المباركة، دعوة أهل السنة والجماعة، دعوة أهل الحديث الذين ليس لهم ما ينتسبون إليه إلا طريق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، في الوقت الذي تنتسب فيه الطوائف والمذاهب والطرائق إلى مللهم وإلى أهوائهم وإلى شيوخهم ورؤسائهم. فمن الله عز وجل على أهل السنة بأن ساروا على طريق رسول الله، وبأن اقتفوا أثر نبيهم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهم الطائفة المنصورة، وهم الفرقة الناجية، نصروا الحق فنصرهم ربهم تبارك وتعالى، نجوا في الدنيا من البدع والأهواء والخرافات والضلالات، فنجاهم ربنا تبارك وتعالى في هذه الدنيا من الضلال، وينجيهم ربنا عز وجل يوم القيامة من النار. فنحمد ربنا تبارك وتعالى على هذا الخير وعلى هذه النعمة، والواجب علينا إخواني في الله أن نسأل ربنا تبارك وتعالى المزيد من هذا الخير، وثبات على هذا الحق حتى نلقى ربنا عز وجل، امتثالاً لأمر ربنا تبارك وتعالى: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾. وهكذا يقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾. هذا الذي ينبغي علينا عباد الله أن نترسم خطى نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأن نعض على سنته، وأن نسير على طريقته، وأن نسير على ما سار عليه سلفنا الصالح من الصحابة والتابعين، ومن جاء بعدهم من أئمة الهدى ومصابيح الدجى. فإن من أراد السلامة والنجاح فعليه بطريق السلف الصالح الذين مدحهم ربنا تبارك وتعالى وأثنى عليهم، وأمرنا بالسير على سيرهم، كما قال ربنا عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ﴾. وهكذا نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَمَا هُوَ الْحَلُّ وَمَا هُوَ الدَّوَاءُ وَمَا هُوَ الْعِلَاجُ؟ فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ». نعم عباد الله، ينبغي أن ننظر إلى ما كان عليه نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم من عقيدة، ومن عبادة، ومن معاملة، ومن آداب وسلوك، ودعوة، ومن هدي، من تربية، من سير، فنعض على ذلك بالنواجذ، ونتمسك بذلك بالخناصر. هذه دعوة أهل السنة والجماعة، وهذه دعوة أهل الحديث. نعم عباد الله، ينبغي علينا أن نحرص على نشر هذا الخير، ونشر هذه الرحمة في مجتمعاتنا، في المدن والقرى، فإن الناس في أمس الحاجة إلى هذه الدعوة المباركة التي تنطلق من كتاب الله وسنة رسول الله، تدعو إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هذه الدعوة المباركة التي يحتاج إليها الرجال والنساء، الصغار والكبار، والحكام والمأمور، جميعاً بحاجة إلى هذا الهدى وإلى هذه الرحمة. المهدي قال ربنا عز وجل: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾. نعم عباد الله، أهل السنة بفضل الله عز وجل جعلوا دستورهم قول ربهم عز وجل: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾. دعوة أهل السنة من منهاجهم قول ربنا تبارك وتعالى: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾. نعم، فهم حريصون على جمع الكلمة على الحق، حريصون على لم الشمل، حريصون على تفويت الفرصة على أعدائهم الذين يحرصون في الصباح والمساء على تشتيت الشمل، وعلى تمزيق الكلمة، وعلى إيجاد الشحناء والبغضاء في صفوف المسلمين. وربنا تبارك وتعالى حذرنا من ذلك في كتابه الكريم، قال ربنا عز وجل: ﴿ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ﴾. نعم عباد الله، إن التفرق والتمزق والاختلاف إنما هو من طريق اليهود والنصارى، إنما هو من طريق الكفار والمشركين. وربنا عز وجل حذرنا من أن نسير على سيرهم أو أن نسلك مسلكهم، كما قال ربنا تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾. ينبغي علينا جميعاً أن نكون كالجسد الواحد، أن نكون أمة واحدة، وأن نكون كتلة واحدة، وأن نكون جماعة واحدة، كما أمرنا بذلك ربنا تبارك وتعالى في كتابه الكريم. فإن الأخ مع أخيه يكون بإذن الله، يحصل بإذن الله تبارك وتعالى القوة والعزة والنصر. انظروا عباد الله إلى الحبل الواحد، إذا انضم إليه مثله، إذا انضم إليه أمثاله، فإنه يصبح حبلاً قوياً يجر الأثقال. ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا». فعلينا عباد الله أن نحرص على ذلك، أن نسعى في جمع كلمة المسلمين على الحق المبين، فإنه لا ينجي من الضلالة، ولا يعصم من الفرقة، ولا يعصم من هذه الأهواء والبدع، إلا الاستسلام لشرع الله، إلا الرجوع إلى كتاب الله وإلى سنة نبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهذه دعوة أهل السنة والجماعة، ومن الأصول العظيمة التي سار عليها أهل السنة والجماعة معرفة قدر العلماء العاملين، يدينون لله تبارك وتعالى بمحبتهم وتبجيلهم وتوقيرهم، فإن ذلك من تعظيم شعائر الله. وربنا تبارك وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾، ويقول ربنا عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ ﴾. نعم عباد الله، إن للعلماء منزلة عظيمة ومكانة عالية رفيعة، فهم خيار الأمة وصفوة الأمة ووسط هذه الأمة. فعلينا عباد الله أن نحرص على محبتهم، وأن نعرف لهم قدرهم وفضلهم ومكانتهم، وأن نواليهم في الله، وأن نحبهم في الله. فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخبر عن المكانة العظيمة التي تبوأها هؤلاء العلماء، وكتاب ربنا عز وجل مليء بالآيات والأدلة التي فيها فضل العلماء وأهل العلم. قال ربنا عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾، ويقول ربنا تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾، ويقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿ وَيَرْفَعُ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ دَرَجَاتٍ ﴾، ويقول ربنا عز وجل: ﴿ وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾. وهكذا يقول ربنا تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ﴾. ويقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»، ويقول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ». فنحن عباد الله في خير وفي عافية ما وجد فينا العلماء، وما دام فينا العلماء. قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الصُّدُورِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا». نعم عباد الله، لا تزال هذه الأمة محفوظة من الزيغ، ومحفوظة من الانحراف والضلال، ما وجد فيها العلم، وما وجد فيها العلماء. فإذا ذهب العلماء كان ذلك من أسرع الطرق في حصول الضلال والزيغ في هذه الأمة. فعلينا أن نحمد ربنا تبارك وتعالى أن قيض في مجتمعاتنا، وأن أوجد في صفوفنا علماء عاملين، علماء ربانيين، يعملون بما وهبهم الله عز وجل من هذا العلم، جعلهم ربنا تبارك وتعالى مصابيح، جعلهم أنواراً في ظلمات الجهل والبدع والخرافات والحزبيات والضلالات. نعم، ردنا تبارك وتعالى حفظ علينا ديننا بوجود هؤلاء العلماء، وخاب وخسر من عاداهم، خاب وخسر من طعن فيهم، خاب وخسر من حاول أن يشكك فيهم. فإن أعداء الإسلام حريصون كل الحرص على تشكيك المسلمين في علمائهم، حتى يصير العلماء أتباع كل ناعق. نعم عباد الله، ولهذا ما أكثر الجسائس، وما أكثر الأكاذيب والافتراءات، ما أكثر الطعن والغمز واللمز، ما أكثر الاختلاقات التي تقال في علمائنا العاملين، في علمائنا الربانيين، لأجل صدهم، لأجل صد المسلمين عن هذا الخير. نعم عباد الله، إن الطعن في العلماء ليس طعناً في أشخاصهم، بل يكون طعناً في الخير والهدى الذي يحملونه. نعم عباد الله، عرف أهل الباطل أنه لن تقوم لهم قائمة، ولن يكون لهم كيان، إلا إذا فصل المجتمع عن العلماء العاملين. فعلينا عباد الله، معشر المسلمين، معشر أهل السنة والجماعة، أن نحذر من هذه المكائد، ومن هذه المؤامرات، ومن هذه الدسائس التي تهدف إلى وصول المسلمين إلى هوة ساحقة، إلى حصول الضلال والانحراف، إلى تسلق أهل البدع والباطل. قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حينما سئل: «مَتَى نَتْرُكُ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ؟» قال: «إِذَا ظَهَرَ فِيكُمْ مَا ظَهَرَ فِي الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ». قالوا: وما ظهر في الأمم قبلنا؟ قال: «إِذَا كَانَتِ الْفَاحِشَةُ فِي كِبَارِكُمْ، وَالْمُلْكُ فِي صِغَارِكُمْ، وَالْعِلْمُ فِي رَذَالِكُمْ». قال زيد بن يحيى أحد الرواة: «إِذَا كَانَ الْعِلْمُ فِي الْفُسَاقِ». فعلى كل مسلم أن يتقرب إلى ربه تبارك وتعالى بمحبة هؤلاء العلماء، هؤلاء الفضلاء، هؤلاء الأجلاء، وأن يحذر من معاداتهم، فإن ربنا تبارك وتعالى يقول كما في الحديث القدسي: «وَمَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ». إذا كان المسلم أو إذا كان الشخص قد عادى ولياً من الأولياء، فرداً من أفراد الأولياء، فإن ربنا تبارك وتعالى وتعالى يؤذن بحربه، فكيف إذا كانت هذه المعادة لسادة الأمة وأخيار هذه الأمة، العلماء العاملين؟ فعلينا عباد الله أن نعرف ما أمرنا به ربنا تبارك وتعالى، أن نعرف قدر هؤلاء العلماء، فنلزم غرزهم، ونسير على طريقتهم التي يسيرون فيها على طريق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولا يعني ذلك أننا ندعي العصمة لهم، حاشا وكلا، بل نكون وسطاً بين جفاء اليهود وغلو النصارى. فإن اليهود جفوا الأنبياء وجفوا العلماء، قال ربنا عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ﴾. هكذا كان اليهود في جفاء. وأما النصارى فإنهم تجاوزوا الحد وغلوا في الأنبياء، وغلوا في نبيهم، وغلوا في العلماء، قال ربنا تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾. فلا إفراط ولا تفريط، لا غلو ولا جفاء. نعم عباد الله، وضيفنا في هذه الليلة هو شيخنا العلامة عبيد بن عبد الله الجابري، حفظه الله تعالى، عالم جليل وشيخ فاضل، عالم أثر من علماء السلف، من علماء الذين يسيرون على طريق السلف الصالح. فنشكره حفظه الله على تلبية دعوة إخوانه وأبنائه في زيارة هذه المدينة، وفي زيارة هذا المسجد، مسجد أهل السنة في منطقة الفيوش. فنسأل الله تبارك وتعالى أن يبارك فيه وفي عمره وولده، وأن يجعله ذخراً للإسلام والمسلمين. وأنتم جميعاً على شوق لسماع كلمات شيخنا حفظه الله تعالى، فنسأل الله عز وجل أن يعينه وأن يوفقه وأن يسدده، وأن يجعل الحق على قلبه ولسانه، إنه سميع مجيب. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً به وتوحيداً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً مزيداً. أما بعد، فأقول: بارك الله فيك يا شيخ عبد الرحمن، ولقد وجدت في مناطق زيارتي من اليمن، حرسها الله وجمع خواصها وعوامها، ما يفضل لي فوق حقي وفوق ما أستحق. وأشهد الله ومن حضرنا من ملائكته الكرام أني دون كل ما يقال فيه، وهذا هو ما أعلمه من نفسي، فأسأل الله أن يتقبل مننا ومنكم جميعاً الحسنات، وأن يتجاوز عن الجميع السيئات. وأقول لأهل كل بلدة من اليمن حللت على أهلها: حياكم الله وبارك فيكم، وشكر مسعاكم وطيب ممشاكم. الكل يعلم موضوع هذه الكلمة: «صلاح آخر هذه الأمة بصلاح أولها». وعنوان هذه الكلمة التي سنلقيها خلال هذه الجلسة في مسجد السنة بمنطقة الفيوش من لحج، مستنبط من نصيحة غالية كان يلقيها في أصحابه، وذلكم العالم العلم الذي اقتبسنا عنوان كلمتنا منه، أو من نصيحته، هو وهب بن كيسان، رحمه الله. أخرج ابن عبد البر في التمهيد بسنده عن أصبغ بن الفرج، قال: عن أصبغ بن الفرج عن مالك بن أنس، رحم الله الجميع، قال: «كَانَ وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ يَقْعُدُ إِلَيْنَا وَلَا يَقُومُ حَتَّى يَقُولَ لَنَا: اعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يُصْلِحَ آخِرَ هَذَا الْأَمْرِ إِلَّا مَا أَصْلَحَ أَوَّلَهُ». قلت: والقائل أصبغ بن الفرج رحمه الله لمالك: «مَاذَا يُرِيدُ؟» قال: «يُرِيدُ بَادِيَ الدِّينِ أَوِ التَّقْوَى». وهذا شرح مختصر لتلكم النصيحة التي أراد وهب بن كيسان رحمه الله بها حظ طلابه، وهم نخبة طيبة، على التمسك بما مضى عليه أول هذه الأمة، المتأسين برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه مهما بذل من الجهود فلن يكن ثمة صلاح، فلم يكن ثمة صلاح ولا إصلاح إلا في التمسك بمنهج السلف الصالح. والسلف الصالح هم كل من مضى بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصحابة رضي الله عنهم، وهم أساس، وهم أساس الجماعة، جماعة أهل الملة الحنيفية المسلمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم أئمة التابعين، مثل سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وسعيد بن جبير، وعالية، وأبي العالية، وأبي العالية الرياحي، وغيرهم. وأئمة القرون بعدهم، كالأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبوعة، والليث بن سعد، والأوزاعي، والحمادين، والسفيانين، وشعبة بن الحجاج، وأصحاب الأمهات الست: البخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، والرازيين: أبي حاتم محمد بن إدريس، والرازي أبي زرعة، وسائر أهل الإمامة والفضل والعلم والدين من أهل القرون المفضلة، ومن يسير على نهجهم بعدهم. فإن هؤلاء شهدت لهم الأمة أنهم مضوا على السنة، نحسبهم كذلك والله حسيبهم. وهذه النصيحة لها شواهدها من الكتاب والسنة. نبدأ أولاً بما نرى أنها اقتبست منه من صحيح حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ما أخرجه أحمد ومسلم من حديث عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُ لَهُمْ، وَأَنْ يُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُ لَهُمْ، وَإِنَّ أُمَّتَكُمْ هَذِهِ جُعِلَ عَافِيَتُهَا فِي أَوَّلِهَا، وَسَيُصِيبُ آخِرَهَا بَلَاءٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَ». فالحديث الصحيح، ما أرى وهب بن كيسان رحمه الله إلا مستنبطاً تلكم النصيحة منه، وشاهده من هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: «وَإِنَّ أُمَّتَكُمْ هَذِهِ جُعِلَ عَافِيَتُهَا فِي أَوَّلِهَا»، الحديث. فهو صريح الدلالة فيما كان ينصح به ذلكم العالم العلم من أئمة التابعين وخيارهم. وهذا كما أسلفنا له أدلته وشواهده من كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، بل وإجماع الناصحين من أهل الإمامة والفضل وجلالة القدر والعلم والدين. قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾. وقال تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾. وقال تعالى: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾. فحاصل ما تضمنته هذه الآيات وما في معناها، وهو أكثر من أن يحصر، وأظهر من أن يذكر، أن الله جل ثناؤه قد سد كل طريق يزعم الناس أنها توصل إليه، سوى طريق واحدة، هي طريق محمد صلى الله عليه وسلم، فهي التي فيها الهدى والنور، وهي التي فيها الفلاح والسعادة والنجاح في الدنيا والآخرة، وليس في قول أحد من البشر، مهما يكون مكانه من بني قومه، شيء من ذلك. نعم، يحب العلماء والأئمة ودعاة الحق إلى الله على بصيرة، لا لأشخاصهم، ولكن لما عرفوا به وأظهروه للناس من التمسك بكتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم. هذا ما تضمنته تلكم الآيات إجمالاً. وأما ما تضمنته تفصيلاً، فإنه يتضح بذكر ما اشتملت عليه كل آية على حدة من الحث على التمسك بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأولى الآيات، وهي آية آل عمران، تضمنت البينة على صدق من يدعي محبة الله سبحانه وتعالى، فإن محبة الله ما من مسلم إلا وهو يدعيها، لما استقر في قلبه أنها أفضل القرب. ولكن هذه الدعوة لابد عليها من بينة، فما بينتها؟ بينتها النظر في حال هذا المدعي محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أهو على الشرع المحمدي متبعاً محمداً صلى الله عليه وسلم؟ فإن كان كذلك فدعواه محبة الله صادقة، وإن لم يكن كذلك فإن دعواه محبة الله ليست بصادقة. الآية الثانية، آية الأحزاب، هذه الآية تبين أن القدوة المرضية لله سبحانه وتعالى، وأنه يجب اتباعها، هي طريق محمد صلى الله عليه وسلم. وهذا ظاهر من معنى هذه الآية: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾. إذن هذا حصر، فإن القدوة الحسنة ليس في أحد من البشر بعد محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه لا يجوز ادعاء العصمة في غيره. فهو عليه الصلاة والسلام هو المبلغ عن ربه شرعه إلى عباده. ومن جاء بعد محمد صلى الله عليه وسلم من الصحابة رضي الله عنهم وأئمة التابعين ومن بعدهم من أئمة الهدى، هم دعاة لهذا الشرع، فمن أصابه، فمن أصابه إصابة كاملة، فهو يحب لهذا لا لذاته، فلا ينحاز إلى شخص لذاته سوى محمد صلى الله عليه وسلم لما تقدم. نعم، الانحياز إلى الصحابة، وإلى إجماعهم، وإلى إجماع من بعدهم من العلماء، لأن العلماء المجتهدين إذا اتفقوا على أمر ديني بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في عصر من العصور، كان إجماعهم هذا حجة. الآية الثالثة، وهي آية الحشر، يوضح معناها ويبينه ما تضمنته نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أن الله سبحانه وتعالى أمرنا أن نأخذ ما جاءنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن نفعل أوامره، كما أننا ننتهي عما نهانا عنه محمد صلى الله عليه وسلم. فالمعنى: مهما يأتكم به هذا النبي فافعلوه، وإن شق فعله على النفوس، ومهما ينهكم عنه محمد صلى الله عليه وسلم فاجتنبوه، وإن كانت النفوس تهوى. هذه بعض الأدلة من آي التنزيل الكريم. فماذا من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، معاشر السامعين من المسلمين والمسلمات؟ السنة الصحيحة في هذا الباب، إن لم تكن متواترة تواتراً معنوياً يوجب العلم والعمل، فهي مستفيضة. وليس أهل السنة يعمدون إلى المتواتر دون غيره من الأخبار، بل أهل السنة يستعملون ما صح عندهم من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وسواء كان ذلك الذي صح عندهم من السنة متواتراً أو آحاداً، لا يفرقون بين هذا وهذا، إلا أن المتواتر يزيد الاحتجاج قوة. وما دام الأمر كذلك، معاشر المسلمين والمسلمات، فلابد من الاختيار، لابد من اختيار أحاديث صحيحة تجلو المعنى وتوضحه، حتى يكتفى بها عن غيرها مما هو في معناها. الحديث الأول: قوله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ». فهذا الحديث نص صريح في أن المسلم مخاطب بفعل الأوامر، وأنه من رحمة الله الواسعة أنه يعفى عنه فيما عجز عن فعله من أوامر الله، كما أنه مخاطب باجتناب النواهي، فالنواهي ليس فيها عفو إلا إذا أخطأ المرء أو نسي أو أكره. الحديث الثاني: هو قوله صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ». هذه شهادة من رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن القرون المفضلة هي خير الثلاثة المفضلة، على أن القرون الثلاثة المفضلة هي خير الأمة. ف القرن الأول قرن الصحابة، فالصحابة رضي الله عنهم، أجمع أهل السنة على فضائلهم وخصائصهم، ومن تلك الخصائص أنهم ثقات عدول، وأنهم خير الناس في هذه الأمة بعد محمد صلى الله عليه وسلم، وأنهم بلغوا ما تلقوه عن النبي صلى الله عليه وسلم إلى الناس، فلم يزيدوا فيه ولم ينقصوا منه. ومن خصائصهم ومناقبهم وفضائلهم أن ما أجمع عليه حجة يجب التسليم لها، وما اختلف فيه فالنظر فيه إلى الأدلة. هذان الحديثان يكفياني عما هو في معناهما مما قدمنا القول فيه، ومن طلب ذلك وجده في الأمهات الست وغيرها من دواوين الإسلام. فماذا بقي شاهداً على هذه النصيحة، نصيحة وهب بن كيسان رحمه الله؟ بقي وصايا الأئمة من السلف الصالح، رضي الله عنهم ورحمهم. فنبدأ بوصايا خيار الأمة بعد نبيها، وهم الصحابة رضوان الله عليهم. قال الفاروق عمر بن الخطاب أمير المؤمنين رضي الله عنه: «إِيَّاكُمْ وَأَهْلَ الرَّأْيِ، أَعْدَاءَ السُّنَنِ، أَعْيَتْهُمْ أَحَادِيثُ رَسُولِ اللَّهِ أَنْ يَحْفَظُوهَا، فَقَالُوا بِالرَّأْيِ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا». وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «مَا أَظُنُّ أَنَّ أَحَدًا أَحَبَّ إِلَى الشَّيْطَانِ هَلَاكًا مِنِّي الْيَوْمَ». فقيل: وكيف؟ قال: «تُحْدَثُ الْبِدْعَةُ فِي الْمَشْرِقِ أَوِ الْمَغْرِبِ، فَيَحْمِلُهَا الرَّجُلُ إِلَيْهِ، فَإِذَا انْتَهَتْ إِلَيْهِ قَمَعْتُهَا بِالسُّنَّةِ فَتَرُدُّ عَلَيْهِ». وقال الشعبي رحمه الله، وهو من أئمة التابعين: «إِيَّاكُمْ وَالْمُقَايَسَةَ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَئِنْ أَخَذْتُمْ بِالْقِيَاسِ لَتُحِلُّنَّ الْحَرَامَ وَلَتُحَرِّمُنَّ الْحَلَالَ، فَمَا بَلَغَكُمْ عَمَّنْ حَفِظَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخُذُوهُ، أَوْ قَالَ: فَخُذُوا بِهِ». وكان مالك بن أنس إمام دار الهجرة رحمه الله يقول: «السُّنَّةُ سَفِينَةُ نُوحٍ، مَنْ رَكِبَهَا نَجَا». وقال عبد الله بن شوذب رحمه الله: «إِنَّ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَى الْأَعْجَمِيِّ وَالْحَدَثِ إِذَا نَسَكَ أَنْ يُوَاخِيَ صَاحِبَ سُنَّةٍ فَيَحْمِلَهُ عَلَيْهَا». فقوله «نَسَكَ» في عرف اليوم، في عرف اليوم: التزم. فالشخص إذا مال إلى التدين وسلك سبيل الصالحين، من حسن التدين لله عز وجل، يقولون له: التزم. والمعنى: نسك. وقال الشافعي رحمه الله: «أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ اسْتَبَانَ لَهُ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَدَعَهَا لِقَوْلِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ». وقال أحمد بن حنبل رحمه الله: «عَجِبْتُ لِقَوْمٍ عُرِفَ الْإِسْنَادُ وَصِحَّتُهُ، يَذْهَبُونَ إِلَى رَأْيِ سُفْيَانَ». وسفيان هذا هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري رحمه الله، فهو إمام جليل علم. فاتفقت هذه الوصايا، وهي منقولة عن أئمة أعلام وفضل أخيار، على شيء واحد: التمسك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، التمسك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم لا بقول أحد من البشر، والثاني: الحذر من البدع والأهواء، فإنها ضالة مضلة. ويزيد هذه الوصايا وضوحاً قول الفضيل بن عياض رحمه الله: «عَلَيْكَ بِطُرُقِ الْهُدَى، وَلَا يَضُرُّكَ قِلَّةُ السَّالِكِينَ، وَإِيَّاكَ وَطُرُقَ الضَّلَالَةِ، وَلَا تَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ الْهَالِكِينَ». بهذا القدر نكتفي. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أذان، أذان. إذن نجيب وعلى ما تيسر من الأسئلة بعد الأذان إن شاء الله تعالى. ونفع الله، ونفع الله بكم، وجعل ذلكم في موازين حسناتكم. ونفع الله، ونفع الله، ونفع الله، ونفع الله، ونفع الله. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. إذا أطلق ولي الأمر فهو الحاكم الذي نفذت سياسته في الأمة وتمكن منهم وغلب عليهم، فانقادوا له. ومن ينوب عنه من الأمراء، أو سموا المحافظين، أو سموا أو كانوا مدراء مدارس، أو رؤساء مصالح حكومية، فإنهم يطاعون فيما هو من صلاحياتهم وولاياتهم. وليعلم كل مسلم ومسلمة أن ما يصدر عن ولي الأمر، الذي هو الحاكم أو نوابه، له أحوال ثلاثة: أحدها: ما كان طاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، فهذا تجب لهم فيه الطاعة، فالطاعة في هذا الباب هي طاعة لله ولرسوله. الثاني: ما كان محل اجتهاد أو مندوب، فإنه يطاع الحاكم فيه أمراً ونهياً، جمعاً للكلمة ودرءاً للفرقة. الثالث: ما كان معصية، معصية صريحة، فهذا لا طاعة، لا سمع لهم ولا طاعة لهم فيه، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وقد جاء في الأمر